
خطابات النقد السياسي يمكنها أحياناً من كشف أساليب المذاهب التنظيرية في التعامل مع بنية التفكير اللاعقلاني المتخيَّل للأنظمة العربية ،حيث تملك القدرة والإمكانيات على قياس درجتها وشدتها وكيفيتها وطريقة انبنائها ومنهجها وأيديولوجيتها .هنا يأتي الفكر ليسترد المبادرة والنهوض بالجدل العام إلى ما فوق تضاريس التأويلات الأحادية لعلاقات المجتمع المدني بذاته أولاً، وبأشكال السلطة التي تحكمه تالياً.
بخاصة وأنَّ مصطلح الفكر السياسي تجاوزه لغوياً إلى بنيتهِ ومجالات توظيفهِ المتعدِّدة ومجالهُ الفكري وانزياحاتِهِ المتتالية ، فمصطلح الفتنة في الذهنية العربية الإسلامية ارتبط بالقتل والهرج والابتلاء والاختبار والكفر.. ومعانٍ أخرى تصل إلى إحدى عشرة دلالة متتالية وفق تسلسل ممنهج. وقد تطور المصطلح من الاحتجاج والإستنكار والرفض سياسياً في الدورة السياسية الأولى، إلى ارتباطه بالخلافة والفرقة الناجية، فالمعارضة بشكلٍ عام استعملته لتبرير خروجها عن كثير من الأيديولوجيات إلى العقائد بحثاً عن النبوّة والأصل المفقود ، والسلطة بما تملك من قوةٍ عسكريةٍ وأجهزةٍ أمنية استعملته لتبرير قمع المعارضين بطرق لا إنسانية . أي انَّه تحوَّل مصطلحاً ايديولوجياً يعكس قوة وثراء المصطلح من جهة ، والحركة السياسية العامة والذاكرة الجماعية من جهة أخرى.
انَّ الجذور الرئيسية للفكر السياسي التي تولَّد عنها كل ضروب التفكير الفقهي والأدبي والإبداعي والتاريخي والكلامي وأنتجت أحزاباً وفرقاً وجماعاتٍ تحمل في ثناياها أفكاراً ظلامية ، أنتجت عقول متحجّرة .. ثم ارتبط الفكر السياسي العربي ذو الصبغة الإسلامية بالشورى لوأد الفتنة، وبالتالي تلحَّفَ بنظرية الطاعة وتغطى فيها ، فإذا كانت الفتنة صورة مشوَّهةٌ عن الحياة السياسية العربية الإسلامية فإن مبدأ الطاعة هو الصورة الصحيحة عنها. هكذا تحوَّل المصطلح من الوظيفة الدينية ( الثيوقراطية ) إلى الوظيفة السياسية، أي انَّه صار مصطلحاً تبريرياً لبقاء السلطة والقوة واستقرار الخلافة ،والحفاظ عليها بالقوة . مع أنَّ عالم الاجتماع العربي ابن خلدون لاحظ انَّ وظيفة السياسة كانت تثبيت السلطة أو وسيلة للوصول إليها وإنَّ مصطلح السياسة لا يدخل في دائرة النبوَّة على الإطلاق . كما أنَّ الباحث الحصيف يُدرك أنَّ ابن خلدون لفت النظر إلى ضرورة التمييز بين الشرع والسياسة ، وهذا يعني ان مصطلح السياسة يستدرج دلالة الأخلاق ومعانيها، والنصيحة لدوام السياسة الشرعية التي تقابل سياسة الهوى وعدم الاتزان والفوضى وغيرها من الثنائيات التي تحفل بها كتب الأدب السلطاني والعلم المدني.
كل ذلك يدفعنا باتجاه معرفة الطوباويات الحديثة بخاصة بعد سقوط جدار برلين وانتهاء الشيوعية بشكلٍ عملي ، فهو في نظر الكثيرين جاء انتصاراً للرأسمالية . هذان الحدثان فتحا المجال لظهور طوباويات أخرى. في العودة إلى المسار التاريخي للطوباوية . فقد بقيت النظرية، منذ ابتكار توماس مور مصطلح (يوتوبيا) عام 1516، وبروز إرهاصات الحداثة وصولا إلى كارل ماركس، محصورة في أهداف محدَّدة كخلخلة الوعي السائد، وتحفيز الخيال وحثه على الخلق والابداع والابتكار، وفتح حقل الإمكانات على أوسع مدى .أما الطوباوية الواقعية ، أي تلك التي تمت ممارستها على أرض الواقع، فقد حظي تطبيقها بالفشل الكلّي وأحياناً بالفشل الجزئي ، ولعلَّ الشيوعية هي أبرز مثال لسوء نتائجها وما آلت إليه . وكان من أسباب ذلك الإخفاق ما أحدثته الأنظمة التي اعتمدتها أسلوب حكم وتسيير وهي نظم بمجموعها نظم شمولية ، إضافة إلى شيوع قيم التحرُّر والمساواة وحقوق الإنسان في البلدان الأخرى.
لقد ساد الاعتقاد بأن الطوباويات السياسية زالت واندثرت بخاصة بعد سقوط جدار برلين ، وأن التاريخ أعلن عن نهايته، وأن العالم سيعيش حالةً من الاستقرارا لم تعرف البشرية مثله على مر العصور. ولكن خابت توقعات المفكر الأميركي فرانسيس فوكويوما حين أعلن عن نهاية التاريخ ، واشتعلت الصراعات والنزاعات المسلَّحة في كل مكان، وازدادت بؤر التوتر ، وطغت على كوكبنا عولمة لم يستفد منها غير الأغنياء الكبار، أولئك الذين يملكون أسباب القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية ،ويديرون الدول والمنظمات الدولية والرؤساء والملوك والأمراء عن بُعد.
ولم يعد الناس يحلمون بحلول جماعية لأوضاعهم وظروفهم الصعبة والقاهرة ، بل صاروا يفكِّرون في مصائرهم الخاصة، وكأن كل واحد يبحث عن النجاة من الغرق بمفرده، لا يهمه مما يواجهه الآخر لأنَّ الكوارث والنزاعات كانت على أشدّها ، فعادت القوميات إلى الظهور، وتكثفت الدعوات الشعبوية إلى الانكفاء داخل الحدود صيانة للهويات الصغرى والهويات الكبرى والمقوّمات الحضارية. فظهرت الطائفية والمذهبية والإثنية بأبشع صورها . في خضم ذلك، ظهرت طوباويات جديدة، لاسيما في المجتمعات المتطورة، تناهض النزعة الإنسانية المطلقة التي توحِّد البشر، وتجعل الأنا مَثَلِها الأعلى وهو مرض اجتماعي استشرى بطريقةٍ خطيرة .
بعد انتشار طوباوية الردَّة التي تحدث عنها السوسيولوجي والفيلسوف البولندي زيغمونت باومان صاحب نظرية من ( الحداثة الصلبة ) إلى ( الحداثة السائلة ) أحصى المفكر الفرنسي فرنسيس وولف، في كتاب صدر مؤخرا،بعنوان " ثلاث طوباويات معاصرة تدير ظهرها للسياسة، وتحمل في طياتها نوازع قومية وهووية، وتدعو صراحة إلى ضمان الحقوق الفردية داخل حيز ضيق يلتقي فيه أتباعها حول بعض المفاهيم والغايات. الأولى تتجاوز الأنسنة وتعرف بـ( ما بعد الأنسنة)، والثانية تعود إلى ما قبل الأنسنة، وهي (النزعة الحيوانية)، وأما الثالثة فهي فوق الأنسنة ونعني بها (الكوسموبوليتية) أي الأيديولوجية التي تقول إن جميع البشر ينتمون إلى مجتمع واحد، على أساس الأخلاق المشتركة. يسمى الشخص الذي يلتزم بفكرة الكوسموبوليتية في أي شكل من أشكالها، كوسموبوليتاني أو مواطن عالمي. تقترح الكوسموبوليتية في الأصل، إنشاء بوليس كوزمو أو «حكومة عالمية» للبشرية جمعاء. يشبه المصطلح العولمة والعالمية.
أخيراً إن (الفلسفة السياسية) ـ حسب المفكر الفرنسي فرنسيس وولف ـ هي التقاطع الفريد، الذي أجراه أرسطو، بين ناتجين للتاريخ الاغريقي. مذاك، بات كل الفكر السياسي (من ماكيافلي الى ماركس، ومن مونتسكيو الى أريندت)، يتغذى من فكر أرسطو.
10/08/2020 07:23 am
.png)






