( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
تُعتَبر النزعة الجدلية من أهم القضايا التي يعيشها الفرد في مجتمعنا العربي وفي المجتمعات الأخرى ، لكنَّ الأفراد يختلفون في أسلوب ومنهج تعاطيهم مع الكثير من الحالات والمواقف الجدلية، فبعض الأفراد يميلون إلى التعاطف مع الآخر وتفهُّم مواقفهم،في حين يميل الآخرين إلى النظر إلى القضايا والمسائل الحياتية الهامة بطريقة تحليلية وبعيداً عن أي عاطفة أو شعور بالآخر. وقد يظهر البعض ميلاً ثابتاً وصلباً نسبيا نحو تصنيف الأفراد بطريقةٍ ثنائية، ويؤسِّسون منطقهم وفهمهم في الجدل على ثنائيات حادَّة جداً (أبيض – أسود)،( معي – ضدي)،منتهجين نهج : ( إن لم تكن معي فأنتَ ضدي) . بدلاً من محاولة فهم القضايا بشكلٍ تركيبي يضمُّ بين طياته وثناياه أوجهٍ سلبية متعدِّدة ، وأخرى إيجابية. وبينما يُعتبر التقسيم الثنائي عموماً مفيدٌ وجيِّد في بعض المواقف التي تتطلب حلولاً سريعةً لا تحتمل التأجيل ،إلا أنَّها تعتبر أحد أكثر النزعات الفكرية ارتباطاً باضطراب القيم ، والأخلاق الإنسانية السامية ، خاصة عند المراهقين وبعض كبار السن الذين يحاولون تقمص حالة (التصابي أو المراهقة المتأخِّرة ).خاصةً وأنَّ المراهقة المتأخِّرة تعبِّر عن انتقال الهوية وتغيير الثقة بالنفس ، والتي يمكن أن تحدث لدى الأفراد في منتصف العمر، وعادة ما يكون بين 45 و55 سنة، هذه الظاهرة يمكن وصفا بأنها صدمة نفسية ناجمة عن الأحداث التي تظهر لدى الاشخاص في سن ما بعد الشباب، والشعور بتناقص العمر أو حتى الوفاة التي لا مفر منها وهو يغرس في النفس خوفاً ورعباً وقلقاً ، وربما يكون وجهاً من أوجه القصور في الإنجازات في الحياة على الصعيد الشخصي ، وقد ينتج عن ذلك حالة من الشعور بالاكتئاب الشديد والندم على ما مضى ، ومستويات القلق العالية. لذا فإنَّ النزعة الجدلية تعتبر سمة تجعل الفرد يميل دائماً إلى الدفاع عن الحالات والمواقف التي تتضمَّن قضايا مثيرة للجدل . ففي المجال الفلسفي يُطلَق على الكثيرين من محبي الجدل بالسوفسطائيين وهم أدعياء الفلسفة والعلم والفكر . مع انهم يملكون ثقافة بسيطة وضحلة وخصوصاً في مجال العلوم الطبيعية والرياضيات والفلسفة لكنهم بارعون في البلاغة والخطابة والتشدُّق الذي هو لُب دراستهم وتركيزهم واهتمامهم ومن خلال هذه الخاصية التي يتمتعون بها يقلبون الحقائق ويخلطون الأمور بعضها فوق بعض ، وانَّ أهم ما يميزهم هو استعدادهم للنقاش والجدال إلى ما لا نهاية وبدون ملل.هؤلاء المجادلين كثيروا الكلام الذي فيه تمويه للحقائق مع فساد في المنطق ، وعدم التهذيب ،وصرف الذهن أيضاً عن الحقائق والأحوال الصحيحة أو المقبولة في الذهن كمسلمات أو العقل أو المنطقية وتضليل الخصم عن الوجهة الصحيحة في التفكير وعن الحقيقة مهما كانت ساطعة .وكل هذا فقط من أجل ربح المال وكسبه عن طريقة الاحتيال النصب والخداع واستخدام فن الخطابة والتشدُّق فهم لا تهمهم الحقيقة ولا شعور الآخرين ،بل سعيا وطمعا في الجاه والمناصب والسلطة والمال .فمنهم المتفيقهون والرويبضة والمتعالمين والمتثاقفين إلخ . 
      من خلال دراستنا لعمق نزعة الجدل نجد أنَّ الأفراد ذوو النزعة الجدلية العالية يندمجون في حوارات جدلية مقصودة ولا يتجنبوها عن عمد، في حين ينخرط بعض الأفراد في عدوان لفظي قاسٍ ولاذع لافتقارهم للمهارات الجدلية.ويدرك البعض أنَّ هذا النشاط هو تحدي ذهني وعقلي مثير جداً، وموقف تنافسي استعلائي يستتبعه دفاع عن مواقف متعدِّدة والفوز بالنقاط. ومع ذلك، يتفاوت الأفراد من حيث شعورهم برغبةٍ جامحة في الخوض في الجدل. وفي الحقيقة يسبق الجدل إحساس الفرد بمشاعر الإثارة واستشعار القادم وتوقُّع ما سيحدث، وبمواصلة الجدل يشعر الفرد ذو الرغبة العالية في الجدل بالانتعاش والزهو والرضا عن نفسه وأنَّه أنجز الكثير ، في حين يسعى الفرد الذي لا يتمتع برغبة عالية في الجدل لمنع هذا الجدل من الحدوث أو الاستمرار فيه ، ويشعر بالارتياح التام إذا استطاع تجنب الجدل بخاصة إذا كان الجدل حادَّاً . وإذا تم إغراؤه بالدخول في جدل، فإنه تكون لديه مشاعر غير سارة قبل وأثناء وبعد الجدل.
وتعتبر الرغبة في الجدل مفهوماً إيجابياً وشكلاً هاماً وضرورياً بَنَّاءً للتواصل مع الآخرين أو معارضتهم ، حيث تعنى كلمة (يجادل) أن يرسي الفرد قواعد يبني من خلالها مزيجاً من الأفكار العقلانية والمنطقية المترابطة التي تبرِّر فكره ورأيه . هذا التبرير مهما حمل من مزايا يمكن أن يساعد الفرد على إقناع الآخرين بمنهجه العقلي ومسار فكره، أو أن يدحض رأي الآخر أو يلغيه أو يهمِّشه . وفي بعض الأحيان، قد يحمل الجدل معنىً سلبياً واضحاً عندما يتضمن هجوماً على ذات الآخرين ، فالجدل اللفظي السلبي ( البذيئ ) واللا أخلاقي هو شكل هدام من أشكال التواصل. وقد ميَّز الباحثون عند دراستهم للنزعة الجدلية بين الجدل بمعناه الإيجابي الخلَّاق ، والجدل القائم على تغيير الحقائق والمغالطة الذي يهاجم الشخص لذاته وليس الموضوع، فهناك دافعان مختلفان لدى العديد من الأفراد المتحاورين: الرغبة في مناقشة قضية خلافية شخصية أو عامّة ، والرغبة في الانتقاص والاستهزاء من ذات الآخر وتهميشه وانتهاك كرامته . وفي حين يركِّز أصحاب الدافع الأول العقلانيين والمنطقيين على الفكرة محل النقاش، يتحوَّل أصحاب الدافع الثاني من مناقشة الموضوع إلى الالتفات بشكل مقصود إلى استفزاز الآخر والانتقاص منه وتحقيره بهدف إحداث ألم نفسي وشرخ داخلي لديه من خلال التهكم والسخرية وتحطيم المعنويات والحط من الكراة الشخصية وبئس هؤلاء .