( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
الحياة برس - تعد الأخلاق مؤثراً أساسياً في بنية الأفكار على المستوى الفردي والاجتماعي للإنسان, ويكاد يجمع الباحثون على أهمية الأخلاق ومنظومة القيم في تقدم الأمم ونشوء الحضارات، ودورها الرئيس في بناء الشخصية وتحديد السلوك الإنساني متماشية في ذلك مع المثل الدينية، وتأكيد الدين الإسلامي على الأخلاق وأهميتها في حياة الفرد ورقي المجتمعات. 
ويعد النمو الأخلاقي نتاجاً لتفاعل عوامل التنشئة الاجتماعية والأخلاقية مع النمو المعرفي العقلي، فيقوم الفرد أثناء تفاعله بتعديل بنيته المعرفية الأخلاقية وذلك بإحلال بنى جديدة تبعاً لما يتعرض له من خبرات. (حميدة، 1990)
ولقد ركز كل من كولبرج وبياجيه على التفكير الأخلاقي وعلى الطريقة التي يفكر بها الأفراد في المشكلات الأخلاقية وليس على الاستجابة الأخلاقية ذاتها، لأنهم يرون أن التركيز على الاستجابة يتجاهل الهدف من السلوك.(مشرف، 2009)
ولن نكون مبالغين لو قلنا إن كثيراً من مشكلات مجتمعنا الراهنة هي مشكلات أخلاقية، وإن مظاهر التسيب والإهمال والفساد وانحرافات المراهقين وغيرها تعبر عن أزمة أخلاقية وعن قصور في نمونا الخلقي وعن فتق في حياتنا الاجتماعية.(محمد،1991:126)
تعريف التفكير الأخلاقي: بأنه نمط التفكير الذي يتعلق بالتقييم الخلقي للأشياء والأحداث، وهو يسبق كل فعل أو سلوك خلقي. فالتفكير الأخلاقي ليس مجرد تطبيق وتنفيذ لنظام أو قانون سائد، بل تعقل كامن وراء الاختيار بين الصواب أو الخطأ، يتعلق بالطريقة التي يصل بها الفرد إلى الحكم، والوقوف على مبررات هذا الاختيار(عبد الفتاح،2000).

نظرية كولبرج في النمو الخلقي:
يعد العالم الأمريكي لورانس كولبرج أشهر المنظرين المعاصرين في هذا الميدان، بحيث ركز كولبرج على جانب الشخصية الذي يتمثل في تتبع أحكام الأطفال على المسائل الخلقية، والتساؤل حول استيعاب الطفل داخلياً للمعيار الخلقي، وإمكانية تبريره هذا المعيار لنفسه وللآخرين، وكان بياجيه استخدم هذه الطريقة لأول مرة مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين ثم عدلها باحثون آخرون، إلا أن كولبرج كان شديد الاهتمام بها منذ أن تقدم برسالة الدكتوراه إلى جامعة شيكاغو عام (1958) وحتى السبعينات من نفس القرن.
ولقد توصل كولبرج من خلال أبحاثه إلى أن التفكير الأخلاقي يتطور في ثلاث مستويات يمكن التنبؤ بها، هي: التقليدي، العرف والقانون، ما بعد العرف والقانون ويتضمن كل مستوى على مرحلتين وقسم كل مرحلة إلى تكوين وصفي اجتماعي وتكوين محتوى أخلاقي.

فيما يأتي عرض لهذه المراحل والمستويات:
•المستوى الأول ما قبل التقليدي Preconvental level
يقع معظم الأطفال قبل سن التاسعة، وبعض المراهقين الأسوياء في هذا المستوى، حيث ترتبط الأحكام الأخلاقية في هذا المستوى بحاجات الأفراد واهتماماتهم ويعود ذلك إلى نموهم المعرفي وتمركزهم حول أنفسهم حيث تفسر هذه القواعد بناء على ما يترتب على الفعل من نتائج مادية ملموسة، كالثواب والعقاب، ويتضمن هذا المستوى مرحلتين هما:
•المرحلة الأولى: الطاعة والخوف من العقاب: حيث يحاول الطفل تجنب الخروج عن القواعد الأخلاقية خوفاً من العقاب ومن سلطة الكبار، وتجنب أحداث التلف المادي سواء للممتلكات أو الأشخاص مع إهمال النوايا، حيث إن الفرد يكون في هذه المرحلة من الناحية المعرفية متمركزاً حول ذاته بمعنى أنه يعتقد أن الآخرين يحملون نفس الأفكار، فهو لا يستطيع أخذ وجهات نظر الآخرين المختلفة في اعتباره، ويتناسب نمو التفكير الأخلاقي في هذه المرحلة مع هذا المستوى من النمو المعرفي إذ يرتبط تفكيره الأخلاقي بالخوف من العقاب، والذي يمكن أن يتعرض له عند ارتكاب الخطأ الأخلاقي، والذي يتمثل في كسر القوانين الذي يضعها الكبار الذين يمثلون السلطة، بالنسبة له أنها أخلاقية تجنب العقاب أكثر منها أخلاقيات تعتبر وجهات نظر أخرى.
•المرحلة الثانية: المنفعة النسبية: تكون أحكام الفرد الأخلاقية في هذه المرحلة بناء على ما يشبع ويحقق حاجة الفرد نفسه، وإشباع حاجات الآخرين إذا كان ضرورياً لإشباع حاجاته، فالفرد في هذه المرحلة يتبنى مبدأ التقسيم العادل أي تبادل المصالح فهو يفعل قانون: "خذ وهات" وعلى هذا الأساس تظهر عناصر العدالة.

المستوى الثاني أخلاقيات العرف والقانون conventional morality
يطلق على مستوى التبصر بالتقاليد والتمسك بمراعاته، وفي هذا المستوى ينضبط سلوك الفرد ويبدأ في مسايرة توقعات الأسرة والمجتمع المحيط به، والحرص على مواصلة الارتباط بكل منها يعتبر أمراً ذا قيمة وأهمية في نظر الفرد، بغض النظر عما يترتب على هذه التوقعات من عواقب وآثار. ويضم هذا المستوى مرحلتين من مراحل النمو الخلقي:
•المرحلة الثالثة: مرحلة التوافق الشخصي مع معايير الجماعة يسلك الفرد في هذه المرحلة حسبما يتوقع الآخرون المهمون في حياته منه، والأساليب التي تدفع الطفل إلى السلوك الخلقي في هذه المرحلة ترجع إلى حاجته إلى أن يكون طفلاً طيباً من وجهة نظره ومن وجهة نظر الآخرين وتسود لدى الفرد الرغبة في أن يحافظ على القواعد ويرضي السلطة، ويحاول أن يضع نفسه في موقف الآخر، ويكون الحكم الأخلاقي الصائب في هذه المرحلة هو الحكم الذي فيه إرضاء أو مساعدة للآخرين، وأيضاً الحكم الذي ينال استحسانهم. فالتفكير الأخلاقي في هذه المرحلة يعكس حرص الشخص على أن يأتي سلوكه متفقاً مع معايير السلوك العامة التي تقرها الجماعة، ولذلك فإن كسب الرضا أو الموافقة على مسلك معين يكون من منطلق كون صاحبه ((لطيفاً)) أو((ودوداً)) أو ما شابه ذلك.
•المرحلة الرابعة: أخلاقية النظام الاجتماعي والضمير: يشير كولبرج إلى أن الفرد في هذه المرحلة يكون على درجة عالية من الاتزان، وغالباً ما تكون أعلى مرحلة يصل إليها الراشدون، فهي تعالج المشكلات الاجتماعية بكفاءة، كما تعالج أيضاً المشكلات التي تتعلق بالعلاقات بين الأفراد إلا أنها ليست كافية للتعامل مع المواقف التي يكون فيها نظام القوانين أو المعتقدات في تناقض أو صراع مع حقوق الإنسان الأساسية، فالحكم الأخلاقي الصائب في هذه المرحلة هو الحكم الذي يفي الفرد فيه بالتزاماته وواجباته، والذي فيه احترام للسلطة، والمحافظة على النظام الاجتماعي كغاية في ذاته (بصرف النظر عن الصورة التي عليها.

