( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 هناك عبارةً شهيرةً لشاعرٍ بريطاني قال فيها إنَّه يتمنى أن يعيش في بريطانياً وأن يموت عربياً، لأنَّه عندئذ سيظفر بعددٍ لم يحلم به من الأصدقاء والمعارف ، وسينالُ من التكريم ما لم يحلم به شاعرٌ من بلاده. كما أنَّ للشاعر الفرنسي جين نيكولاس آرثر ، أو آرثر رامبو مقولةً قد تكون آخر ما ودَّع به الحياة ، حين قال لأخته إيزابيلا : ( إنَّ ما يُحزِنهُ ليس الموت بحدِّ ذاته، فهو قَدَرُ البشر، لكن ما يُحزِنهُ هو عجزه عن الدفاع عن نفسه ضدَّ ما يخترعه الأحياء عنه ) ، ونحن في عالمنا العربي فينا شغفٌ شديدٌ إزاء الموتى إذا كانوا من المشاهير، فمَن لم يقترب منهم في أي يوم ، يؤلِّف حكايةَ ينقصها الشهود عن علاقةٍ متخيلة.
واعتقد أنَّ الشاعرالعربي الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي أعاد أصدقاؤه الُمُدَّعون إنتاجه بحيث أصبح شخصاً آخر، وما خشي منه رامبو لم يكن بعيداً عن هواجس الشاعر محمود درويش وسائر المبدعين الذين يتركون تراثهم أمانةً في أعناق من اقتربوا منهم !لقد تناسى كثيرٌ من الأشخاص أنَّ الانتحار هو الطريقة التي تجعل الإنسان مشهوراً من دون أن يمتلك قدرات ـ حسب ما قاله جورج برناردشو ـ.  
كما أنَّ النرجسية هي من أخطر أمراض العصر ، وهي إحدى سمات الشخصيات الثلاثة في ثالوث الظلام إلى كلٍ من الميكافيلية والاعتلال النفسي .فقد أصبحت من أشد الأمراض فتكا بالمجتمعات، فالرغبة في البروز والشهرة، ولفت النظر والحصول على إعجاب الآخرين، وسماع مدحهم -حتى ولو كان نفاقاً- أحدثَ اختلالاتٍ خطيرة في الشخصية عند فئة من الناس نساءً ورجالاً وفي كلِّ مكان، كل ذلك مغلف بالنفاق والتزلف المقيت حد الإنسحاق، وما هذا التهالك على الإنفاق والتبذيرعلى المظاهر، واللهفة على اقتناء الماركات العالمية وترصُّد كل جديد، وإجراء العمليات التجميلية ، والولع بأخذ الصور ونشرها ، إلَّا من علامات هذه الأمراض.فقد قالت مُقَدِّمة البرامج الحوارية الأمريكية والممثلة المسرحية ، أوبرا وينفري وهي شخصية عالمية) : إذا اشتهرت دون أن تعرف نفسك ، فسوف تتكفل الشهرة بتكوينك). فالنرجسي وطالب الشهرة يعتبر نفسه شخصاً نادر الوجود ، أو أنه من نوع خاص فريد لا يمكن أن يفهمه إلا خاصَّة الناس. ينتظر من الآخرين احتراماً من نوع خاص لشخصه وأفكاره، وهو استغلالي، وصولي وابتزازي ، يستفيد من مزايا الآخرين وظروفهم في تحقيق مصالحه الشخصية، وهو غيّور، متمركز حول ذاته، يستميتُ من أجل الحصول على المناصب ، لا لتحقيق ذاته وإنما لتحقيق أهدافه الشخصية. مع أنَّ للشهرةِ والأضواء بريقاً خاصاً يصعب على الإنسان تجاهله ، وقد ينحني بأي لحظةٍ لهذه الأضواء من أجل أن يكون شخصاً معروفاً ومرموقاً في المجتمع ، مهما كانت نوعية الرسالة التي يقدِّمها، وهنا ألفُت النظر إلى أنَّه من الناحيةِ النفسيةِ قد يصنَّف في مجال علم النفس بأنه اضطراب ثنائي القطب وهو خليطٌ من الهوس والاكتئاب.إن تلك المشكلة تعدُّ كالمرض أو الهوس لدى بعض الأشخاص الذين يركضون ويلهثون وراء الشهرة. والواضح تماماً أنَّ أسباب مشكلة أن تكون مشهوراً هي أسبابٌ نفسية وقد تكون شخصية تتعلق بافتقار الشخص نفسه للعلاقات الاجتماعية، تدفعه لخوض الطريق الذي هو ليس أهلاً له من الأساس وغير قادر على تحقيق نفسه بشكلٍ لائق ومناسب .لقد أكَّد علم النفس من خلال تصنيفاته لماهية الشخصية أنَّ الشهرة والنرجسية أنها تزيد من حالة تضخم ( الأنا ) وهذا اضطراب ثنائي القطب وهو خليط من الهوس والاكتئاب ، والهوس هو من خلال رغبة الإنسان الدائمة في الحصول على كل شيء جديد واقتنائه باعتباره سيكون مشهوراً بذلك ، ودائماً ما تكون لديه أفكار خيالية لا ستطيع السيطرة عليها ، ودائماً ما يكون مشغولاً بالآخرين وينظر مستقرئاً عيونهم عن قبولهم لهُ ورضائهم عليهِ ، كما ينظر إليهم حتى يصل لمرحلة خلق غيرة بداخله، ويخلق حسداً دفيناً بداخله تجاه الآخرين يؤدي إلى مضاعفات نفسية حادَّة ، غير متناسين أنَّ علم النفس لفت الانتباه إلى وجود حاجة نفسية غريزية لا تختلف عن الحاجات البيولوجية الجسدية والحاجات العاطفية والاجتماعية، ولكن إذا أصبحت الرغبة جامحة في حب الظهور ، أخذت منحىً مرضياً يميل صاحبها المهووس للكِبَرِ والاستعلاء واحتقار من هم دونه واستصغارهم والتقليل من أهميتهم ، وهذا يسبِّب مشكلةً اجتماعيةً عن طريق خلل يحدث في العلاقات الاجتماعية بين الشخص الذي يحب الظهور والآخرين ، بمعنى أنَّ ( الأنا ) تتضخَّم على حساب ( النحن ) فدائماً ما يُحبُّ الحديثَ عن إنجازاتهِ وتهويلها وتعظيمها ،وهذا يسبِّب نفوراً واضحاً للأشخاص من حوله بسبب أنَّه بدأ يشكِّلُ مصدرَ إزعاجٍ لهم.ولكونه يفتقرُ إلى الكاريزما التي تجعل منه شخصاً مشهوراً ، ولا تكون لديه الإمكانيات والمهارات الكافية للوصول إلى مبتغاه ، فيضطرُّ إلى أن يكون مهرِّجاً أو شخصاً يدَّعي المثالية من أجل أن يكونَ مشهوراً، وهناك أشخاصٌ لم يفكِّروا أبداً بالشهرةِ والظهور ولكن الشهرةَ أتتهم دون حسبان لأنهم أصحابُ رسالةٍ هادفةٍ ولديهم المقدرة على العطاء وإفادة الآخرين .