( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )

بسم الله الرحمن الرحيم
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا "صدق الله العظيم"
أن الشهادة ولادة وانبعاث متجدد كما فصول الأربعة, وشهيدنا الهمام جنرال العمل الفدائي وسفير الإنسانية, رجل المواقف والمهمات الصعبة وصوت الفتح الهادر, قاهر الاعداء ومزلزل الأرض من تحت أقدامهم بعملياته الفدائية النوعية الموجعة, أرتقى بروحه الطاهرة إلى العلياء لتعانق روحه أخوته ورفاق الدرب ومسيرة الكفاح والنضال, ملحمة مشبعة بقيم الخير والحق العدالة الانسانية, فهنيئاً لك يا أخي الشهيد على هذه المرتبة القدسية, وهنيئاً لك على هذا الاستحقاق الذي لا يتخطى الموت, فأنت شعلة لا تنطفي والزيت الذي يضيء سراديب الظلمة لكل الانسانية,
إخوتي الأماجد أخواتي الماجدات أعزائي القراء أحبتي الأفاضل فما أنا بصدده اليوم هو تسليط الضوء على سيرة عطرة وذكرى طيبة لرجل من رجالات الوطن وفدائي من مغاوير مقاتلين الثورة الفلسطينية بقوات التحرير الشعبية التابع لجيش التحرير الفلسطيني (منظمة التحرير الفلسطينية) وقائد مؤسس كتائب شهداء الأقصى الذراع العسكري لحركة فتح في غزة وأسير محرر من سجون الاحتلال الاسرائيلي..
وظل على درب المقاومة حتى قضى شهيداً في عملية الاغتيال الجبانة وقد ترك في رحيله بصمات حاضرة في الذاكرة ونهجه زاد سطوعاً وتوهجاً في دروس المقاومة ضد جنود الاحتلال وإذنابه على طول وعرض الوطن في قطاع غزة, وكان العدو الصهيوني يعتبره من اخطر رجالات المقاومة التي تنفذ عمليات ضد الجيش الإسرائيلي, انه الشهيد الفدائي القائد البطل الكبير/ جهاد إسماعيل عاشور العمارين "أبو رمزي"
ولد الشهيد الفدائي القائد جهاد إسماعيل عاشور العمارين المكنى "أبو رمزي" والملقب حركياً" أبو كفاح" في حي الزيتون شرق مدينة غزة مقر سكناه ومسقط رأسه بتاريخ 2/11/1956م وقد استشهد الشهيد القائد جهاد العمارين مخضباً بدمائه الطاهرة يوم الخميس الموافق 4/7/2002م عن عمر يناهز 47عاماً بوضع عبوة ناسفة في كرسي قيادة سيارته حيث أدى الانفجار لاستشهاد القائد/ جهاد العمارين أبو رمزي ومرافقه ابن أخته ومساعده القائد وائل جواد النمرة(أبو بشار).
نشأ الشهيد جهاد العمارين أبو رمزي في حي الزيتون وترعرع وسط أسرة فلسطينية مناضلة متواضعة محافظة على تقاليد المجتمع الفلسطيني وملتزمة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف ويأتي الشهيد أبو رمزي في الترتيب الأخير سناً من بين أخوته واخواته وتتكون عائلته الكريمة من الوالدين وهم في ذمة الله وقد توفى والده وهو طفل صغير حين كان عمره 11 عاماً وسكن مع والدته بعد وفاة والده في حي الدرج والتي وفاتها المنية قبل استشهاده بأربع شهور وله من الإخوة أخ واحد وخواتين,
فهو متزوج من الأخت الفاضلة (منى أبو عجوة ام رمزي) وأب وله من الأولاد ثمانية وهم/ رمزي "محمد مصعب" وله من البنات كفاح- إصرار- فلسطين- فداء- بيسان مجد- وترجع أصول جذور عائلته العريقة إلى مدنية غزة حي الزيتون, وتلقى تعليمه الدراسي في مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في معسكر الشاطئ ولم يكمل تعليمه الدراسي في الثانوية العامة في مدرسة فلسطين بسبب تعرضه للاعتقال من قبل قوات الاحتلال...
