( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )

تحتل الثقافة الفضاء الرحب الواسع من العالم ، كونها تتعامل مع المواضيع الأخرى مثل الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ،والصحية والنفسية والدينية والبيئية وغيرها . 
الأمر الهام جداً هو أنَّ مفهوم الوطن يتأسس ويتمركز على الثقافة .فهي الحاضن الذي يستوعب الهوية ويتضمنها ، ويجسدها على نحو واعٍ وحيقيقي ، لقدرتها على التعبير عن الشعور والاحساس بالانتماء ، فالتربية الأساسية التي يتربى عليها الإنسان حين ولادته هي الثقافة ، فعندما يولد الإنسان يتربى في بيئته تربية ثقافية فطرية . وهذه خلاصة التطور التاريخي واللغوي وتقاليد وسلوك وفنون وأساطير وأديان المجتمع .وهي بالتأكيد ليست معطىً سرمدياً أو ساكناً ، بل هي خاضعة للتغير، منفتحة ومفتوحة على اللآخر. حتى لو ظلَّت أسسها وأصولها قائمة ، فإنَّ جملةً واسعةً من عناصرها ستتغيَّر وتتطوَّر نحو الجديد . إن كان حذفاً أو إضافة . لا سيما علاقاتها مع الثقافات الأخرى استعارةً أو تأصيلاً ، تأثراً أو تأثيراً ، حتى وإن لم تأتِ دفعةً واحدة . لكنَّ عملية التطور والتراكم تسير تدريجياً حتى لو طال الزمن لكنها ستطالها .خصوصاً بالتأثيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على مستوى كل قطر أو على المستوى العالمي .لأنَّ الثقافة تمثل أساس هوية الشعوب، فالشعوب المثقفة تتصف بتزوّدها بذات هوية معلومة، ومن فَقَدَ ثقافَتَه فَقَدَ هويته الوطنية بلا أدنى شك، وعندما يفقد الإنسان هويته فإنَّه سيخسر كل شئ يعتز به ، ويفقد بذلك نفسه وانتماءه وأخلاقه ووطنه ومكونه الإنساني التاريخي والحضاري.  
إن الثقافة قد تخضع لمجموعة من المبادئ والضوابط الصارمة ، لكنَّها في النهاية تمثِّل تعبيراً راسخاً عن حالات إنسانية ووجدانية وإبداعية تجاه قضية معينة ، يوليها الجميع اهتماماً كبيراً من أجل القيام بإجراءات وسلوكيات عملية تصبُّ في مصلحة الفكرة والهدف المنشود، ألا وهو تعزيز الهوية الوطنية بكل مكوناتها وعناصرها . 
هناك من يعتقد أنَّ الثقافة نقيضاً للاقتصاد والسياسة أوعدواً لهما . في حين هناك من يرى من وجهة نظره أنها بالتوازي معهما يمكن أن تساهم مساهمة كبيرة في إعلاء شأن الاقتصاد وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الشعوب والأمم . كما لعبت مثل هذا الدور عبر التاريخ الإنساني الطويل منذ نشوء الحضارات الأولى لوادي الفراتين أو بلاد الرافدين ووادي النيل ، والحضارتين الهندية والصينية وما بعدهما . لذلك نجد تجسيد الفعل الثقافي في تعزيز العلاقات التجارية والسياسية وعلاقات الصداقة المتينة بين الشعوب يكون عبر الثقافة ، بخاصة تلك التي سارت على (طريق الحرير الجديد ) ، والذي يجري بحثه هذه الأيام بين الصين ودول شرق آسيا والشرق الأوسط بعامة ووطننا العربي بخاصَّة ، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من خلال انعاش خطة ( الحزام والطريق ) والتي بدونها يبدو صعباً أن تنتعش التجارة أو السياسة أو الثقافة .
إن التسلح بالعلم والمعرفة الواسعة النوعية كوسيلة وغاية لحماية وتعزيز الهوية الوطنية واستخدام العقل والمنطق من أجل إحداث نهضة ثقافية أفقية وعامودية تجمع ولا تفرِّق ، شعارها الحوار والانفتاح والتكامل في الداخل والخارج ( الأنا ) و (الهو ) هو الفيصل في صنع مستقبل أفضل لهذه الأمة فيه كل الأمان والطمأنينة . وذلك لأن الشعوب العربية وليس الحكومات هي العمق الاستراتيجي لكل دولة عربية بغض النظر عن ارتباط العديد من الحكومات مع دول في الخارج ومرتهنة لها .
