( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
ما إن أعلنت جمهورية الصين الشعبية عن تفشي فايروس كورونا في مقاطعة ووهان، وعن اجراءاتها الوقائية والعلاجية، حتى بدأت التفسيرات غير العلمية من قبل النشطاء العرب عبر وسائل التواصل الإجتماعي، معتبرة أن تفشي هذا الوباء إما عقوبة من الله بسبب سوء (معاملة المسلمين الايجور) إلى اتهامات تكال للصين انها قد فقدت السيطرة على تجاربها في تحضير الفايروس مما أدى إلى انتشاره إلى اتهامات مباشرة للولايات الامريكية أنها نشرت الفايروس في سياق حربها البيولوجية الغير معلنة تدعيما لحربها التجارية والإقتصادية مع الإقتصاد الصيني الذي يمثل التهديد المباشر لتفوق الإقتصاد الأمريكي على المستوى العالمي .. إلى جملة من الإشاعات التي لا تستند إلى أي منطق علمي .. 
عند خروج الوباء خارج حدود الصين فقد سقطت التفسيرات الخاصة بعقوبة الصين الإلهية والإنتقامية سواء كانت ربانية أو من دول أخرى حيث لم يعد أحد في مأمن .. فقد إخترق الفايروس حدود الدول كافة شأنه شأن أي وباء يفترض إتخاذ كافة الإجراءات الوقائية لمحاصرته والحد من إنتشاره في نفس الوقت الذي يستوجب إجراء التجارب في المعامل والمختبرات العلمية لإنتاج الترياق أو الأمصال القادرة على مواجهته والشفاء منه .. وهذه مسؤولية علمية دولية عامة لحماية الصحة العامة للإنسان بغض النظر عن لونه أو جنسه أو معتقده .. وهذا ما تسعى إليه منظمة الصحة العالمية.
لكن العالم قد يقع ضحية لشركات الأدوية التي يهمها جني الأرباح واستغلال الظروف والتي قد تحتكر صناعة هذا المصل أو الترياق أو الدواء وتفرض أسعارها المبالغة على حساب المرضى والفقراء من البشر في أي مكان من الذين قد يكونوا من ضحايا هذا الفايروس أو الوباء.
بالتالي ليس بالإشاعات والأكاذيب والتبريرات الغريبة العجيبة تفسر وتقاوم الأوبئة كما الظواهر والكوارث الطبيعية، ولكن بالعلم والأبحاث والتجارب العلمية تدرس كافة الأمراض ومسبباتها سواء كانت جراثيم وبكتيريا أو فايروسات قديمة أو جديدة أو متخلقة ..
لكن العقل التسليمي السائد لدينا المتخلف العاجز عن البحث العلمي يذهب إلى البحث عن تفسير وعلاج لمثل هذه الأوبئة في الأساطير المتوارثة وفي مخزونه المعرفي الماضوي الذي لا يرتقي لفهم الواقع والحاضر ولا المستقبل، ويبني جملة من الإشاعات والإدعاءات الكاذبة التي تكفيه عناء البحث العلمي في الواقع كما هو راداً كل ما يحدث وكل تطور وتغير قد يحصل إلى القدرية المطلقة، نعم كل شيء بقدر ولكن الله عز وجل قد حث على البحث في كنه الأشياء والأحداث وفهمها الفهم الصحيح وحث على العلم والتعلم في كل الحقول والميادين ومنها الطب وعلم الامراض ومعالجتها كما مواجهة المخاطر المختلفة بغض النظر عن مسبباتها، لا كما ينشغل نشطاؤنا العرب على وسائل التواصل ببث الإشاعات والأساطير الكاذبة والوصفات الساخرة والبحث في كتب التراث للقيام بإسقاطات وتنبؤات عن هذه الحادثة أو تلك أو عن هذا المرض أو ذاك، وتنتشر الإشاعات بيننا كما الأخبار الكاذبة والعارية عن الصحة كإنتشار النار في الهشيم بين العامة ويتناقلونها على أنها حقائق ومسلمات غير قابلة للنقاش لأنها تتوافق ومخزونهم الثقافي المبني على الخرافة والأسطورة ولا مكان فيه لإشغال العقل والتفكير للوصول إلى المعلومة الصحيحة والفهم الصحيح للواقع كما هو وللحادث من مستجدات العصر، فالعقل العربي يعيش الحاضر في ثوب وعقل الماضي ويبقى أسيرا للإشاعة والخرافة، والثقافة الماضوية بعيداً عن روح العلم والعصر والمعاصرة.
هكذا يواجه البعض منا وباء وفايروس كورونا، ونتساءل لماذا الآخر يتقدم ويجد الحلول لإشكالياته ونحن نتأخر ولا نكتشف الحلول ..!
بقلم د. عبدالرحيم جاموس
09/03/2020م