محطات مضية في حياة الشهيد القائد البطل: جهاد العمارين
في حديثي مع الأخت الفاضلة منى أبو عجوة "أم رمزي" زوجة الشهيد القائد البطل/ جهاد العمارين أبو رمزي موضحة لي أدق التفاصيل عن محطات حياته خلال مسيرته النضالية الطويلة والتي تُوجَ فصولها الأخيرة بالشهادة
عندما بلغ الفتى الثائر جهاد العمارين الخامسة عشر من العمر كان قطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي في عام 1967م فقد خاض غمار المقاومة ونظم مظاهرات مع الأطفال من جيله في مواجهة قطعان الاحتلال الصهيوني, وانخرط مباشرة في حركة المقاومة فتم اعتقاله وهو فتى في أول سنه توجيهي ونظراً لحداثة سنه حكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة سته شهور إداري وتم الافراج عنه...
لكنه لم يتوقف هذا الفتى الثائر عن مواصلة مشواره النضالي في مقارعة الاحتلال, باشر العمل الفدائي والتنظيمي بعد إطلاق سراحه من خلال التحاقه بقوات التحرير الشعبية التي نشطت في تلك الفترة حيث وصلت لمخابرات العدو اعترافات من آخرين أن الفتى العمارين مسئول عن قتل العديد من عملائهم، ليتعرض للاعتقال ثانية حيث أدانته المخابرات في 8-11-1973م بتهمة الانتماء إلى تنظيم فلسطين والمشاركة في تنفيذ عمليات عسكرية ضد العدو الصهيوني وقتل ثلاثة عملاء وحكم أمام محكمة عسكرية صهيونية مدى الحياة في داخل السجون التزم مع الجماعة الإسلامية، ليُحرم من إكمال دراسته الثانوية ولم يكتف الاحتلال باعتقاله بل نسفوا منزل والده ليعاقبوا جميع أفراد أسرته..
قضى جهاد العمارين 13 عاماً من سنوات شبابه في السجن قبل أن تقوم الجبهة الشعبية القيادة العامة “أحمد جبريل” بعقد صفقة لتحرير عدد من الأسرى في السجون الصهيونية مقابل جثة لأحد الجنود وذلك في عام 21-5-1985م حيث أمضى من حكم مدى الحياة 12عاما ونيف ليعود جهاد للحرية، لكن ليس للوطن؛ حيث تم ترحيله من السجن إلى سويسرا، ومنها إلى ليبيا، ليستقر به المقام في أقرب دولة لوطنه الحبيب “الأردن”
تزوج جهاد العمارين عام 1986م أثناء وجوده في الأردن، وقد عاد لممارسة عمله التنظيمي من خلال القطاع الغربي وقد تعرف في عمان في ذلك الوقت على كل من الأخوة أبو حسن قاسم(باسم التميمي) وحمدي البحيصي ومروان الكيالي هؤلاء الكوادر المتقدمة في القطاع الغربي من خلال لجنة الـ (77) التي أسسها الشهيد أبو جهاد وتعمل من الأردن, إلى ان استشهد هؤلاء الثلاثة في عملية اغتيال دبرها جهاز المخابرات الخارجية الاسرائيلي (الموساد) في قبرص عام 1988م، خاصة بعد العمليات الفذة التي قامت بها مجموعة الـ 77 مثل عملية حائط المبكى وعملية الدبويا عام 1986 في الخليل واللتان خطط لهما واعد لهما بعناية الشهيد العمارين وتم تبنيهما باسم ' سرايا الجهاد ' حيث كان المنفذون من الإسلاميين في صفوف فتح.
وما إن علمت المخابرات الأردنية بدوره في العمليات ونتيجة ضغوط صهيونية وأمريكية حتى اعتقلته لمدة 6 شهور، ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية,غادر عمان إلى العراق بعدها وفي أحد زيارات الأخ/ أبو عمار إلى العراق سافر معه إلى تونس للإقامة فيها,حاول جهاد العمارين العودة إلى غزة متسللاً عبر الحدود المصرية عام 1991م، لكن السلطات المصرية قامت باعتقاله حيث بقى في السجن لمدة ستة أشهر أبعد بعدها إلى تونس.
