( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
  يُشَكِّل قطاع غزة حوالي 1,33% من المساحة الإجمالية من فلسطين التاريخية ، ويُعَدُّ جزءاً مهماً منها ، يقع قطاع غزة في الجهة الجنوبية من السهل الساحلي الفلسطيني على طول البحر الأبيض المتوسط غرباً، ويقسم ديموغرافياً إلى عدة مناطق:هي منطقة شمال غزة وتضم جباليا وبيت لاهيا، والمنطقة الوسطى التي تضم محافظتي غزة ودير البلح، والمنطقة الجنوبية التي تشمل خانيونس، ورفح، أما فيما يتعلق بالتسمية فقد جاءت نسبة إلى أكبر مدينة فيه وهي مدينة غزة . تبلغ مساحة قطاع غزة 360 كم²، أما طوله فهو 40 كم²، بينما يتراوح عرضه بين 5-15كم²،ويمتد على شكل شريط حدودي ضيق إلى الشرق من شبه جزيرة سيناء .
من الناحية التاريخية : تعتبر مدينة غزة ومحيطها من أقدم المدن في التاريخ حيث نشأت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، على يد أجدادنا الكنعانيّين. احتُلت المدينة من قبل العديد من المستعمرين منهم: الفراعنة، والرومان، والإغريق. كما وقعت تحت الاحتلال العثماني والبريطاني وأخيرا الاحتلال الصهيوني عام 1967 .وفيها من المعالم التاريخية الكثير منها: على سبيل المثال لا الحصر ، مدينة بيت جلايم الكنعانيّة، وكنيسة القديس برفيريوس، وسوق القيساريّة، ودير القديس هيلاريون، وزاوية الأحمديّة، وحمام السمر، والجامع العمريّ، وجامعة الأزهر، والجامعة الإسلاميّة، وكنيسة الروم الأرثوذكس. وساحة الجنديّ المجهول، والمجلس التشريعيّ الفلسطينيّ. 
من وجهة نظري الشخصية أجد أنَّه من الخطأ الجسيم التفكير في قطاع غزة من منظور سياسي مرتهن لحكم جماعة واحدة ، وربط مستقبل القطاع بالمراهنة السياسية .فالمشاكل الكبيرة التي يعاني منها قطاع غزة هي الأكبر التي تواجه العالم ومنظماته الدولية ، بخاصة تحدِّي المشكلة السكانية المتفاقمة . وهذا ما حدا بخمسة عشر ألف عالم في مختلف مجالات العلوم الطبيعية بإرسال رسالةٍ إلى مؤتمر هيئة الأمم المتحدة الذي عقد في برلين عام 2017 وأشاروا فيها إلى القلق الكبير من تزايد عدد سكان العالم الذي وصل إلى حد الانفجار السكاني .لأنَّ هذه المشكلة كأخطر حالة عالمياً وعلى مستوى دول ومنظمات محلية وعربية وإقليمية ودولية لها الكثير من الإمكانات والقدرات. وفي الحقيقة أنَّ هذه هي المشكلة الواقعية والحقيقية التي تفوق قدرات من يحكم غزة مهما مَلَكَ من إمكانيات.وإذا قارنَّا عدد السكان والمساحة الكليّة للقطاع . يظهر لنا بوضوح أن قطاع غزَّة يمكن أن يشكِّل صورة مصغّرة لأخطر المشاكل السكانية في العالم. فالمشكلة في قطاع غزة ليست مشكلة حكم، ولا سلطة أو سيطرة، فهذه كلها مرهونة بظروف سياسية قابلة للتغير والتحوُّل .فالإحصائيات الحديثة تفيد بأنَّ عدد سكان قطاع غزة اليوم يتجاوز المليوني نسمة يعيشون على مساحة كلية تبلغ 360 كيلو متراً مربعاً، ولو طرحنا ما هو مخصص للبناء والسكن والمشاريع الصناعية على قلتها، والطرق والزراعة تبدو لنا جسامة المشكلة وخطورتها في السنوات المقبلة ، بخاصة وأنَّ قطاع غزة ما زال محاصراً منذ العام. 2007حيث يفرض الكيان الصهيوني حصاراً خانقاً وقيوداً على التنقُّل منذ منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. واشتدت القيود في حزيران 2007، في أعقاب سيطرة حركة حماس على ذلك الجزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، حين فرض الكيان الصهيوني حصاراً برياً، وبحرياً وجوياً على قطاع غزة، مشيراً الى مخاوف أمنية. وبالرغم من تخفيف بعض القيود المتعلقة بالحصار في السنوات الأخيرة، لا يزال أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة محتجزين وممنوعين من حرية الحركة والتنقل الوصول إلى ما تبقى من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية والعالم الخارجي. وقوَّض الحصار الظروف المعيشية الصعبة جداً في الجيب الساحلي وجزَّأ الأرض الفلسطينية المحتلة وفتت نسيجها الاقتصادي والاجتماعي. 
