( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
الحياة برس - إن الشعب الفلسطيني منذ قيام إسرائيل وهو يواجه تهديدا في وجوده على أرضه وفي مصدر رزقه. بالإضافة إلى مواجهته لممارسات العدوان التي تمثلت في أبشع صورها خلال انتفاضة الأقصى, وثلاثة حروب دموية على قطاع غزة، التي استخدمت فيها إسرائيل كل أنواع أسلحتها لتدمر البشر والحجر والشجر. 
تمثل الأرض محور الصراع وهي مفتاح السلام، لقد كان الشعار منذ مؤتمر مدريد للسلام هو "الأرض مقابل السلام"، وتمكنت إسرائيل بدعم المجتمع الدولي من استبدال الشعار إلى "الأمن مقابل السلام". هنا غيبت إسرائيل الأرض من ذهنية الرأي العام الدولي، تمهيدا لتهويد مزيدا من الأراضي العربية بحجة الدفاع عن أمنها مقابل (الإرهاب) الفلسطيني، فعملت على مصادرة الاراضي وتوسيع المستعمرات في الضفة الغربية والقدس، وبناء جدار الفصل العنصري، ليلتهم المئات من أراضي المواطنين العرب.
في الثلاثين من آذار/ مارس عام 1976 ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مذبحة ضد أبناء شعبنا الصامدين على أراضيهم المحتلة عام 1948، ومذبحة أخرى ضد أبناء شعبنا في الأراضي المحتلة عام 1967، الذين خرجوا تضامنا ونصرة لأبناء شعبهم في الجليل، فكان تضامنا طبيعيا لأبناء شعب واحد مزقت أوصاله الحركة الصهيونية وربيبتها إسرائيل.
وذلك بعد أن أعلنت اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي في هذا اليوم الإضراب العام للجماهير العربية, احتجاجا على مصادرة الأراضي العربية في الجليل والمثلث والنقب، تمهيدا لتهويدها. إذ قررت الحكومة الإسرائيلية تنفيذ مشروع تطوير الجليل، بمصادرة نحو 21 ألف دونم من الأراضي الزراعية التي يملكها المواطنون العرب، وهي ما تبقى لهم بعد المصادرات المتكررة منذ قيام إسرائيل.
إن مساحة أراضي الجليل تقدر بـ (ثلاثة ونصف مليون) دونم، يمتلك العرب الفلسطينيون منها حوالي (250 ألف) دونم للزراعة, وحوالي (100 ألف) دونم مسطحات المدن والقرى. مما يعني أن ملكية العرب تقدر بـ (350 ألف) دونم، أي 10% من مساحة الجليل، والباقي مساحات واسعة جدا لم تستغل للإسكان أو لإقامة مشاريع سكنية أو مناطق صناعية، مما ينفي الحاجة للمصادرة، فالأراضي الباقية تكفي لإقامة مشاريع. إن الهدف الحقيقي هو قلع المواطنون العرب من أراضيهم تمهيدا لتهويد الجليل وإقامة مستعمرات ومشاريع يهودية.
وهبت الجماهير العربية الفلسطينية لتأكد على تمسكها بحقوقها التاريخية في أرضها، أرض الآباء والأجداد، وعلى عزمها النضال دون هوادة دفاعا عن حقوقها العربية والقومية. وكان الإضراب الشامل بمثابة زلازل هز الكيان الإسرائيلي، الذي طالما تشدق بالديمقراطية والمساواة، فما كان منه إلا أن واجه الإضراب بالبطش والعنف الشديدين، بواسطة قوات الجيش وحرس الحدود والشرطة، وسجلت: عرابة وسخنين وكفر كنا ونور شمس بأحرف من نور أسماء شهدائها الستة، ومنحت أوسمة الفخر والاعتزاز للمئات من جرحاها، فلم تبق قرية عربية إلا ونالها البطش والعدوان الإسرائيلي. وامتزجت دماء الشعبين دفاعا عن الأرض، إذ هبت جماهير شعبنا في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأعلنوا الإضراب العام وأغلقوا الطرق بالمتاريس والحجارة، وقاوموا جنود الاحتلال بالحجارة، وسقط شهداء وجرحى.
وقد أثبت العدوان الإسرائيلي على أبناء شعبنا، أن حكومة إسرائيل تنظر إلى المواطنين العرب في الأراضي المحتلة عام 1948، نفس نظرتها إلى سكان المناطق المحتلة عام 1967، واعترف مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية آنذاك، أن سلوك الحكومة هو طمس الفوارق بين معاملة العرب في إسرائيل ومعاملة العرب في المناطق المحتلة.