بعد توقيع اتفاق أوسلو وعودة قيادة المنظمة وقواتها إلى أرض الوطن بتاريخ 13-7-1994م حاول جهاد العمارين العودة معهم إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي رفضت بشدة السماح له بالدخول مما اضطر الأخ/ أبو عمار عند حضوره لأول مرة إلى أرض الوطن بداية شهر تموز 1994م لإحضار جهاد العمارين معه بالسيارة وعندما اكتشف أمره أصرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على رفض دخوله إلى القطاع،
وكادت هذه الحادثة أن تفجر وضعاً بين السلطة الفلسطينية والإسرائيلية منذ البداية، وعليه فقد غادر جهاد العمارين قطاع غزة بعد 48 ساعة من دخوله متوجهاً إلى مصر حيث اعتقل مجدداً هناك لمدة 15 يوماً وتم إبعاده إلى تونس لكن لم يسمح له بالدخول فغادر إلى الجزائر. حيث كان يملك جواز سفر جزائري كان الشهيد خليل الوزير" أبو جهاد " أعطاه إياه لاستخدامه في حالة الطوارئ،
وفي شهر شباط من العام 96 حاول العودة إلى قطاع غزة بجواز سفر مزور عبر الحدود المصرية الفلسطينية إلا أن قوات الاحتلال اكتشفته و أعادته على الحدود فاعتقل في الجانب المصري مرة أخرى ومكث في سجن القلعة عدة أيام إلى أن عاد بصورة رسمية في شهر نيسان من العام نفسه حيث كان عضو المجلس الوطني الفلسطيني وتعهدت دولة الكيان الصهيوني يومها بالسماح لجميع أعضاء المجلس الوطني بالعودة إلى غزة لحضور تلك الجلسة التي ألغيت فيها عدة فقرات من الميثاق الوطني الفلسطيني .
تقلد الشهيد جهاد العمارين منصب مدير المباحث في الشرطة الفلسطينية في البداية، ثم حُوّل إلى دائرة المخدرات ليضرب بيد من حديد على رؤوس الفساد والعملاء من تجار المخدرات التي يسعى الكيان الصهيونى إلى إغراق قطاع غزة بها. ولشدة إيمانه بأن المذنب لا بد أن يُعاقب بغض النظر عن قوته المالية أو منصبه، ولأن يد الفساد لعبت دورها في عدم تنفيذ القانون ضد أحد كبار تجار المخدرات...
ومع بداية الانتفاضة الثانية عام 2000م آثر العمارين ترك العمل للعودة إلى حياة الجهاد وتوجه لتشكيل نواة لكتائب شهداء الأقصى حيث أسس مع اندلاع الانتفاضة إطاراً عسكرياً من مجموعة من الشباب كان جهاد العمارين (أبو رمزي) من الرجال الأوائل الذين وضعوا اللبنة الأولى للجناح العسكري لحركة فتح (كتائب شهداء الأقصى).
وفي الثاني من شهر أغسطس 2000م اعتقلته أجهزة الأمن الفلسطينية والذي يعمل عقيداً في صفوفها وقد تم تسريحه من الشرطة ونقله على المقر العام للأمن الوطني ومن ثم اعتقله جهاز الاستخبارات العسكرية بتهمة مقاومة الاحتلال وعاد وتدخل الرئيس وأطلق سراحه من جديد...
وهو أول من شكل مجموعة من السلطة لتنفيذ عمليات ضد العدو الصهيوني وأول من نفذ عمليات فدائية ضد الجيش الصهيوني في القطاع وأول من اعتقل عند السلطة بتهمة إطلاق نار على قوات الاحتلال الصهيوني. وأسس الشهيد مع اندلاع الانتفاضة إطار عسكري من مجموعة من المخلصين من كافة الأطراف وعمل باسم كتائب العودة والجيش الشعبي وألوية صلاح الدين ....
كان الشهيد جهاد العمارين يحتفظ بعلاقات قوية ووطيدة بكافة القوى الوطنية والإسلامية العاملة على الساحة الفلسطينية ومحبوبا من الجميع وكان دائم التنسيق معهم في الإطار العسكري وعرف عنه علاقته القوية مع القائد عدنان الغول 'أبو بلال ' مهندس كتائب القسام في قطاع غزة...
