( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
كتب محرر الشؤون الدولية في مجلة الحرية الفلسطينية  
على وقع التصعيد الأميركي ضد طهران، عادت اللقاءات رفيعة المستوى بين المسؤولين الأميركيين والروس للاستئناف، بعد توقف دام نحو ستة أشهر إثر تفاقم الخلافات بينهما على غير صعيد. وقد تكون زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى سوتشي (14/5)، ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزير خارجيّته سيرجي لافروف، برفقة جيمس جيفري المسؤول عن الملف السوري، فاتحة لتفاهمات جديدة بين الجانبين بصدد العديد من القضايا، وخصوصاً تلك المتصلة بالملفات الساخنة في المنطقة.
ورأى مراقبون أنّ ذهاب بومبيو إلى روسيا واستعادة العلاقات يعبّر عن حاجة أميركية أولاً؛ بعد أن وضعت سياسات ترامب وبولتون الولايات المتحدة في مأزق في ما يتعلق بالعديد من القضايا، وأهمّها ما يتصل بالمواجهة مع إيران، ومحاولة تغيير النظام في فنزويلا، والتي قد تورّطها في تدخلات عسكرية مباشرة غير مضمونة العواقب. وفي المقابل، ترغب موسكو بفتح «صفحة جديدة» في العلاقات المتوترة مع واشنطن بشأن عدد من القضايا، من بينها ملف نزع الأسلحة النووية وأوكرانيا والعقوبات والملف الإيراني...الخ.
وتشي التصريحات التي أعقبت الزيارة أن الملفّ السوري كان الأهم في لقاء سوتشي الذي استغرق حوالي ساعتين، وشارك فيه عن الجانب الأميركي ثلاثة مساعدين لبومبيو، أحدهم جيم جيفري المسؤول عن هذا الملف. كما جرى البحث أيضاً في ملفّات أخرى منها؛ (الملفّ الإيراني، الملف النووي الكوري الشمالي، الاستقرار في أفغانستان، فنزويلا، أوكرانيا، وإشراك الصين في قضية السيطرة على الأسلحة…).
محادثات «بنّاءة للغاية»!
وأعلن بومبيو أن المحادثات التي أجراها مع بوتين حول سوريا كانت «بناءة للغاية»، وإن بلاده وروسيا «اتفقتا على سبل للمضيّ قُدماً نحو حل سياسي في سوريا». وأشار إلى إمكان كسر الجمود المتصل بالعملية السياسية المرتبطة بقرار مجلس الأمن الرقم 2254 والتي تمّ تعليقها منذ سنوات.
وأعرب بومبيو عن أمله في أن يتمّ الدفع على الأقلّ في عملية تشكيل اللجنة المكلّفة صياغة دستور جديد لسوريا، وهي خطوة أساسية تعثّرت بسبب خلافات حول تشكيلها. كما لفت إلى أن روسيا والولايات المتحدة ناقشتا أيضا مجالات أخرى للتعاون في سوريا لم يكشف عنها.
ورجّح مراقبون أن يكون بومبيو حمل معه ما سمّي «عروضاً مغرية للجانب الروسي في مقابل تحييد موسكو عن المواجهة الجارية بين بلاده وإيران»، معربين عن اعتقادهم أنه نجح في ذلك، وهو ما ترجمته تصريحات الرئيس بوتين حينما قال غداة اللقاء إن بلاده «ليست فرقة إطفاء، ونحن غير قادرين على إنقاذ كل شيء، خاصة ما لا يعتمد على إرادتنا بالكامل»!.
وأضاف المراقبون أن «سلّة العروض الأميركية» قد تكون تضمّنت ملف إدلب حيث تشنّ القوات الحكومية السورية بدعم روسي عملية عسكرية في المحافظة وجوارها، بمعنى «عدم ممانعة واشنطن في استعادة دمشق لتلك المنطقة».
المساومات وتنازع الأولويات؟
يُشار هنا إلى أنّ الملفّ السوري يشكل أولوية بالنسبة إلى موسكو؛ فهي متضررة من التضييق الاقتصادي على دمشق، ومن الامتناع الأميركي والغربي عن تقديم أية مساعدة فيما يتعلق بإعادة الإعمار، بل والتلويح الأميركي بإصدار المزيد من العقوبات القادرة على شلّ الاقتصاد السوري. كما أنها قلقة من التواجد الأميركي في سوريا شرق نهر الفرات، حيث الثروات النفطية والغاز والمياه، والثروات الزراعية، وغير راضية عن التحركات الأميركية ودعمها للتوجهات الكردية بالحكم الذاتي، ولا عن التقارب الأميركي- التركي بشأن إنشاء «منطقة أمنية» تشرف عليها تركيا، وليس تحت إشرافها.
وإذا كانت أنقرة مهتمة بالتقارب مع واشنطن لممارسة ضغوط على موسكو، والعكس بالعكس كذلك، فمن الواضح أنّ أيّ تقارب بين العاصمتين المعنيتين سيقطع عليها هذا الطريق، وسيقلّص من فرصها في المساومة على الملفات المطروحة، علماً أنها مازالت تلتزم الصمت حيال التصعيد العنيف في إدلب، على رغم قلقها من توسعه، وعليه، فقد لوّحت بإنهاء اتفاقي سوتشي وأستانة، إذا استمر التصعيد العسكري!.
ويتفق المراقبون على القول إن التسوية السورية «ستمرّ من بوابة التوافق الروسي- الأميركي أولاً»؛ لكنّ هذا التوافق يبقى مرهوناً، كما يقدّر هؤلاء، بحصول تقاربات بشأن ملفات أخرى كثيرة، وهو ما يصعّب أو يعقّد إمكان الوصول إليه ويبقيه عرضة للمساومات بينهما.
وحتى لو أقرّت واشنطن بأحقية موسكو بالنفوذ في سوريا، إلا أنّها تريد في المقابل، كما يضيف المراقبون، ترتيب الوضع بما يضمن مصالحها في هذا البلد، وكذلك في العراق ودول الخليج، مع ضمان أمن إسرائيل أيضاً، ولذلك فهي تطالب بالحدّ من الدور والنفوذ الإيراني من جانب، وتستخدم من جانب آخر تفاصيل الملف السوري كأوراق ضغط على خصومها وحلفائها فيما يتصل بملفات أخرى؟!.