( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )

إنّ أصالة أي مشروع سيكولوجي تكمن بالأساس في تأكيد أسسه النظرية وأبعاده التطبيقية . وهذه مسألة يوضحها تاريخ السيكولوجيات الغربية ، بدءاً بالسيكولوجيا البريطانية ذات الطابع الأمبريقي ، وانتهاءً بالسيكولوجيا السوفيتية التي تتسم بطابعها الجدلي . وجميعنا يعرف أنَّ التأسيس العلمي للسيكولوجيا الغربية الحالية ، وجد طريقه الصحيح مع أعمال كل من ماكس فيبر هو واحد من أشهر علماء علم الاجتماع الألمان. وحتى وقت قريب كان يعتبر واحداً من أكثر علماء الاجتماع الذين يأخذ عنهم المختصون أفكارهم ونظرياتهم. من خلال كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" عن العلاقة بين الدين والرأسمالية مازال يشغل العلماء منذ عشرات السنين. ،(جوستاف فخنر من رواد علم النفس التجريبي ومؤسس السيكوفيزيقا وصاحب قانون (فيبر - فخنر للأحساس) و(فيلهلم ماكسيميليان فونت) طبيب وعالم فيزيائي وفيلسوف وأستاذ، يُعرف اليوم كواحد من مؤسسي علم النفس الحديث فونت أول شخص يطلق على نفسه عالم نفسي وهو الذي ميز علم النفس كعلم من الفلسفة والبيولوجيا. يعتبر على نطاق واسع الأب الأول لعلم النفس التجريبي أسس فيلهلم ماكسيميليان فونت أول مختبر رسمي للبحوث النفسية في جامعة لايبزيغ في ولاية سكسونيا الألمانية في عام 1879.في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . وكلّنا نعلم أنَّ هذا التأسيس جاء مدعماً بتكوين المدارس والاتجاهات ، وببناء المفاهيم والنظريات . فمن منا لم يقرأ شيئاً عن السلوكية الغشتالتية والتحليلية . ومن منا لم يسمع شيئاً عن المثير والاستجابة والإدراك واللاشعور . ربما أنَّ من لم يحالفه الحظ للاطلاع على شيئ من هذا القبيل ، فهو لم ينجُ حتماً من سماع بعض الأسماء التي أصبحت عملة لغوية للتواصل اليومي : ف (إيفان بتروفيتش بافلوف ) هو عالم وظائف أعضاء من أصل روسي حصل على جائزة نوبل في الطب في عام 1904 نتيجة أبحاثه الهامة المتعلقة بالجهاز الهضمي ،ومن أشهر أعماله نظرية الاستجابة الشرطية . التي تفسر بها التعلم.، وكذلك (ولفغانغ كوهلر ) وهو عالم نفس ألماني وأحد مؤسسي مدرسة علم النفس الغشتلتي ، مع ماكر فيرذيمير، وكورت كوفكا.و(سيغيسموند فرويد)هو طبيب نمساوي ، اختص بدراسة الطب العصبي ومفكر حر يُعتبر مؤسس علم التحليل النفسي، وهو طبيب الأعصاب النمساوي الذي أسس مدرسة التحليل النفسي وعلم النفس الحديث. اشتهر فرويد بنظريات العقل واللاواعي ، وآلية الدفاع عن القمع وخلق الممارسة السريرية في التحليل النفسي لعلاج الأمراض النفسية عن طريق الحوار بين المريض والمحلل النفسي. كما اشتهر بتقنية إعادة تحديد الرغبة الجنسية والطاقة التحفيزية الأولية للحياة البشرية ، (جون برودوس واطسون) هوعالم نفس أمريكي أسس المدرسة النفسية المعروفة باسم السلوكية ،كما كان عالم النفس والفيلسوف السويسري (جون بياجيه) قد طوَّر نظرية التطور المعرفي عند الأطفال فيما يًعرف الآن بعلم المعرفة الوراثية . حيث أنشأ بياجيه في عام 1965 مركز نظرية المعرفة الوراثية في جنيف وترأسه حتى وفاته في عام 1980. يعتبر بياجيه رائد المدرسة البنائية في علم النفس وغيرهم .أسماء نعرفها جيداً لأنها ترتبط بنتاج سيكولوجي يشهد له التاريخ الغربي بالابتكار والأصالة .
