
عاش العالم صدمة غير مسبوقة نتيحة انتشار وباء فايروس كوفيد 19 ( كورونا ) ، حيث بدأت الدول تتخبط في البحث عن حلول مؤقتة وحلول جذرية مع هذا الانتشار العنيف ، وبدأت تلك الدول تبذل كل ما باستطاعتها للتعامل مع تداعياته ، فكان من الملاحظ أنَّ جمهورية المانيا الاتحادية قد تفوقت بقوة في ذلك ، فما هو السر الكامن في ذلك التفوق والنجاح ؟؟؟
لقد انتهجت المانيا في الأيام الأولى لظهور فايروس كورونا خطة ذكية علمية مدروسة ، حيث قامت بإجراء عدد هائل من الفحوصات لأعداد كبيرة جداً من المواطنين المصابين أو المشكوك في اصابتهم بفايروس كوفيد 19 ( كورونا ) ، وهذا ما ساعد السلطات الصحية القوية المزودة بأرقى الأدوات الطبية وأساليب الوقاية والعلاج والاحتواء . فقد تعرَّفت تلك السلطات على الحالات المبكرة ، وبالتالي تتبعت خيوط العدوى بشكل محكم ومدروس . إنَّ سبب تفوق جمهورية ألمانيا الاتحادية في التعامل مع فايروس كوفيد 19 ( كورونا ) هو امتلاك مستشفياتها لعدة آلاف من أجهزة التنفس وغرف العناية المركزة للحالات الصعبة المجهَّزة بأرقى المعدات الطبية بما فيها الروبوتات . والمعروف للعالم أجمع تفوق المانيا أوروبياً بامتلاكها عدد كبير جداً من أجهزة التنفس الصناعي وعدد الغرف والقاعات المتاحة بأقسام العناية المركزة في المستشفيات الألمانية المنتشرة على كامل مساحة مدن وبلدات وقرى ألمانيا في كافة الولايات . حيث يتوفر فيها أكثر من ثلاثين ألف جهاز تنفس صناعي في أقسام العناية المركزة . وحسب موقع ( تاغس شاو ) التابع للقناة الأولى الألمانية فإنَّ الحكومة الألمانية تعمل على انتاج أجهزة جديدة حتى تصل إلى أربعين ألف سرير . وهذا عدد ضخم مقارنةً لما يتوفر في بريطانيا التي يوجد فيها أربعة آلاف سرير فقط .والتي توجهت بطلباتها المتلاحقة لألمانيا من أجل مساعدتها في مواجهة فايروس كوفيد 19 ( كورونا ) ، وكان وزير الصحة البريطاني السيد ( مات هانكوك) الذي أصيب بفايروس كوفيد 19 ( كورونا ) وتعافى منه . قد أكَّد غير مرة في صحيفة الغارديان البريطانية : ( أنَّ هذه فترة غير مسبوقة لنظامنا الصحي ) مضيفاً أن بريطانيا تعاني من تحديات حقيقية في مواجهتها للوباء ، ومن تلك التحديات عدم وجود الأدوات الطبية الكافية والتكنولوجيا المتطورة والقدرات التشخيصية الضرورية ، على عكس ألمانيا التي تتميَّز بقدراتها الفائقة بصناعة المعدات الطبية المتطورة . وكانت الحكومة الألمانية قد أعلنت أنها تتجه لانتاج 12 مليار كمامة تحتاجها البلاد ويتم تصدير الباقي منها إلى دول العالم المحتاجة .إضافةً إلى أنَّ المانيا تقوم باجراء تحليل لنحو 800 ألف حالة أسبوعياً ، وتتمكن من إعطاء النتيجة خلال يوم واحد .بينما بريطانيا يصل عدد تحليل العينات يومياً إلى ثمانية آلاف وتأتي نتائج التحليل بعد أربعة أيام .وتمكنت أيضاً من اتخاذ زمام المبادرة في اتباع منهج القسوة بالمقارنة مع الاستراتيجية الألمانية التي حافظت إلى حدٍ كبير جداً على الحقوق ونطاق الحريات المدنية التي نصَّ عليها الدستور .