( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )


 اهتم ارسطو بالفوائد العملية للفكِه (الفكاهة)، فاعتبر الدعاية والنكتة من بين الآليات، التي يمكن أن تدعم براهين الخطيب والمتحدث، ولكنه أوصى بالاعتدال في ذلك[1]
الطُّرفة أو الفُكاهة: - بالضم - في اللغة هي: المزاح، وبالفتح مصدر: (فكه) الرجل، من باب سلم، فهو فَكِهٌ إذا كان طيبَ النفس مزّاحًا، (والمفاكهة) الممازحة، ومعناها: ما يتمتَّع به المرء من حديث مستملح، واستعمالها وسيلة فعالة - إذا أحسن استخدامها - في إيصال المعلوم، ومعناها أيضًا: استغلال بعض المواقف بقول أو فعل يُدخل السُّرور على القلب، ويسري في النَّفس؛ مما يُحقق للفرد الصفاء الذِّهني، والتوازُن النفسي.
 وقد عُرف الأدباء بلطائف ونوادر لإجمام النُّفوس، وتسلية لها، وإبعادًا للسآمة، ولَهَا فوائدُ جَمَّة يُستعان بها في تلطيف أجواء الدروس والمحاضرات، خاصَّة التي تستغرق وقتًا، وتزخر كتب الأدب، ودواوين الشِّعر والنَّثر بما يفرح القلب، ويؤنس النفس.[2]
إن لاستخدام الفكاهة في الحديث ضوابطا، فلكي يؤتي هذا الأسلوب ثماره من المهم وضع محددات كالتالي:
 1-الاعتدال وعدم الإفراط
2-الحذر من استخدام هذا الأسلوب في القضايا الدينية
3- تجنب الكذب والسُّخرية من الآخرين مطلقا.[3]
4- احذر التحدُّث في أمور لم تحدث مطلقًا.[4]
5-معرفة نوع الجمهور ومدى تقبلهم.
 أما النكتة فهي قصة قصيرة جدا مروية أو عبارة عن سلسلة من الكلمات المنتظمة داخل نسق خاص بغرض التأثير على المتلقي وجعله يضحك، على الأقل هكذا تبدو. وهي آلية من آليات الهزل والضحك وهي وسيلة للتنفيس والتعبير.
والنكتة عند الدكتورة نبيلة إبراهيم في مرجعها القيم (أشكال التعبير في الأدب الشعبي) خبر قصير في شكل حكاية أو ألفاظ تثير الضحك.[5]
إن الوظيفة الأولى للنكتة هي تبليغ رسالة للمتلقي، قبل إضحاك الناس والتنفيس عنهم، بل ومن منطلقاتها للمتحدث أن تكون ذات صلة بموضوع الحديث.
كنا في ندوة عن الوضع العربي والموقف العربي المتجه نحو التطبيع بشكل يعكس فهم المبادرة العربية عام 2002 التي قالت أن حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة يسبق ضرورة أي تطبيع عربي بينما الحاصل هو العكس، ولما رأي احد المتحدثين معي في الندوة تململا من الجمهور لجفاف المادة المعروضة انطلق بفكاهة بسيطة غيرت الجو، واعطت الهدف المطلوب وهو تغيير الجو قليلا، ودون الخروج عن الموضوع، وكانت طرفته كالتالي:
زعيم عربي رسم وشمًا على ذراعه يصور خريطة فلسطين المحتلة، فلما سُئل عن السبب قال: «حتى لا أنسى»، قالوا له: «لكن ماذا ستفعل لو تحررت فلسطين والوشم لا يُمحى فقال ببساطة: "أقطع ذراعي". فقهقه الحاضرون وعادوا للانتباه.
دافع الجاحظ في التراث العربي الاسلامي عن الضحك وبيّن قيمته، لكنه اعتبر أن له حدودا لا ينبغي تجاوزها، إذ يقول: "للضحك موضع، وله مقدار، متى ما جاوزهما أحد، وقصر عنهما أحد صار الفاضل خطلا، والتقصير نقصا، فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي جعل له الضحك صار المزح جدا، والضحك وقارا". وفي القرآن الكريم "وأنه هو أضحك وأبكى وأنه أمات وأحيا".[6]
وحول الطرفة أو النكتة[7] وأهميتها ف(الجنرال "شارل ديغول" كان أكثر ما يزعجه هو أن النكتة السياسية أو الرسوم الكاريكاتورية لم تعد تعره أي اهتمام في أواخر حكمه، فقال: "لقد تدنت شعبيتي في فرنسا، فأنا لا أرى نفسي في الرسوم التشخيصية "الكاريكاتورية" ولا أسمع اسمي في النكتة التي تنتقدني)
وكذلك الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي كانت تُجمع له جميع النكت التي أبتلى بها بعد هزيمة 1967 بسيل من اللذعات الناقدة، حتى اضطر إلى إثارة ظاهرة النكتة في إحدى خطبه المشهورة، ولم يطلب من الشعب المصري أن يكف عن التنكيت، لأن هذا من قبيل المستحيل، بل ناشده أن يتقي الله في نفسه وأن يرشد النكتة بما لا تؤدي الشعور الوطني.
