( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
الحياة برس - على ما يبدو أن إنشغال البشرية بجائحة "كورونا" قد أنستنا الانتباه إلى دخول فصل الربيع هذا العام، فلا وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي أشارت إلى هذا الفصل الجميل الذي يحمل الكثير من الجمال والخيرات.
ولعل من أجمل ما قرأت عن روعة فصل الربيع؛ مقولة أحدهم: " الربيع بسمة الطبيعة قبل أن تجود بعطائها، إذ لا قيمة للعطاء إذا لم ترافقه بسمة الرضى"!
 تُرى؛ هل يحمل الربيع لنا هذا العام شيئاً من هذه المعاني؟ أم أن الطبيعة "الأم" اليوم قد شاخت وهرمت، ولم يعد بمقدورها أن تمن علينا ببسمة الرضى!
أيُعقل أن ظاهرة "الاحتباس الحراري" وكافة المؤثرات البيئية الأخرى قد أدمت قلب الأرض حتى أضحت غير قادرة على مواجهة "فيروس" ضئيل من أبسط المخلوقات!
وبالرغم من الأخبار القادمة من "ناسا" بأن تغيراً ملموساً قد طرأ على الغلاف الجوي وخاصة من حيث "جودة الهواء" في المناطق التي تشهد "حظر التجول" وتقييد الحركة مثل؛ أوروبا والصين، فهل يكفي ذلك لمنحنا ابتسامة الرضى؟
أم أن الطبيعة قد اعتادت غدر الإنسان، وأنها تعلم بأنه سينتقم منها ـ بلا ذنب ـ حينما تمضي موجة "الكورونا"، فتسارع كبريات الشركات إلى المزيد استنزاف الموارد الطبيعية دون حساب، وإطلاق المزيد من غازات الكربون التي تُدمر الغلاف الجوي، ومع أن الآية الكريمة وتحديداً في سورة الروم قد حذرت من ذلك قبل خمسة عشر قرناً من الزمن قائلة: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ "، فهل يرجع الإنسان عن غيه وظلمه؟!
ولعل الحال بالنسبة لنا في فلسطين يختلف جملةً وتفصيلاً، فنحن كباقي دول العالم قد أصابنا الوباء، وحتى محافظات غزة ـ أصابها الحسد بالوباء ـ ولكننا بالتأكيد لا نملك الإمكانيات التي تحوزها الدول الكبرى؛ والتي أصابها "الوباء" بالعجز، فهل نملك نحن وسائل النجاة لو تفشى الوباء، لا سمح الله ؟!
أضف إلى ذلك "حصار الاحتلال" الذي ينقل إلينا الوباء بشكل مُمنهج!
هذا الاحتلال الذي نقل الوباء إلى أسرانا في المعتقلات، عبر محققيه الذين يمارسون أشبع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في حق أسرانا البواسل، ويحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية في توفير وسائل النظافة الشخصية، بدلاً من أن يُطلق سراحهم للحرية!
ما هي جنايتهم؟
ماذا عن الآنسات والسيدات؟
ماذا عن الشيوخ والمرضى، والأطفال؟
ماذا عن البرلمانيين، ورجال الإعلام والأعمال، وموظفي المؤسسات الحقوقية والإغاثية؟
ماذا عن المعتقلين الإداريين؟
كل هؤلاء وغيرهم محتجزين خارج إطار الحق والقانون، من المفروض أن يتم إطلاق سراحهم دون قيد أو شرط، مع العمل بسرعة قصوى لتوفير الحماية والعناية الصحية التامة لهم حتى يتم ذلك!
وهل الحال في باقي الوطن الفلسطيني أحسن؟
إطلاقاً، سبق القول بأن الاحتلال ينقل إلينا الوباء بشكل ممنهج، نعم فدمج العمال الفلسطينيين في سوق العمل "الإسرائيلي" المصاب بالمرض؛ دون توفير أية إجراءات وقائية لهم، ثم إرسالهم إلى أهلهم وذويهم في القرى والمخيمات لنشر الوباء بشكل يومي!
نعم، من خلال الاحتجاز "المهين" على المعابر التي تفتقد أية معايير إنسانية قبل أن تكون صحية ينشر الوباء!
ايضاً؛ من خلال المستوطنين الاستعماريين الذين يقتحمون الأراضي، والمقدسات الفلسطينية المحرم عليهم قانوناً التواجد بها وفقاً للقانون الدولي، فما بالك إذا كانوا مصابين بالوباء كما هم مدججين بالسلاح؟!
نعم، من خلال حرمننا من حقنا في السيادة على معابرنا الحدودية، وفرضه الحصار الكامل على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنعه الفلسطينيين في إدخال ما يحتاجونه من معدات وأدوات وامكانيات تقي الفلسطينيين من هذا الوباء وغيره، يعمل على تفشي الوباء!
نعم، في مصادرته الأموال، ومنع المساعدات الدولية من الوصول إلينا، ودمج سياساته الاحتلالية في سياسات العقاب الأمريكية لفرض التهويد والاغتصاب للأراضي الفلسطينية وفقاً لاتفاق "ترامب ـ ناتنياهو" المعروف بـ "صفقة القرن"، يعمل على تفشي الوباء وبشكل ممنهج ومدروس!
لذلك، مشكورة هي الحكومة الفلسطينية الحكيمة التي شرعت في خطواتها الاحترازية للحماية من الفيروس، رغم قلة الإمكانيات قبل العديد من الدول التي تعتبر نفسها في مقام "الصفوة والتميز" وتملك من الإمكانيات ما لا يملكه غيرها، وهي تفرض اليوم حظر التجول جزئياً حماية لهم!
وبعيداً، عن كل النظريات التي واكبت ظهور وباء "الكورونا"؛ صحياً، وسياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً بل وحتى ما يتعلق منها بالدراسات الاستشرافية، يقف الإنسان الفلسطيني شامخاً ليختار " العزل الذاتي "، تماهياً مع "حظر التجول" المشمول بالدفء الحكومي!
رافضاً للحصار ودواعي نشر الوباء الممنهجة التي يفرضها الاحتلال!
ملتمساً الحكمة من تجارب الإنسانية التي تميزت في مواجهة الوباء بالعلم والجهد المخلص والاجتهاد!
نائياً بنفسه عن مصير كل من تعاطى بالأمر بالجهل والاستهتار!
أخيراً، لا شك أن هذه التجربة الإنسانية، ستضع بصماتها على وجه الطبيعة ومصير الإنسانية، فهل من لمسة فلسطينية مميزة نقدمها للإنسانية على سبيل النجاة؟!