إن هدف الحركة الصهيونية منذ نشأتها هو الأرض الخالية من السكان، فلم تحصل خلال ثلاثين عاما من عمر الانتداب البريطاني في فلسطين، سوى 6% من مساحة فلسطين الإجمالية. وكانت حرب 1948 وترحيل السكان العرب الفلسطينيين من أراضيهم بقوة السلاح والإرهاب، هي التي حققت للحركة الصهيونية أهدافها، واستمرت إسرائيل في استكمال مشروعها الاستعماري العنصري بترحيل العرب من أراضيهم، فأصدرت أكثر من أربعين قانونا لسحب الأراضي من سكانها العرب في الأراضي المحتلة عام 1948، وكان آخرها قانون القومية اليهودية.
إن أغلبية العرب الذين بقوا في أراضي 48 لم يندمجوا في المجتمع الإسرائيلي، ولم يقبل المجتمع الإسرائيلي الجديد وجودهم، وعمقت سلطات الاحتلال سياسية الفصل والتمييز. فقد كان عزل العرب عن النظام السياسي والإداري والاجتماعي هدفا لسياسة باشرت السلطة ممارستها على القطاع العربي، وذلك بفرض الحكم العسكري الذي لجأ إلى تطبيق أنظمة الطوارئ البريطانية. إذ ما لبث نظام الحكم العسكري أن أصبح «حجر الزاوية» في السياسة الإسرائيلية تجاههم، يحكم كل نواحي النشاط الإسرائيلي في هذا القطاع، ويحدد أطر الوجود العربي في إسرائيل وبصلاحيات تتيح له الاستبداد المطلق: مصادرة أراضي العرب، إعلان مناطق سكنهم مناطق مغلقة، تقيد حرية التنقل منها وإليها بواسطة نظام تصاريح تعطى أو لا تعطى بح
براء الصالحي, [٣٠.٠٣.٢٠ ٢٢:٣٠]
جة الاعتبارات الأمنية، فرض الإقامة الجبرية، الاعتقال الإداري لفترات غير محددة من دون تعليلات، ومن دون محاكمات، المثول أمام المحاكم العسكرية من دون حق الاعتراض، فرض حظر التجول، عمليات التفتيش والتدقيق في الهويات، وكل ما هو خرق استبدادي للحياة اليومية.
ورغم إلغاء الحكم العسكري الذي كان مفروضا على الفلسطينيين العرب داخل الخط الأخضر، إلا أنه بقيت الإجراءات العنصرية والممارسات العدوانية قائمة، ومازال العرب يحلمون بالمساواة مع اليهود في الحقوق، وكل ما قدم لهم باسم الديمقراطية من مشاركة في الانتخابات، وحقوق الضمان الاجتماعي، وغيرها، ما هي إلا قشور فيما يقدم لليهود. إذ مازال العرب يعاملون في المرتبة العاشرة في حقوقهم الإنسانية، وما زالت حملات التحريض مستمرة على الوجود العربي الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، وتبرز على جميع المستويات السياسية والأمنية والإعلامية.
لقد ثابرت حكومات إسرائيل، وبغض النظر عن الحزب الموجود في السلطة، على اعتبار هذه الأقلية العربية جماعة يجب إخضاعها وضبطها، ولا يطلب منها سوى التزام القوانين والمحافظة على النظام العام. فقد كان واضحا لها أن الأقلية العربية لن يستطيعوا أن يتماثلوا مع رموز الدولة وأهدافها الجماعية، أو أن يروا فيها إطارا لتطلعاتهم الجماعية. وعندما قررت هذه الأقلية البقاء حيث هي في موطنها، كان عليها أن تعيش وضعا فريدا. أقلية عربية في دولة أكثرية يهودية حاكمة ذات سمة صهيونية، استولت على فلسطين وتعيش حالة حرب مع شعبها الأم. فكان عليها بالتالي، وبفعل إرادة البقاء والاستمرار، أن تتصالح مع واقع مكانتها كأقلية إثنية غير مندمجة، عربية فلسطينية ذات جنسية إسرائيلية في آن، وأن تجد التوازن الدقيق بين هذه العناصر المتناقضة، لأنها كانت وستبقى جزءا من العالم العربي الذي تعتبره وطنها الروحي، وهي أقلية فلسطينية ذات قيم وعادات وتقاليد وتاريخ وثقافة، وما زالت محافظة على انتمائها القومي وهويتها العربية الفلسطينية.