وبالمقارنة أيضاً نجد أن بريطانيا لا تملك المختبرات العلمية اللازمة بشكلٍ كافٍ بينما ألمانيا تملك نحو مائة مختبر علمي متخصص . وكانت المانيا قد طوَّرت أول اختبار لفايروس كوفيد 19 ( كورونا ) بجامعة "شاريتيه" وكان عالم الفيروسات الألماني كريستيان دورستن هو من قاد الفريق الطبي الذي طوَّر أول اختبار ، فقد قال : بأنَّ سبب انخفاض معدَّل الوفيات في جمهورية المانيا الاتحادية مقارنة بدول أخرى ، على الرغم من ارتفاع نسبة الإصابات .هو إجراء اختبارات فايروس كورونا على نطاق واسع جداً. ومن خلال متابعتنا لصحيفة الغارديان البريطانية نجدها قد كالت المديح للنظام الفيدرالي الألماني الذي سهَّل من اتخاذ القرارات والإجراءات السريعة ، ويعطي عدداً أكبر من المختبرات حرية إجراء التحاليل والفحوصات اللازمة بالسرعة الممكنة ، على عكس النظام المركزي البريطاني الذي يتصف بمزيد من البيروقراطية . ومن أجل عدم الوقوع في أي خطأ وعلى الرغم من أداء ألمانيا السريع والمتميز في التعامل مع جائحة وباء كوفيد 19 ( كورونا ) ، فإنَّ مدير معهد روبرت كوخ البروفيسور الألماني لوتار فيلر دعا خلال مؤتمر إلى أخذ الحيطة والحذر في قراءة الأرقام والمعطيات غير الرسمية ، مؤكداً أنَّ عدد الوفيات قد يزيد وإنه بالتأكيد ( أقل ) من الرقم الحقيقي ، على الرغم من أنَّ جمهورية ألمانيا الاتحادية التي لا يتجاوز فيها معدَّل الوفيات 1,2% ، لا تزال قادرة وبقوة على مواجهة الأزمة الصحية بشكلٍ أفضل من دول الاتحاد الأوروبي المجاورة . حيث وضعت خارطة طريق للدول والشعوب الأخرى في العالم . ومما ساعد على النجاح في التصدي لوباء كوفيد19 ( كورونا ) يعود إلى بنية الثقافة الجمعية للمجتمع الألماني وهي عميقة الجذور في ثنايا الحياة في ألمانيا ، من بينها طرق وأساليب تنظيم العلاقات الإنسانية ورعاية كبار السن وثقافة الانضباط الاجتماعي واحترام القانون حتى القداسة . إضافة إلى كل ذلك كان لتدخُّل الجيش الذي فاق عدده الـ 15 ألف جندي من خيرة الجنود المدربين وذلك في منذ مرحلة مبكرة ميدان الصراع ، من غير أن يتم عسكرة الشارع حيث تلخصت مهام العسكريين في بناء المشافي الميدانية ونقل المصابين ودعم المؤسسات الصحية . كما تفرَّدت ألمانيا بعمل ابتكاري وشديد الأهمية لم تعهده دولة أخرى ، تمثَّل في ما بات يُعرَف بـ ( تجربة تاكسي كورونا ) وهي مجموعة من الأطباء المدربون تدريباً نوعياً ، يرتدون بدلاتهم الوقائية يجوبون شوارع مدينة هايدلبرغ الخالية من السكان ، والتي يلتزم سكانها البيوت بناءً على تعليمات السلطات الوقائية ، لزيارة المرضى المصابين بفايروس كوفيد 19 ( كورونا ) الذين تم اكتشاف اصابتهم من خمسة إلى ستة أيام ، وذلك لمتابعة وضعهم الصحي ومدى مقاومتهم للفايروس ، وأخذ المريض الذي يحتاج إلى عناية طبية أفضل في المشفى .
تلك هي ألمانيا.
23/04/2020 06:22 pm
.png)