كيفية استشهاد الشهيد : القائد جهاد العمارين "أبو رمزي"
ونظرة الوداع الأخيرة .. على رحيلة
قبل استشهاده حضر الى منزله غير عادته في تمام الساعة الثامنة والربع مساءً ليطمئن على زوجته وأولاده وكأنه أراد ان يودعهم الوداع الأخير ليخرج بعدها من المنزل مسرعاً في مهمه, ظلت المخابرات الإسرائيلية تلاحق الشهيد وترصد خطاه عن طريق عملائها لتنجح أخيراً في النيل منه, فكان على موعد مع الشهادة في مساء يوم الخميس الساعة التاسعة والربع الموافق 4/7/2002م على يد الخيانة والغدر فاستشهد شهيدنا القائد جهـاد العمارين القائد ومؤسس كتائب شهداء الأقصى الذراع العسكري لحركة فتح في غزة مخضباً بدمائه الطاهرة بتاريخ 4/7/2002م عن عمر يناهز 47عام
حيث تمكن المخابرات الإسرائيلية "الشين بيت من خلال عملائها المأجورين بزرع عبوة ناسفة وضعت أسفل المقعد المجاور لكرسي القيادة لسيارته الخاصة والتي انفجرت أثناء مرورها بالقرب من برج أبو رمضان السكني القريب من مجمع الشفاء الطبي غرب مدينة غزة ما أدى إلى تحول الجزء الأعلى من جسمه عند انفجارها إلى أشلاء متناثرة وعلى إثرها استشهد المناضل/ جهاد العمارين أبو رمزي وابن أخته مساعده وذراعه الأيمن وائل جواد النمرة (أبو بشار) من مرتبات الامن الوقائي والفتحاوي من منطقة الدرج....
وتم نقل جثامين الشهداء الى مستشفى الشفاء وعند الساعة الحادية عشر مساءً تم التعرف على ملامح جثمان ابن أخته مساعده وذراعه الأيمن وائل جواد النمرة اما الشهيد أبو رمزي فقد تعذر المعرفة عليه لأنه الإصابة كانت مباشرة في رأسه, وعند سماع نبأ استشهاد القائد أبو رمزي ومرافقه زحفت جماهير غفير الى مستشفى الشفاء, ولم يخفي العدو فرحته باغتيال القائد 'العمارين, فهذا أيهود يعاري المحلل العسكري الصهيوني ذي الصلة الكبرى بأجهزة الاستخبارات الصهيونية أعلن بعد استشهاد جهاد بشكل رسمي وعلى تلفزيون العدو باللغة العبرية أن أجهزة الاستخبارات نجحت في النيل من واحد من أبرز قادة "الإرهابيين" في قطاع غزة بطريقة متقنة وتقنية عالية,
وقد شارك في تشييع جنازة الشهيد القائد الكبير"أبو رمزي"وابن شقيقته كبار الشخصيات القيادية من حركة فتح والأجهزة الأمنية الفلسطينية بالسلطة الوطنية والقوى الوطنية والإسلامية من مستشفى الشفاء الى حي الزيتون وألقيت نظرات الوداع الأخيرة عليهم من قبل عائلاتهم وأقيمت عليهم صلاة الجنازة بعد صلاة الظهر في مسجد العمري ودع جثامين الشهداء الطاهرة آلاف من أبناء شعبنا وسارت جثامين الشهداء في موكب جنائزي مهيب خيمت عليه أجواء الحزن إلى مثواهم الأخير، حيث ‏واروا الثرى في مقبرة الشيخ رضوان, وأقيم للشهيد أبو رمزي في حي الزيتون بيت عزاء. وقام بتقديم واجب العزاء عامة الناس ورجال الإصلاح والوجهاء والمخاتير واعيان البلد والشخصيات الوطنية والاعتبارية..
المجد والخلود لشهدائنا الابطال/
الشهيد البطل جهـاد العمارين والشهيد البطل/ وائل النمرة
اللهم ارحم شهدائنا واسكنهم فسيح جناته مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً...