( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
الحياة برس - في إطار حملته الإنتخابية وتجاهله المقصود للنظام الدولي، كتب نتنياهو مقالاً في صحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية يفسر فيه كيفية إلغاء الوجود الفلسطيني وفرض إسرائيل الكبرى من خلال إتفاقه الثنائي مع إدارة ترمب. مقال يجدر تقديمه كبلاغ إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد مجرمي الاحتلال، ومثول نتنياهو بنفسه أمامها حيث حمل إدانته بقلمه.
مقال نتنياهو القصير لكن المُلخّص الأمين لخطة ترمب الطويلة، والمعبّر عن كل الممارسات غير القانونية التي انتهجتها إسرائيل وما تزال، يطلب من الشعب الفلسطيني قبول جميع الشروط الإسرائيلة الأمريكية ونفي وجودهم الوطني وروايتهم بأنفسهم كي يتفضل نتنياهو وترمب بإبرام الصفقة معهم.
وثيقة رسمية متكاملة يكمن الأكثر قبحاً فيها بأمرين، أولهما الصلافة في إعلان نتنياهو عن مضمون الخطة الحقيقي في فرض الرؤية والحلم الصهيوني على شعب فلسطين، وبوضع شروط مُسبقة على الجانب الفلسطيني- المغيّب أصلاً عن المشهد- لجعل المفاوضات أمراً مستحيلاً، ثم سرد هذه الشروط لتنفيذها قبل الدخول في مفاوضات سياسية مع الجانب الفلسطيني. ليس مُفاجئاً أن يؤكد نتنياهو على "قلب الخطوات التي نصّ عليها الإتفاق" المزعوم مع إدارة ترمب "إذا لم ينفذ الفلسطينيون الشروط الأمنية المطلوبة منهم"، فهكذا جرى التقليد الإسرائيلي المعهود. بل المستغرب وهو ما يقودنا إلى الأمر الثاني الماثل بشقين أيضاً أحدهما إستخفاف نتنياهو بأعضاء المجتمع الدولي كافة من خلال التبجح بنشر هذا المقال، وثانيهما صمت المجتمع الدولي على هذه الفضيحة السياسية وعدم إدانته لها، وإتخاذ خطوات حقيقية للتصدي لكل ما ورد فيها.
ففي هذا المقال إعتراف واضح بأن إسرائيل هي التي تفرض شروطاً مسبقة لمجرد إجراء المفاوضات، بعكس ما ادّعته وتدّعيه من أن الجانب الفلسطيني هو الذي يتهرب من المفاوضات. في هذا المقال أيضاً إعتراف مسبق بأن الهدف الإسرائيلي هو الإحتفاظ بالسيطرة الكاملة على المنطقة الواقعة غربي نهر الأردن أي أن الدولة الفلسطينية المتصورة ستكون كياناً شكلياً مسلوب الإرادة. كما فيه تأكيدٌ على أن الرواية التوراتية حول علاقة "الشعب اليهودي" بما يسمى "يهودا والسامرة" الضفة الغربية المعترف دولياً بأنها أرض دولة فلسطين هي رواية تعلو على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وأنها هي التي يجب أن تكون أساساً للحل وليس الشرعية الدولية. إضافة إلى الإستنتاج الذي خلص له المقال بأن ضم الأغوار ومساحات شاسعة من الضفة الغربية، وهو ما يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي، هو الهدف الإسرائيلي المباشر.
عدا عن كون المقال ورقة انتخابية لمستوطني نتنياهو وناخبي اليمين واليمين المتطرف، فقد نشرت دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير ورقة مفاهيمية حول صفقة القرن فنّدت فيها كل ما ورد في خطة "السلام من أجل الإزدهار" قبل أيام من نشر مقال نتنياهو، بما فيها فرض الرؤية الصهيونية على الشعب الفلسطيني والمنطقة، وفرض الضم والسيادة الإسرائيلية وإستمرار الاحتلال بموافقة فلسطينية، ومفهوم الشروط والإملاءات التعجيزية، وانقلاب إسرائيل على الاتفاقات الموقعة، وأكذوبة المساواة بين اللاجئ الفلسطيني والمهاجر اليهودي، وغيرها، ذلك لأن الفلسطيني في كل أماكن تواجده يدرك المغزى الحقيقي لما ترمي إليه الخطة المزعومة ولا يحتاج إلى مقال توضيحي ليعي ما تعنيه حقاً هذه المؤامرة.
