( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
حول المعارك الوهمية يقول الكاتب والمفكر العربي الجزائري مالك بن نبي (1905-1973م) القصة الرمزية التالية: (إن رجلا جزائريا طلب أن يتكلم وظل يصيح أريد أن أتكلم، وكلما اعتلى شخص آخر المنبر ظل يصيح صاحبنا: أريد أن أتكلم، وأخيرا سمحوا له أن يعتلي المنبر فصعد وفي يده مكنسة وهتف قائلا: أريد أن "أكنس" الاستعمار من الجزائر كما أكنس التراب بهذه المكنسة، ثم هبط من المنبر ووجهه مطمئن باسم كله رضا، لقد قام بدوره في مقاومة الاستعمار بهذا المشهد، وحول الشحنة الإيمانية إلى شحنة كلامية ضاعت في الهواء، ولم يبقَ شيء نقدمه للأوطان في المعارك الحقيقية.)

أحببت افتتاح مقالي هذا بهذه القصة لأقول أن الكثير منّا يفترضون أن للكلام دون العمل فائدته (وكفى الله المؤمنين شر القتال)؟!، أو أن الشعارت تُغني عن تحويلها لبرنامج عمل! وهم بهذه الشعارات يخوضون معاركهم الوهمية بالألفاظ الكبيرة والشعارات البرّاقة، دون أن يحملوا بيدهم اليمنى سلاحًا يقيهم الانزلاق أو يساعدهم على التقدم والنصر.

كان الراحل الكبير والمفكر العربي الفلسطيني هاني الحسن (1939-2012م) لا يفتأ يردّد مصطلح "الأسرلة"، وهو ما يوازيه بشكل أوبآخر اليوم مصطلح الصهاينة العرب، كما حال الصهاينة الانجيليين من أتباع الفكر التوراتي الخرافي ل"ترامب" وطائفته المهووسة بالخرافات التاريخية، وفي مقابل طرح أبوطارق للفكرة كان يقدم الحل المطلوب بوسطية الأمة واجتماعها ضمن القطار الواحد.

فكرة الأسرلة أو التصهين نخرت عظام الأمة عبر محطات تاريخية متعددة، ومن خلال عمل استعماري شاق ودؤوب لتدمير العقل العربي والاسلامي، انطلقت من حالة التركيز على الشباب لإفقاد الأمة والجمهور الثقة والإرادة الجامعة والتوازن، ثم تكريس الاحساس بالفشل وبالهزيمة، والذي يفترض أن تكون نتيجته الانسحاق الذاتي والجماعي تحت وطأة القوة المادية الظاهرة، والثقافة والرواية الإسرائيلية والتي أصبحت على ما يبدو حقيقة واقعة، ويتم التنظير لها من سنوات سواء في فلسطين، أو لدى عديد من الدوائر العربية.

كيف نرى مؤشرات هذه الهزيمة الذاتية؟

1-يتم تقزيم الخطر الوجودي الصهيوني إلى حدّ يجعله ثانويًا أمام الخطر الاقليمي الإيراني والخطر التركي، وأمام حجم الخلافات الداخلية البينية لدى أمة العرب.

2-يتم التنظير للكيان الاسرائيلي بأنه مع السلام!؟ رغم جرائمه التي لا تتوقف!؟ في بناء فكري مأسور للرواية (والمصالح) الأمريكية-الصهيونية والاستعمارية الغربية، أوبفهم سطحي (فيسبوكي)، أو بفهم غبي للمعطيات، أو بشكل عقَدي متصهين يقول أن فلسطين لهؤلاء المحتلين!؟ بشكل يدلّل على فساد العقول وانهيار القيم والمباديء.

3-كما تم ويتم يومياً التعرض للثورة الفلسطينية من زاوية تقزيم دور الكفاح المسلح ضمن حرب الشعب طويلة الأمد، واعتباره كان خطيئة في حياة الشعب الفلسطيني!؟ وإسدال الستار عليه وعلى أهم مراحل الثورة الفلسطينية الحديثة مع انطلاقة حركة فتح.

4-بعثرة الانتماء العربي الحضاري الاسلامي-المسيحي الجامع في منطقتنا بتقوية الانتماءات القبلية والطائفية والعرقية وتلك المرتبطة بالحُكّام أنفسهم باعتبار دوام وجودهم هو الانتصار!

5-أضحى الارتباط بالنَفَس الاستهلاكي الاستتباعي للغرب (ما هو: تكديس منتجات الحضارة الذي لا ينشيء حضارة، حسب مالك بن نبي) هو الهدف الأكبر لدى المواطن العربي، ففقد المباديء العامة الجامعة كما تمحور النظر للاسلام لديه إما من فوهة بندقية الارهابيين ضد الوطن، أو من منبر دعاة الفتنة، أو دُعاة الانصياح تحت أقدام السلاطين دون سؤال أو دون"كلمة حق عند سلطان جائر".

6-يتم التعهير باللغة العربية، وهي مفتاح الثقافة والتفكير والانتاج العلمي، وهي الإطار الأساس الجامع لثقافة وفكر وحضارة ووحدة تاريخ ومستقبل الأمة، ما تراه يوميا بالفضائيات والصحف، ولافتات المحلات حتى في فلسطين، كما في برامج الحوارات التي يستوجب فيها الحديث المتقعّر المتضمن بالضرورة لوي اللسان المعوجّ أصلا بمصطلحات انجليزية أوفرنسية لتبيان مدى التقدم والحضارية الفارغة.