 وأنا بدوري اتمنى بكامل معرفتي بالعقل العربي أن يتخلَّص من القيام بوظيفة الوكيل الفرعي لمدارس واتجاهات سيكولوجية لا تعرف شيئاً عن خصائص ومقومات الإنسان العربي.ونحن عندما نبحث عن العديد من قضايا ذات الصلة بموضوع علم النفس في الوطن العربي ، نهدف إلى بناء سيكيولوجيا عربية متطورة ومتميزة على المستوى المحلي . في ظل المجتمع الذي ما زلنا نعيش فيه محفوفاً بالتقاليد العقائدية والقومية والإيديولوجية . ونحن إذ نبحث عن أصول لمدرسة سيكيولوجية عربية والتي وجدنا نموذجاً لها في خمسينيات القرن الماضي في الوطن العربي بدءاً بمصر وسورية والعراق ولبنان ومروراً بالعديد من دول المغرب العربي ثم بدول مجلس التعاون الخليجي . مع العلم أنَّ دول الخليج العربي ما زاالت تعيش مرحلة المخاض ، وهي لم تستطع استكمال شروط تأسيسها وتأصيلها ، لأنَّ تجاذبات وجهات النظر تبدو كلها متشابهة بالتيارات السيكيولوجية ، وكذلك بالمفاهيم التي تتداولها . من قبيل الوعي والسلوك الفردي والجمعي والشخصية واللغة والذكاء ...إلخ . وهذه المفاهيم والموضوعات تبحث جميعها دون سابق حسم في شأن التيارات التي نشأت وتطوَّرت ضمنها دون سابق ربط بينها وبين الواقع العربي ومحيطه الطبيعي . ولذا من النادر أن نجدها تهتم بوعي هذا الإنسان وبكينونته وهويته وشخصيته الحضارية .لأنَّ ذوقها مختلف ومنطقها مختلف ،ومفاهيمها مختلفة عما يعيشه عامة الناس في وطننا العربي . فبدلاً من أن تبحث في بنية التحولات العفوية للمجتمع وانعكاسها الواضح على الإنسان وسلوكه . نجدها تتجاهل كل ذلك لصالح تطويع هذا الإنسان وتطبيعه لمنطقها ، ويمكن أن يكون هذا الوضع المعرفي، هو الذي نحت بعض الكتابات السيكولوجية ذات الطابع الإصلاحي إلى التعبير عنه بقوة . فالتحليل النفسي للذات العربية للدكتور علي زيعور الذي حاول دراسة عدم التوازن بين الذات العربية ، أو الخلل في صحتها الانفعالية الذي يمثل في عدم الشعور بالرضى عن الذات إزاء نفسها، وعن الذات في المجتمع، وعن المجتمع أمام "الحضارة العالمية"،ويرى الدكتور علي زيعور بأن توفير تلك الصحة، التي هي توازن قطاعات الذات (الأنا) ثم بين (الأنا )وحقلها المنفتح على العالم ( الهو ) ، يحرِّر الطاقات الكبيرة والإمكانيات الإبداعية، ويصوغ النظرة الأصيلة الأساسية للرد على مجابهات العصور. من أجل بناء الاثنين معاً، الصحة الانفعالية في الرد ، والاستقرار المُعَقلن في المجتمع، وكانَّ عمله في دراسته هذه نظرات تحليلية للسلوك واسعة الطيف ، الفكر الراهن من جهة، وعلى جذوره المتغذية بالتراث، وعلى واقع المجتمع من جهة أخرى .
من هنا ا تتراكم نداءات العلاج الإنهاضي المعروفة (في اللغة، والعقلنة.والقوانين، وتوفير العمل والأداة..) مع الدعوات للتنمية الشاملة ولإيجاد صيغة تصون بها الذات كرامتها وتتحرر، هي ومجتمعها، من قبضتين هما: الواقع الحياتي القاسي جداً ، والمثل الأعلى الصعب المنال لعدم وجود حامل أو قاعدة ،( الهو ) و (الأنا الأعلى ) القمعي. لذلك نشدد على قيمة العوامل الثقافية والوجدانية والأخلاقية التي تحافظ على الدينامية للذات ( الأنا ) ، وتقدر على تقديم العلاج إلى جانب ما يقدمه أيضاً العقلي والعملي. فالشخصية العربية مصابة بترجرج وعدم استقرار ، وقلق، وتخلخل في القيم، وانجراح في مشاعر الأمن والطمأنينة والانتماء. يلاحظ اضطرابها بلا صعوبة: هناك الوعي بالتخلف، وبتسلط الأقوياء القواصر، وبفشل معظم التجارب الانهاضية. أما أسباب عدم استقرارها، ونقص توافقها وعدم تمكنها من تحقيق ذاتها ، فتكمن في: التقلبات السريعة للحوادث والمفاجآت ، والتغير الهائل في كل مجال في العالم، والمخاوف على المستقبل، وضغوط السلطة و(الأنا الأعلى) والعالم القوي، والازدواجيات المتباينة بين المبادئ والواقع، والإنشاطارات الواسعة في السلوك، والانفاصامات في الثقافة العربية والحضارة والقيم العربية الأصيلة ، وتعدد الافكار والمفاهيم بل وتناقضها داخل القطر الواحد. كما أن الحياة المدنية وانفصالها نوعاً ما عن الحياة الريفية ، ولتأثير الثقافة غير العربية التي بدأت تتغلغل من خلال العولمة ، وتجريح الوعي والحاملات التاريخية، سبباً في تغلغل تلك الذات .
