( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )

كان العام ١٩٩٠-١٩٩١ عاما صاخبا بأحداث جسام حيث تحرير دولة الكويت وانكفاء الغزو، وتغول أمريكا على الأمة حتى اليوم، ومحاصرة الثورة الفلسطينية.
في تلك الفترة كان لي مجموعة من المشاريع المرتبطة بمركز دراسات وتقدير موقف وتفكير استراتيجي، وبناء ذاتي وجماعي، وتدريب عرضتها على الأخ أبوالطيب (ال١٧) كما كان يُسمى حينها، أحد أبطال معركة صمود بيروت، وهو اليوم اللواء محمود الناطور رئيس واحد من أهم مراكز الدرسات المتخصصة بالثورة الفلسطينية والذي لي الشرف للعمل فيه ومعه.
المهم أنني عرضت مشاريع العمل على أبي الطيب، بصحبة الأخ الشهيد أسامة عقل رحمه الله، فأثني عليها كعادته المحبّبة بدعم المبادرين، وأشار لي لأن أعرضها على القائد العام أبوعمار.
وفي ذاك العام وصلت تونس بانتظار الأخ القائد العام لعرض المشاريع عليه، ما لم يحصل بعد انتظار طويل تخلّله مماطلات واعتذارات ونظرات الريبة من الطوق الذي يحيط بعنق كل مسؤل أو قائد فيحجب عنه عين الشمس.
فشلت المهمة فعرجت على مسؤل التعبئة والتنظيم بالحركة الأخ أبوماهر غنيم لأودعه لا ألوي على شيء، فما كان منه بعد أن سمع بمحاولات اللقاء الفاشلة مع الأخ أبوعمار منصتًا حتي النهاية، الا أن قال لي بكل ثقة: أنا أريدك أن تعمل معي، وكرّرها أكثر من مرة!! ومضيفا: من الأن! لم استطع أن أجيب. ولاحظ الدهشة والتردّد والعرفان كلها معا كما اعتقد في قسمات وجهي ما منعني عن الرد فقال بصرامة القائد وحدبه: داوم من الغد!
لم يكن هذا اللقاء هو الأول مع الأخ أبوماهر الذي التقيته قبل ذلك مرتين الأولى في الجزائر في المؤتمر ٩ لاتحاد الطلاب الذي كان برئاسة د.ناصر القدوة، والثانية في الجزائر أيضا في أحد اجتماعات المجلس الوطني التي حضرتها حانقًا على لجنة الاقليم التي كنت جالسا معها إزاءه منتقدا أداءها بقسوة علي عادة الشباب.
من تلكما اللقائين تقابلت الأرواح بين شاب طموح يسعى لفلسطين بكل قوة وحُب، وبين قائد عركته الحياة والتجربة الثورية، فعرف بفراسته العربية كيف يختار، كما عرف -ما خبرته لاحقا- كيف يشغّل ويوظّف ويحرك الوفود التنظيمية عبر العالم بنظرة الواثق بفريقه أو جيشه الذي أصبحت منه.
أبوماهر غنيم رجل الثراء المعرفي وصاحب الخبرة التنظيمية الواسعة وذو الصدر الرحب، والنظرة الممعنة كان يؤثر العمل الصامت ولكن المؤثر، وكان ينسحب من الأضواء-حتى اليوم-ويجعل من جنوده أو فريقه يتكلم عنه فانتشروا اليوم في فلسطين وكل أنحاء العالم يبشرون بالنصر القادم الذي لم يكن لأبي ماهر إلا أن يرسمه رسالة يحمّلها لكل وفد تنظيمي لأقاليم فتح بالعالم قائلا له: أرسل حكيما ولا توصه!
لقد أتقن أبوماهر محمد راتب غنيم المهمة الأولى لمسؤول الكتلة البشرية أي التنظيم وهي مهمة اختيار الفريق العامل معه، وهو الفريق الذي يغرِف يوميا من معرفته ومدرسته وحلمه وحزمه وحبه وحرصه، فلم يكن منه ساعة الامتحان الا أن يؤدي واجبه. فلم يقل أبوماهرلي أو لغيري من وفود مكتبه مكتب التعبئة والتنظيم الى العالم: افعل كذا او كذا، بل ردّد المأثور العربي للشاعر الشاب طرفة بن العبد: أرسل حكيما لا توصه.
ما ذكرني مؤخرا بقول "ستيف جوبز" الشهير أبو "الآيفون" : أننا نوظف المميزين ونحسن اختيارهم لا لنقول لهم ما يفعلون، بل ليفعلوا ما اخترناهم له أو بصيغة أخرى:"من غير المنطقي أن توظف الأذكياء ثم تخبرهم بما عليهم أن يفعلوا! نحن نوظف الأذكياء لكي يخبرونا هم بما علينا أن نفعله".
أبوماهر اليوم يبتسم، كما بالصورة! وقلّما كان يبتسم في الفترة الأخيرة لربما لهول ما وقعنا فيه في فلسطين، ولفظاعة الأحداث في ظل الانحسار والانكماش والتعثّر الذي نعيشه. لكنني ومع كتابي اليوم الذي قدمته له وهو الرابع عن حركة فتح تحت عنوان الوتر المشدود، ما كان منه الا أن علّق بمودة و ابتسم، وطلب نسخة ثانية.
لماذا لا تبتسم يا أخ أبوماهر؟ ونحن من فريقك الذي أسرج الخيول استجابة للنفير بين الانطلاقة والانتفاضة وأضواء المقاومة الشعبية! ولم لا تبتسم والنصر الذي لم تشكّ به يوما ومازلت تبشّر به رغم المُلِمّات الشخصية، ورغم النوازل الوطنية ورغم النكبات العربية والاقليمية نراه في لحظات وأيام وسنوات عشناها معك وما زلنا.
ابتسم، فلم يكن من الرسول محمد صلي الله عليه وسلم قدوتنا جميعا الا أن يتحمل المحن، ويستعين على الشدائد بالدعاء والابتسامة والعمل (يا ايها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون) ابتسم فلعلنا.