إنه من المُعيب والمخجل أن يعلم المجتمع الدولي أن هذه الخطة هي سرقة واستنساخ لخطط إسرائيلية صهيونية يعود عمرها لأربعين عاماً كما ورد في مجلة " فورن بوليسي" الأمريكية، وكما ورد على لسان نتنياهو نفسه في مقاله عندما أكد أنه: "(..) ولأول مرة، خطة ترمب تفعل العكس تماماً لكل ما تم طرحه في خطط سياسية سابقة... بموافقة الفلسطينيين أو عدم موافقتهم،..(..) بينما تطالب الفلسطينيين بإعطاء تنازلات كبيرة فقط من أجل الدخول في محادثات".
لماذا يفاجئنا لجوء ترمب ونتنياهو إلى السرقة الأدبية وهما اللذان يقوم مشروعهما على سرقة الأرض والتاريخ وإعادة كتابته برواية أيديولوجية دينية متطرفة تقصي الآخر وتلغي وجوده؟ كان ينبغي لهذه الخطة ولهذا المقال في عالم تسوده مبادئ القانون الدولي والعدالة والمحاسبة أن تصيب هذا الثنائي والمتماهين معهما في مقتل سياسي وقانوني وأخلاقي، ولفظهم من سياق المنظومة الأممية إلى لا عودة.
إلا وأنه على عكس ذلك تماماً، وبنهج الهيمنة وفرض القوة، تم منع تمرير مشروع قرار في مجلس الأمن يدين خطة ترمب، مارست فيه إدارة ترمب جميع أشكال الابتزاز والضغوط السياسية والاقتصادية على الدول لمنع تمريره، وأزالت فيه كل إشارة لإسرائيل "كسلطة احتلال"، وحذفت "ذات السيادة" لدى وصف دولة فلسطين، من ضمن قضايا أخرى. فضلاً عن مباشرة اللجنة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة عملها في ترسيم الخرائط تمهيداً لضم الأغوار والمستوطنات وأجزاء من الضفة الغربية بموجب "خطة ترمب" على مرأى ومسمع وعلم المجتمع الدولي. كما تمت مكافأة إسرائيل بمزيد من الحصانة، ومزيد من التغاضي عن جرائمها وحمايتها من المساءلة كما رأينا في إصطفاف دول مثل ألمانيا وأستراليا والنمسا والتشيك وهنغاريا والبرازيل وغيرها إلى جانبها في المحكمة الجنائية الدولية بتسييس غير مسبوق للمحكمة قد ينطوي في نهاية المطاف على موافقة ضمنية بضم إسرائيل لأجزاء من الضفة الغربية تحت ذريعة أن فلسطين ليست دولة تستوفي المعايير بموجب القانون الدولي العام، وأنه لا يوجد إختصاص إقليمي للمحكمة على فلسطين.
لقد قبلت فلسطين الاحتكام للقانون وعدم تسييسه، ومضت في هذا المسار دون تردد من أجل إنجاز الحقوق الوطنية المشروعة لشعبها وحماية حقوقه وأرضه، لكن المجتمع الدولي فشل في تحمل مسؤولياته السياسية في إيجاد حل، وقانونياً في محاسبة إسرائيل، السلطة القائمة بالإحتلال، وما يشهده الفلسطيني اليوم هو استشراء الخلل في القيم والمبادئ التي وضعتها هذه الدول وطالبت فلسطين بتبنيها وصولاً إلى حل سياسي عادل ودائم يفضي إلى إنهاء الاحتلال ويجسد استقلال فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. هذا التناقض الذي ينطوي على انعدام الخيارات المُجزية وترك المنطقة لقانون الغاب ينذر بانفجار مفتوح لا تُحمد عقباه.
نكرر مرة أخرى، المجتمع الدولي مطالب بقراءة مقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين، ورصد تصريحاته وإجراءاته هو وحكومته غير القانونية على الأرض وآخرها تصريحه حول "تحويل الضفة الغربية الى جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل"، وأن يبدأ بالتحرك فوراً وإتخاذ خطوات ملموسة وواقعية لمواجهة التحديات السياسية والقانونية والأخلاقية، وأولى هذه الخطوات الإعداد لعقد مؤتمر دولي يكون الأساس لبدء مفاوضات متعددة الأطراف تفضي إلى إنهاء الاحتلال وإنجاز استقلال فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وإيجاد حل عادل للاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار الأممي 194. وعلى الصعيد الثنائي والجمعي الاعتراف المستحق بدولة فلسطين، ومقاطعة المشروع الاستيطاني وكل إفرازاته غير القانونية بما فيها بضائع المستوطنات، وتعليق الاتفاقات التجارية الثنائية مع إسرائيل حتى تلتزم الأخيرة بالقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان، ودعم فلسطين في خطواتها القانونية والسياسية في المنابر الدولية، ومساءلة الاحتلال على جرائمه المنظمة ضد الأرض والشعب الفلسطيني، وتوفير الحماية الدولية له وصولاً إلى جلاء الاحتلال قبل فوات الأوان.