وكان الراحل ياسر عرفات يبدي اهتماما خاصا بالنكتة، التي كانت تزعجه في أحيان كثيرة.)[8]
 يمكن استخدام الطرفة كفاتحة للحديث لتحقيق الجذب ماكانت ذات صلة بالموضوع أوالختام بها، كما يمكن استخدامها أيضا في مسار الحديث.[9]
 وهي قابلة للاستخدام للتخلص من الموقف المربك أو الحرج في الخطاب، فالقائد في تركيا " بن علي يلدرم"[10] بدأ خطابه ممازحا، مستوحيا النكتة من وحي المناسبة، فقال :" هناك رجل عمِل على تجهيز كلمته قبل بدء الخطاب، ولكن عندما اعتلى المنصة نسي كل الكلام الذي عمل على تجهيزه، وقال للحضور: قبل اعتلائي المنصة، "الله" تعالى وأنا كنا نعلم بما سأقول، أما الآن فقط الله عز وجل هو مَن يعلم بما كنت سـأقوله".
        ودعوني اختم هذه النقطة بطرفة استخدمتها في محاضرة عن الاتصالات والتنظيم وبناء الذات للإشارة لأولئك الذين يضيعون أوقاتهم انتظارا لتغيّر الآخرين وفق توقعاتهم، دون عمل، وهم من يهتمون كثيرا بما يفعله الآخرون لدرجة ألا يفعلوا شيئا.
قررت أسرة من السلاحف الذهاب في نزهة الى الحديقة، فقامت لمدة 7 سنوات بإعداد لوازم الرحلة، ومنها الشطائر"السندويشات"، وبعد 3 سنوات وصلت الأسرة لمكان النزهة، وبدأت العائلة بتنظيف المكان لعدة شهور، ثم بدات تجهز للجلوس وأخرجت الشطائر ولكن المفاجأة الصاعقة أنها اكتشفت عدم وجود الملح! وكيف سياكلون الشطائر بدون ملح؟ وبعد حوار وجدل طويل تم اختيار السلحفاة الفتية الصغيرة لتعود للمنزل لجلب الملح نظرا لأنها الأسرع، ولم ينفع معها البكاء والعويل داخل قوقعتها أمام إصرار الجميع، فاشترطت عليهم ألا يأكلوا الشطائر حتى تعود،وافقت العائلة وغادرت السلحفاة الصغيرة.
 وبالفعل مر عام ثم عامين و4 أعوام، ولكن في العام السابع من انتظار الأسرة قرر كبيرها الذي أنهكه الجوع أن ياكلوا الشطائر، فإذ بالسلحفاة الصغيرة تظهر من البعيد من خلف شجرة لتصل اليهم وتصرخ: أرأيتم لقد كنت أعلم أنكم لن تنتظرونني، والحمد لله أنني لم أذهب للبيت لإحضار الملح!
  الهوامش
[1] ليلى العبيدي، الفَكه في الاسلام،دار الساقي،بيروت،٢٠١٠ص٣١
[2] "مختار الصحاح"، للرازي، ص510، وانظر: مقال "الفكاهة والطرفة عند العرب"، وكتاب (التراث القصصي)، الدكتور محمد رجب النجار، ص 657.
[3] هناك فارق كبير بين تأليف النكت والسخرية من الآخرين، وأهم فارق بينهما أن هذا يكسبك الناس وهذا يخسرك الناس. حيث إن أردت أن تكسب الناس لا يجب أبداً أن تسخر منهم، بل أن تضحكهم دون سخرية وهذا هو الذكاء. وفي السياق كان يقول خالد الحسن انقد الموقف (الرأي) ولا تنقد الشخص فقد تعود لتوافقه في راي آخر اما ان انتقدته في ذاته فتكسب عدوا.