الثقافة دائماً تحتل دور السيدة ، أما السياسة والاقتصاد فتحتلا دور الخادمتين . لكن مع انقلاب المعايير والأولويات استطاعت الخادمتين من أن تحتلا دور السيدة ( الثفافة ) . وما علينا نحن المثقفون سوى العمل على إعادة السيدة إلى مكانها الطبيعي والخادمتين إلى عملهما الطبيعي المعتاد. لأنَّ السلطة الثقافية لها قوة معنوية كبيرة ونافذة ، كونها تمثِّل المعرفة أو ( سلطة المعرفة ) حسب تعبيرات الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون المعروف بقيادته للثورة العلمية عن طريق فلسفته الجديدة القائمة على " الملاحظة والتجريب ". وهو من الروَّاد الذين انتبهوا إلى غياب جدوى المنطق الأرسطي الذي يعتمد على القياس. مدركين أنَّ ثمة منافسات وحساسيات بين السلطتين الاقتصادية والسياسية من جهة ، والسلطة الثقافية من جهةٍ أخرى . فإذا ما حظيت السلطة الثقافية باعتراف المجتمع بما فيها السلطتان العسكرية والسياسية وهما بحاجة كبيرة إليها ، بل لا يمكنهما الاستغناء عنهما بالمطلق . مثلما سلطة الاقتصاد والتجارة والمال . فإنَّ هذه السلطات ستبدو بدون غطاء منطقي ومقنع وإنساني.وستكون عارية تماماً . ولهذه الأسباب المجتمعة سعى المتسلطون والطغاة بكل ما يملكون من قدرة على الهيمنة والسيطرة على الثقافة وتوظيفها لصالح سياساتهم الشخصية والأنانية الضيقة على حساب السياسات الوطنية . سواء باستخدام مثقفين أُجراء تشتري ذممهم بالمال أو بالترهيب والتخويف، من أجل تحسين وتزيين نهجهم وأيديولوجيتهم وسلوكهم ، ورفع مستواهم إلى مرتبة القداسة . كما نلاحظه في الدول الشمولية . 
إن عدم أخذ قوة الثقافة بالحسبان واعتبارها قوة أساسية كان من أهم العوامل التي أدت إلى تخلف وتراجع دول العالم الثالث عن ركب الحضارة الإنسانية والتقدم المتسارع ، ولهذا فإنَّ منظمة اليونسكو التي عقدت مؤتمرها عام (١٩٩٠) كان من أهم توصياتها: هو الحث على الاهتمام بشكل جدي بالبعد الثقافي والاعتراف به، وأخذه بعين الاعتبار في اطار عمليات التنمية والتطوير والتحديث ، لأنَّ ذلك يُعتبرُ تأكيداً وتوثيقاً للهوية الثقافية، وتوسيعاً لقاعدة المشاركة العملية والفاعلة في الحياة الثقافية ، ودعماً للتعاون الثقافي بين الأمم والشعوب .لذا فالثقافة وما تحمله عبر كينونتها وصيرورتها تمثِّل بمعناها الأجدى الحب الإنساني ،فقد شكَّلت في ستينيات القرن الماضي وعياً ثقافياً جديداً ونوعياً . وعبَّرت عن لغة جديدة وروح جديدة . في المضمون والشكل . كما شاهدنا حالة التخلّص من الأوهام الأيديولوجية التي جمَّدت عملية التطوير والتحديث والتي ارتبطت بتلك الأيديولوجيات التي تتبناها الأنظمة الشمولية مؤسسات ويقينيات في محيط حساسية إنسانية جديدة ،ونظرة إبداعية مغايرة .بالارتباط بثورة المعلوماتية الفضائية ،ونتائج الثورة العلمية ، والهايتك ، والثورة الصناعية المُأتمتة في طورها الرابع ، إضافةً إلى الذكاء الصناعي وتطور صناعة الريبوتات الشخصية والمكتبية ، والريبوتات الصناعية التي تؤدي عملاً معقداً ، والطفرة الرقمية ( الديجيتال ) وثورة المعلوماتية الهائلة.وتطور الانترنت G5 .
في الختام ، يمكننا التأكيد أنَّ الثقافة هي خيرٌ للمجتمع ، لأنها تمثِّل أسلوب حياتنا من تقاليد وعادات وأفكار وآداب وفنون وتراث وميثولوجيا ، وتشرح لنا كل ما يحيط بنا ، وما نحن عليه بشكلٍ واضح . وعلينا نشرها ضمن أسس وقوانين منطقية وواقعية .وهذا يجعل الاهتمام بالهوية الثقافية العربية التي نعتز بها ، وحمايتها من التمييع و الضياع والتضييع هو الأساس في حماية التضامن العربي ولو على أساس شعبي ، وهو أمرُ في غاية الأهمية لأن الشعوب دائماً أطول عمراً وأكثر قدرة على منع الهجمة الصهيونية الشرسة على أرض واقتصاد وإنسان وثقافة هذه الأمة.

إن ممارسة التعري الثقافي وجلد الذات والقدح بالمُسَلّمات الوطنية والتاريخ المشرق لهذه الأمة من قِبَل بعض المثقفين المدفوعين من الخارج ،ليس شفافية أو فعلاً يعبِّر عن ( حرية الرأي ) بل هو استهداف للهوية الثقافية العربية ،خصوصاً ان الطرح ليس ايجابياً لأنه يركز على السلبيات ويتناسى الايجابيات. وبعمل في كثير من الأحيان إلى تهديم وتحطيم الرموز الفكرية والأدبية تحت عنوان النقد .
وفي الحقيقة لقد طال التشكيك بثقافتنا ، وإساءة استخدام المصطلحات والشعارات ، وقدح الانتماء للوطن واللجوء إلى التدليس والتلبيس والمخادعة والقدح كل أطراف الثقافة العربية ما أفرز تطرفاً على جانبيْ المعادلة.
لنعمل بشكلٍ جدي على تنمية وتطوير الحوار مع الآخر على أرضية الحفاظ على مكوننا الثقافي وهويتنا الوطنية .