( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لجأ الطرفان المتخاصمان مؤخراً الى عامل مشترك بينهما , وهو وحدة التصدي لمشروع الضم , كي يكون مدخلاً لإنهاء الإنقسام بحسب ما سمعنا , وقررا أن تبدأ الخطوة الأولى في إقامة مهرجان مشترك بينهما في غزة , وبحضور دولي وعربي , معتقدين بذلك أن هذا المهرجان سيكون أفضل من مساع تكررت على مدى 13عاماً لإنهاء الإنقسام , وكان على رأس هذه المساعي , التدخل المباشر لجهاز المخابرات المصرية من خلال الجولات المكوكية ووضع الخطط والإشراف عليها , وهذا الإعتقاد الخاطئ بالطبع يدل على أن طرفي الإنقسام ما زالوا لا يعلمون كلمة السر أو الشيفرة أو المفتاح الحقيقي لإنهاء الإنقسام , أو يعلمون ولكن يغضون النظر عنها , وخاصة من هم يمتلكون المفتاح وكلمة السر , وهم الإخوة في حركة فتح كونهم الطرف المكلف وبصفتهم سلطة تعود جذورها الى منظمة التحرير , بإستلام غزة من الباب الى المحراب كما يقولون , والسؤوال المهم هنا , هل تستطيع السلطة إستلام غزة من الباب الى المحراب كما يقولون دون دفع الفاتورة كاملة؟. 
بإختصار , إن جميع الملفات السياسية والأمنية بين فتح وحماس متفق عليها , فكلاهما مستعد للسلام على أساس حل الدولتين وحدود 67 والقدس الشرقية , وكلاهما يؤمن بالمقاومة الشعبية والطرق الدبلماسية والقانونية ضد إسرائيل كخيار إستراتيجي , وكلاهما يؤمن بمبدأ الشراكة والتقاسم الوظيفي على قاعدة الدولة المدنية والمؤسساتية , وحتى في ملف الإنتخابات فهم متفقين على عدم إجراؤها دون مدينة القدس حتى لو كان هذا ضد إرادة الشعب , أما بما يخص منظمة التحرير , فحماس موافقة على أن تكون جزء من المنظمة , ولكن طريقتها في الدخول للمنظمة تجعلها تبدوا وكأنها تريد السيطرة على المنظمة من باب التغيير والإصلاح , وهذا ما يقلق فتح ويؤجل الدخول , فكل ما ذكرت من ملفات سياسية وأمنية بالفعل متفق عليها , فعلى الأقل من حيث المبدأ , ولكن هناك ملف يعتبر المفتاح الحقيقي لإنهاء الإنقسام , وهو الملف المالي , وبالطبع هذا الملف وضع الكرة في ملعب حركة فتح منذ اليوم الأول من حوارات المصالحة , كون فتح هي المطالبة بالعودة الى غزة لتستلم الإدارة والسلطة , وحتى مع وجود شراكة بينها وبين حماس , ووجود تقاسم وظيفي ودمج بين المؤسسات وتقاسم للأدوار , ففتح على الأقل ستكون مسؤولة في نظر الناس كسلطة عن الملف الإقتصادي وبكل تفاصيلة , ولو إعتبرنا أن حركة فتح تدرك هذا تماماً , ومستعدة أن تدفع الفاتورة المالية لإنهاء الإنقسام , فهناك أسألة لا بد من طرحها وإيجاد إجابة لها..
حركة فتح مكلفة كسلطة أو كحكومة , سواء كانت حكومة اشتيه أو حكومة توافق جديدة أو حكومة وحدة وطنية جديدة , فهي مكلفة أن تحمل كل الملف الإقتصادي في غزة , فهناك 42 ألف موظف على الأقل في غزة تابعين لحماس , السلطة مكلفة بصرف رواتبهم بحسب إتفاق القاهرة 2017 , وهناك ما يعادلهم أو أكثر من موظفين السلطة من سكان غزة سيطالبون بمستحقاتهم وعلاواتهم المتراكمة على السلطة منذ سنوات طويلة , وهناك طوابير من العمال والخريجين ينتظرون قدوم السلطة الى غزة كي توفر لهم فرص العمل والوظائف , وهناك بنية تحتية في غزة تحتاج الى إعادة تأهيل بمجرد قدوم السلطة الى غزة , وعلى رأسها توفير الكهرباء , فكل هذا يحتاج على الأقل الى ما يقارب 10 مليار دولار كمرحلة تأسيسية لحياة جديدة في غزة , وبالطبع فالضرائب التي ستستلمها السلطة من حماس والتي تجبيها حماس من غزة وبحسب إتفاق القاهرة 2017 , لا تكفي أن تغطي أقل فاتورة منما ذكرت أعلاه , وخير دليل على ذلك أن كل العقبات التي وقفت أمام المصالحة في عام 2017 , وتحديداً قبيل تفجير موكب رامي الحمدالله , كانت بسبب عدم قدرة حكومة الحمدالله على تغطية رواتب 42 ألف موظف لحماس , فعندما شعرت حماس بأن هناك خلل في الإتفاق حول رواتب موظفيها ,وخاصة أن عزام الأحمد إلتزم بذلك أمام المخابرات المصرية , بدأ الخلاف على ارض الواقع وفي التفاصيل .
هكذا سينتهي الإنقسام , في حال وفرت السلطة 10 مليار دولار كفاتورة لقطاع غزة , ولكن كيف سيحدث ذلك والسلطة الآن تعاني من أزمة مالية لم تتوقف , فقبل دخول السلطة في حرب مع أمريكيا وإسرائيل , وقبل حجز أموال المقاصة , كانت السلطة عاجزة عن دفع هذه الفاتورة , فكيف سيكون الأمر الآن والسلطة تقترض من القطاع الخاص والبنوك لتغطية رواتب موظفيها؟ وفي ظل تخلي الدول المانحة عن دعمها , وبالتحديد الدعم العربي , ومن هنا ستكون السلطة بين خيارين مهمين , إما أن يتوفر المال لإنهاء الإنقسام , أو تتخلى عن جزء كبير من طموح السيطرة الكاملة على غزة , بمعنى أن يكون بينها وبين حماس شراكة في كل شيئ , وهذا بحد ذاته سيخفظ من تكلفة الفاتورة , لأن حماس ستكون شريكة فعلية في الحكم , وخاصة أنه سيكون البديل عن الإنتخابات في الفترة القادمة , هو حكومة وحدة وطنية فصائلية , وهذا ربما يساعد في جلب الدعم الخارجي من بعض الدول والتي لها مصلحة مع حماس وبعض الفصائل , وهكذا تكون فتح أخرجت نفسها من عبئ دفع الفاتورة كاملة .
كاتب صحفي