في الآونة الأخيرة أعدت قراءة كتاب طبائع الإستبداد للكاتب العربي النهضوي عبد الرحمن الكواكبي ، هذا الكتاب عمره قرن غاشم ،أما المفكر عبد الرحمن الحلبي فقد فرّ في زمن التتريك والتجهيل إلى مصر لكنه مات مسموماً في أحد المقاهي.
طبائع الاستبداد للكواكبي هو مبتدأ الجملة التاريخية الناقصة، لأنّ العالم بعد عدة عقود من صدور الكتاب، دخل الى حقبة جديدة تفوقت على سابقاتها هي حقبة صنائع الاستبداد وليس طبائعه فقط، والاستبداد عند هذا الرائد النهضوي الحلبي سلالة، إنه أسلاف وأبناء وأحفاد، لهذا يصعب أن نعثر على دابره لقطعه كما يقال في بلاغتنا، كما أنّ له أيضاً ثقافته وجذوره وبالتالي امتداداته وتجلياته وفضاءاته لكن بصورة مختلفة لأن التطور لم يكن حكراً على النافع والمفيد في حياة البشر، فالكذب أيضاً تطوّر وأصبحت له تكنولوجياه، وكذلك التعذيب والسحل داخل السجون الصغيرة أو السجون الكبيرة من خلال تقنيات سادية أضافها العلم في اشدّ أبعاده سلبية .
يبدو كتاب الكواكبي الهام جداً عن الاستبداد كما لو أنه كُتب قبل أعوام قليلة، لأن الاستبداد اندفع الى أقصاه في هذه الآونة الحرجة ، من فقدان الحرية والديمقراطية والعدالة الإنسانية في بلداننا العربية ، لم تكن الانفجارات المتعاقبة والترددات الزلزالية وخروج الحمم من مغما المد القهري في عالمنا العربي إلا من افرازاته ومن فائض مكبوتاته، التي أدى إلى تأجيل انفجارها في مواعيده الافتراضية إلى حراكات عنيفة جداً فيها ماهو أقرب إلى العشوائي بسبب غياب البوصلة أو عطبها المؤقت .
أخطر ما في تفاقم الاستبداد هو امكانية التأقلم معه والتماهي فيه، وتحويله إلى أمر مألوف لفرط تكراره، عندئذ تكون سادية المستبد قد أنتجت ماسوشية ضحية الاستبداد القهري ، وقد حدث بالفعل أنّ مثل هذا الادمان الماسوشي قد أجّل اندلاع ثورات وعصيانات وانتفاضات في التاريخ .
أما السؤال الهام فهو هل كان لمثل هذا الكتاب نفوذ معرفي بحيث عبر القرون أم أنّ مادته الخام وموضوعاته هي ما تكرر لكن على نحو مأساوي هذه المرة ؟
اذا سلّمنا جدلاً بأن تكرار التاريخ لا بُدَّ أن يكون بين صيغتين إحداهما كوميدية والأخرى تراجيدية، وعلى الرغم من أنّ كتاب طبائع الاستبداد هو الأشهر في موروث النهضوي عبد الرحمن الكواكبي بحيث اقترن اسمه به، إلا أنّ له مؤلفات أخرى منها ‘ أم القرى ‘ تحتاج إلى إعادة نشر واستقراء ايضا والبحث ما بين السطور ، ليس فقط لأنه تخيّل يوتوبيا قومية تلتئم فيها الأطراف المتنازعة حول همّ جامع وتحت قاسم مشترك إنساني وأخلاقي بقدر ما هو وطني، بل لأنّ الوطن العربي بعد تسعة وتسعين عاماً من معاهدة سايكس ـ بيكو يبدو على تخوم فصل جديد، بحيث يتولى العرب أنفسهم هذه المرة إعادة رسم التضاريس السياسية وفق مقياس طائفي ضيق .
calendar_month03/05/2020 04:54 am