[4] من مقال للكاتب مرشد الحيالي حول الفكاهة والطرفة في الخطاب الدعوي، في موقع الألوكة، 10/10/2009
[5]النكتة أيضا: تلاعب بالألفاظ يصنع معنى مزدوجاً، فهناك المعنى الظاهري الذي لا يثير الضحك إذا استعمل بشكل مألوف، والمعنى الخفي الذي لا يثير الضحك إلا لكونه مرتبطاً بالمعنى الأول.
[6] جذب اعرابي الرسول عليه السلام من ملابسه جذبة عنيفة ،أثّرت على عنق الرسول، وطلب مالا، فلم يغضب الرسول ولم يصرخ ولم يثُر، انما ضحك وأمر له بعطاء! هذا هو رسول الانسانية جمعاء والمحبة والتسامح والحلم. من صحيح البخاري ٢٩١٦ وصورة الايراد من كتاب ليلى العبيدي الفكه في الاسلام ص١٥١
[7] يدعو الإسلام إلى الابتسام والمزاح الصادق والتودد للناس، وفي الحديث النبوي "تبسمك في وجه أخيك صدقة". وقال علي بن أبي طالب "روحوا القلوب فإنها تمل كما تمل الأبدان"، وقال أيضاً "من كانت فيه دعابة فقد برئ من الكبر".
ومن أهم مصادر الفكاهة والسخرية في التراث العربي ابن الرومي شاعر الهجاء والتهكم، والجاحظ مؤلف كتاب البخلاء المليء بالسخرية والتهكم والهزل، إذ يتحدث الجاحظ عن فلسفة الضحك وأهميته في الارتقاء بالخلق وتطييب النفوس. ومن هؤلاء أيضاً أبو الفرج ابن الجوزي مؤلف كتابي (أخبار الحمقى والمغفلين) و(الأذكياء)، والتوحيدي الفيلسوف مؤلف (المقابسات) و(الإمتاع والمؤانسة) و(البصائر والذخائر) و(الهوامل والشوامل)، وله نظريات في تفسير الضحك على مستوى عال من العمق والذكاء، فهو يرى أنه قوة ناشئة عن تفاعل قوتي العقل والغريزة في الإنسان، والضحك حالة من أحوال النفس تنشأ عندما يرد إليها استطراف أي شيء طارئ يجعلها تتعجب، ويقول في (البصائر) "إياك أن تعاف سماع هذه الأشياء المضروبة بالهزل الجارية على السخف، فإنك لو أضربت عنها جملة لنقص فهمك وتبلد طبعك".واشتهرت في التراث العربي مجموعة من الطرفاء والمضحكين. وفي كتابه "الفكاهة عند العرب" يورد أنيس فريحة أخبار كثير ممن احترف الفكاهة مثل جحا وأبو علقمة وأبو دلامة وأبو النجم وأبو الشمقمق وأشعب وبهلول.
 [8] ادريس ولد القابلة في مقال: في النكتة السياسية، موقع ديوان العرب 28/9/2008
[9] عندما توجه الملك الراحل الحسن الثاني ملك المغرب إلى الجزائر سنة 1963، وخلال اجتماعه بالرئيس أحمد بن بلة، تدخل وزير الشؤون الإفريقية آنذاك الدكتور الخطيب الذي كانت تجمعه علاقات قوية بالنخبة الجزائرية، فقال للرئيس بحضور الحسن الثاني، « ألا تفكرون فخامة الرئيس في إدخال تعديل على حكومتكم أعتبره منطقيا، إذ به تضعون الرجل الصالح في المكان الصالح، فتسندون وزارة تربية المواشي إلى الوزير بومعزة، ووزارة التموين إلى الوزير بوخبزة، وتضعون الوزير بومنجل في وزارة الفلاحة والوزير بوتفليقة على رأس الشرطة »، وكان جل هؤلاء الوزراء يديرون قطاعات وزارية أخرى آنذاك. وعند انتهاء الخطيب من نكتته البليغة، توزعت مشاعر الرئيس الجزائري بين الغضب من حدتها والابتسامة من بلاغتها، ليحمر وجهه أمام الوفد المغربي، أما الملك الحسن الثاني فقد ظل صامتا. (عن مقال في صحيفة/موقع الهدهد المغربية دون ذكر لاسم الكاتب)
 [10 كان حينها بن علي يلدرم عام 2016 المرشح الجديد لزعامة حزب العدالة والتنمية (الاخواني)