 لقد كان لسيكيولوجية الإنسان المقهور للدكتور مصطفى حجازي رأيٌّ آخر متمم لرأي الدكتور علي زيعوروهو إن تجاهل التخلف على المستوى الإنساني کنمط وجود مميز، له دینامیاته النفسية والعقلية والعلائقية النوعية بين ( الأنا ) و ( الهو )، أوقع دارسي التخلف وعلماء التنمية، ومن ورائهم القادة السياسيين والأيديولوجيين والاستراتيجيين الذين يقرِّرون عملیات التغيير الاجتماعي، في مأزق أدت إلى ضياع الكثير من الجهد الكبير ،والوقت والإمكانات المادية الكبيرة ، بشكل اتخذ طابع البذخ والتبذير الذي لا يمكن للمجتمع المتخلف، ذي الأعباء الثقال، أن يسمح لنفسه به. انطلق هؤلاء جميعا في مشاريع تنموية رنَّانة، ذات بريق ووجاهة، قائمة على دراسات ومخططات جزئية، لم تتجاوز السطح معظم الأحيان، وبعض الأحيان توصف بالهلامية . كي تنفذ إلى دينامية البنية المتخلفة من ناحية ، أو إلى التكوين النفسي والذهني للإنسان المتخلف أصلاً الذي أريد تطويره من ناحية ثانية. وضعت خطط مستوردة عن نماذج طبقت ونجحت في بلدان صناعية، ولكن مسيرة هذه الخطط لم تخط بعيدة، فلقد أخففت التجارب المستوردة، والمشاريع الملصقة من الخارج، كما فشلت معظم المشاريع ذات الطابع الدعائي الاستعراضي في تحريك بنية المجتمع ككل، وفي الارتقاء بإنسان ذلك المجتمع .
بعد الدراسة المستفيضة ندرك تمام الإدراك أن الإطار الأكاديمي في وطننا العربي لا يسمح بالتخصص الحقيقي في نطاق العلوم الإنسانية عامة ،والسيكولوجية خاصة. وهذا أمر هام جداً . فالفروع السيكولوجية لم تعد، على الرغم من تداخلها وتكاملها وتباينها في بعض الأحيان ، قادرة على ضم خصائص الإنسان وما يحيط به من عوامل سوسيو اقتصادية وسوسيوثقافية في خانة واحدة. لهذا نجد السيكولوجيا الحديثة تنوع تخصصاتها وتضاعف ميادينها التطبيقية وتفرعاتها ، يكفي أن نذكر منها على سبيل المثال: السيكولوجيا التربوية،والسيكولوجيا الصناعية ،والسيكولوجيا الاجتماعية ،و السيكولوجيا الحيادية.
   في إطار هذه المعيقات والاعتراضات المعرفية، يمكن القول أن المشروع السيكولوجي العربي، بأبعاده النظرية والمنهجية، ما يزال ضعيفاً ويشكو من فجوة متعددة المظاهر والصور بين الموضوع والمنهج،بين ( الأنا ) و ( الهو )، بين النظرية والتطبيق، بين الإنتاج والإستهلاك. وهي فجوة عميقة لا قرار لها تخترقه بشكل واضح من الأعلى إلى الأسفل. وهذا ما يدفعنا إلى التأكيد على أن وضعية معرفية أبيستمولوجية كهذه لا تنبئ بقرب انفجار ثورة سيكولوجية عربية متينة ، لأن انفجارا كهذا يستوجب خلق فكر سيكولوجي عربي تربطه بمعاناة الإنسان العربي الصعبة ومحيطه الطبيعي، والأهم محيطه الثقافي روابط متينة، كما يستلزم وجود صياغة دقيقة وواضحة المعالم والأسس المطابقة لتفاصيل البحث السيكولوجي العربي المنشود ،الذي تتعدد وتتنوع مقوماته وأهدافه في خطة علمية وعملية مدروسة بشكلٍ جيد قوامها خدمة الإنسان العربي والتنمية العربية والمستقبل العربي .