        في الحقيقة تفاقمت عزلة قطاع غزة بسبب القيود الصارمة والقاسية التي تفرضها السلطات المصرية على معبر رفح، معبرها الوحيد المخصَّص للمسافرين. من هنا نرى خطورة المشكلة بخاصّة وأنَّ قطاع غزة هو الأكثر كثافةً سكانياً في العالم. وخطورة المشكلة تتضح لنا مع جدب الأرض وفقرها وعدم خصوبتها وميلها لحالة التصحُّر، فلا موارد طبيعية، ولا مياه جوفية، إضافة إلى زيادة نسب التلوث التي تتعدد مصادرها المعروفة وغير المعروفة والتي تؤثِّر على السكان بشكلٍ خطير وغير صحي .
إنَّ الباحث الحصيف يُدرك تمام الإدراك قابلية الزيادة السكانية بطريقة غير منضبطة ومحسوبة لأسباب تتعلق بزيادة حالات الزواج على الرغم من الفقر المدقع والبطالة والظروف الصعبة بين شريحة الشباب بشكلٍ خاص، والاعتقاد الديني أن تحديد النسل حرام شرعاً ،ولذا هناك تزايد كبير جداً للولادات . إضافةً إلى أنً قطاع غزة يُعتبر من أكثر المناطق في العالم استهلاكاً، فالمجتمع الفلسطيني الغزي مجتمع استهلاكي غير منتج صناعياً، وزيادة عدد السكان تعني زيادة الطلب على الاستهلاك بشكلٍ كبير يترافق ذلك مع تدنِّي وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الاستهلاكية لأسباب كثيرة منها ضعف دخل الفرد القومي بل وانعدامه في الكثير من الحالات. إضافةً إلى النتيجة الحتمية لاتساع الفجوة بين الحاجة المتزايدة بشكل كبير بحجم الزيادة السكانية وانخفاض القدرة، وهذا ما قد يعبَّرعنه بالإحباط واليأس والغربة، وحتى الاغتراب المكاني الداخلي ،وانتشار أفكار العنف والإرهاب التي يبثها الكيان الصهيوني ،والتي من الممكن أن يتم استغلالها بشكلٍ سلبي في أوساط الشباب لاستقطابهم في أعمال غير منتجة ، ومن الجدير بالذكر أننا شهدنا زيادة في حالات الانتحار في السنوات الاخيرة نتيجة لعقم الانفراج وفشل العثور على حل حقيقي . كما تحوَّل المجتمع العربي الفلسطيني الغزاوي من مجتمع مدني معتدل إلى مجتمع مغلق متشدِّد، وهو ما قد يقود في المدى القريب إلى انفجار سكاني داخلى خطير يعبِّر عن نفسه في زيادة حالات الانتحار والقتل والسرقة. وزيادة معدَّل الجريمة . كل هذا يتعلَّق أيضاً بتقلص المساحة السكانية، وانعدام المشاريع العملاقة لزيادة المساحة الضرورية للتنمية على حساب البحر فهذا يفوق القدرات والإمكانيات المُتاحة. 
في الواقع هناك مشاكل كبيرة في قطاع غزة منها الافتقار للرؤية التنموية الشاملة، والتركيز فقط على الرؤية العسكرية نتيجة حالة الصراع المتواصل مع الكيان الصهيوني . وهذا من شأنه أن يفاقم من الأعباء السكانية، ويؤهِّل لزيادة درجة الانفجارالداخلي. ناهيك عن أن قطاع غزة المحاصر بسكانه يعتمد فقط على الرواتب والمنح والمعونات المالية التي تقدم من الخارج بشكلٍ عام ، والدول المانحة بشكلٍ خاص ، والتي تهدف فقط إلى تأخير عملية الانفجار السكاني، بل تحوِّل سكانه لحالة من التبعية والإعالة وعدم الانتاج . وكما هو معلوم فإن قطاع غزة يعانى من نقصٍ حاد في مشاريع البنية التحتية الضرورية ، ومن مصادر الطاقة كالكهرباء والمياه، ويحتاج إلى المليارات من الدولارات لردم هذه الفجوة ، وهو أمر غير متاح نهائياً وبعيد التحقق في الوقت الراهن. 
      قطاع غزة ليس معادلة حكم، وليس معادلة مقاومة للكيان الصهيوني فقط. قطاع غزة رؤية ديموغرافية، وتنموية، ومن يريد أن يحكم قطاع غزة عليه أن يملك هذه الرؤية وهي ضرورية جداً. ومن الخطأ التفكير في غزة من منظور أنها حكم لجماعةٍ واحدة، وربط مستقبلها بالمراهنة السياسية على ما يمكن أن يحدث في الإقليم، ويعيد حكم الأخوان المسلمين مثلاً. ولو قارنا الوضع العام في الضفة الغربية وقطاع غزة سنجد الفجوة الكبيرة بين المنطقتين، في كل المجالات والنواحي ، سواء من حيث مشاريع البنية التحتية، أو فرص العمل المتاحة لأكثر من مئة ألف عامل يعملون داخل الكيان، وفرص عمل أفضل نسبياً، وانفتاح وتواصل مع العالم الخارجى بشكلٍ ملموس يخفِّف من حالة الاختناق. عكس الوضع الصعب والمعقَّد داخل قطاع غزة الذي يعيش سكانه داخل صندوق مغلق بإحكام ،مفاتيحه ليست بيد أصحابها ومَن يديرها .