المستوى الثالث: أخلاقية ما بعد العرف والقانون post-conventional morality
فيه يتخطى الفرد مرحلة أخلاقية القانون والالتزام بالقانون إلى مرحلة الالتزام بالمبادئ الأخلاقية العامة (الإنسانية) حيث تكون الأحكام الأخلاقية أكثر نمواً منها في المراحل السابقة إذ لا ترتبط بالقانون بشكل حرفي حيث يدرك الفرد ضرورة القانون لحماية المجتمع من جانب، وحاجات الأفراد الخاصة من جانب آخر. هنا يربط صلاحية القانون بمدى نجاحه في تحقيق وظائفه الاجتماعية بما فيها تحقيقه العدالة وتحقيقه حاجات أفراده، كما يؤمن بإمكانية تغيرها عند فشلها في أداء هذه الوظائف ويشمل هذا المستوى المرحلتين الآتيتين
•المرحلة الخامسة: مرحلة العقد الاجتماعي: يصل القلة من الأفراد إلى هذه المرحلة حيث يتطلب الوصول إلى هذه المرحلة درجة عالية من النمو المعرفي، بحيث تمكن الفرد من إدراك نسبية القيم والحاجات الفردية. كما تتطور في هذه المرحلة نظرة الفرد للقوانين الاجتماعية فبعد أن كان يدرك القوانين على أنها ثابتة لا يمكن تعديلها أو تغييرها كما في المرحلة السابقة يصبح بإمكانه في هذه المرحلة تغيير القوانين وتعديلها عند فشلها في تحقيق الموازنة بين الحقوق الفردية والاجتماعية، فالحكم الأخلاقي الصائب في هذه المرحلة هو الحكم الذي فيه مراعاة للحقوق العامة للإنسان، وفيه تأكيد للقانون، والتمسك به، ليس كفاية في ذاته ولكن لأنه يحمي حقوق الإنسان، كما أن الشخص في هذه المرحلة يبيح الخروج عن القانون إذا كان لا يحمي هذه الحقوق.

•المرحلة السادسة: أخلاقية المبادئ العالمية "الإنسانية" ندرة من الأفراد يمكن له تحقيق هذه المرحلة، حيث ترتبط أحكام الفرد الأخلاقية فيها بمبادئ أخلاقية مجردة ذاتية الاختيار تعتمد على النظر للعدالة والمساواة والتبادلية وحقوق الأفراد كمبادئ إنسانية عامة تعني باحترام حقوق الإنسان لإنسانيته دون اعتبار لأي مؤثرات أخرى، حيث إن الحكم الأخلاقي الصائب في هذه المرحلة هو الحكم الذي يأتي متسقاً مع مجموعة من المبادئ اختارها الشخص بنفسه لاعتقاده في مناسبتها للبشرية جمعاء، والقوانين والاتفاقات الاجتماعية تكون عادة صادقة حيث تقوم على هذه المبادئ، وهذه المبادئ هي: مبادئ العامة للعدالة، المساواة في الحقوق الإنسانية، واحترام كرامة البشر كأفراد، وهي ليست قيماً تفهم وتدرك ولكنها مبادئ تستخدم في اتخاذ القرارات، والأحكام الأخلاقية التي يصدرها الفرد في ضوء هذه المبادئ تتصف عامة بالمنطقية والعمومية والتجرد من الذاتية، وسلطة العقل هي السلطة المتحكمة في الحكم الأخلاقي في هذه المرحلة. فالفرد يصدر أحكاماً أخلاقية مستقلاً عن أية سلطة سواء أكانت هذه السلطة للجماعات أو الأفراد، وكما يشير "كولبرج" تتميز هذه المرحلة بجهد واضح من جانب الفرد في تحديد القيم الأخلاقية والمبادئ التي يعتبرها صادقة بمعزل عن السلطة أو علاقته بها، وهو يساير الجماعة إذا سمح له ضميره بذلك، وليس هناك عقل جماعي يحل محل ضميره.

اعداد الباحث:عرفات أحمد مزهر
ماجستير علم نفس