7-تمّ وعلى مدى زمن طويل تكسير كل أجنحة التلاقي بين الأمة، وهي تلك التي تحترم ثقافة وفكر ورموز الأمة، وقادة الأمة الكبار-حتى مع نقدهم المقبول- فيأتيك من يتجرأ لاسقاط كل المكاسب والانتصارات التي حققها، كما حصل من أحد كبار الكُتّاب في هجومه على صلاح الدين محرر القدس.

8-يتم وبشكل يومي إضعاف كل عوامل تماسك الأمة تحت غطاء (الوطنية) بمفهوم ليس هو المفهوم الحقيقي لها، بتحويلها الى الاقليمية التجزيئية البغيضة ضمن التفكيك (ضمن الفوضى الخلاقة؟! التي دعت لها أمريكا بالمنطقة) لما كان بلدًا واحدا، فترى وسائل "التباغض الاجتماعي" تكبّر من حجم المنبوذين الذين يدعون للفرقة والهجوم عليهم وهكذا بالعكس، ولا يتم الالتفات للأصوات العقلانية والمثقفة التي تمثل حقيقة الأمة.

9-بات الانتماء لفكر وثقافة وقيم وحضارة الأمة المتميزة مجلبَة للعار! ومدعاة للسخرية والتهكم! ما يستدعي التبروء منه! عند المنبهرين بالغرب أوبالإسرائيلي! أو المندحرين تحت مظلّة فهم الإنسانية الجامعة وكأنها (خلاّط) لكل المباديء والمفاهيم والقيم دون تمايز محمود ومطلوب! وكأن عروبتهم أو حضارتهم الوسطية الجامعة مرض الجَرَب الذي أصابهم ويريدون التخلص منه، تمامًا كما كان الانبهار بالغرب في بداية القرن العشرين من ربط التخلف بالاسلام العظيم أو باللغة العربية، فحاربوهما. ونجد تفسيرا فذّاً مثل ذلك للتحلل من الانتماء الجامع، والانبهار للغرب فيما أسماه الفيلسوف الكبير مالك بن نبي القابلية للاستعمار.

 

10-الأسرلة أو التصهين هو عملية فقدان الإرادة وتعظيم السقوط، بالانسحاق الذاتي والجماعي تحت أقدام النظرية والرواية الصهيونية الاستعمارية التي تفترض أن الإسرائيلي (المتفوّق) أصبح جزءا (عزيزًا!) من المنطقة!؟ ويجب التحالف معه! وهو بالحقيقة الناصعة ما زُرِع في فلسطين من قبل الاستعمار الغربي وعلى رأسه الانجليزي إلا لاحتلال كامل الأمة بالجغرافيا أوعبرالتاريخ والرواية الخرافية التوراتية، أو بالاقتصاد أو بالهيمنة العسكرية والتقانية أو كلها، وهو ما سعت له الولايات المتحدة-وريثة الاستعمار القديم- بقوة مؤخرا مع انساحبها التدريحي من المنطقة مشيرة للتعامل مع وكيلها فقط، فهو بوابة الرضا والقبول.

 

ما العمل؟

إن الحضارة حسب العالم والمفكر العربي الجزائري الكبير مالك بن نبي هي شكل راقٍ من الحياة الأخلاقية والمادية، وهي لا تقوم إلا على ثقافة المجتمع، التي هي "مجموعة من الصفات والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته، كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه"، ومن ثم فإنه يرى حتمية توجيه هذه الثقافة بشكل فعّال لتأسيس البنية الفكرية قبل البناء إلى شقّين: توجيه سلبي يتعلق بفصل رواسب الماضي المنبوذ، وتوجيه إيجابي يصلنا بمقتضيات المستقبل المرغوب، كنفي القرآن للجاهلية، ووضعه لأسس الإسلام.

إن عوامل السقوط في فخ "الأسرلة" والتصهين،والاستغراب، والاندحار في الأمة واضحة، والى ماذكرناه من عوامل، قد نجد الكثير ما أسهمنا نحن فيه، فلسنا مبرئين من العجز الذي أصاب الأنظمة كما أصاب القادة، ثم الجماهير.

ولسنا بوارد اتهام الآخرين دون أن نقرّ ونعترف بكثير من التحولات التي أصابتنا، فحوّلت الكثير فينا من النقيض الى النقيض، نتيجة حتمية باعتقادي لتعميم الجهالة والتراخي والسقوط وكأنها مكاسب!

لقد واجهنا العواصف والأنواء بالأسوار الرخوة والصراخ العقيم، أو بالصراخ في الأودية وليس في دار الحكم المستبدّ، وذلك لافتقاد الحرية والديمقراطية والنظرة الشمولية المتسامحة والمرحابة للاسلام وحضارة الأمة.

خضنا المعارك الوهمية بشعارات كبيرة، وبعمل قليل تجاه المعارك الحقيقية نتيجة لافتقاد منطق الحوار العاقل المفتوح، خضناها ونحن نفتقد الحرية ومكبّلين بعقلية الاستبداد والسلطوية والأبوية.

 ونتيجة للاغراق في العقليات القَبَلية المانعة للتواصل والتوحّد والمرتبطة بتقديس النظري على حساب العلم والصناعة والاقتصاد والابداع والاختراع والتحصل على كل مقومات القوة، ونتيجة لإهمالنا التربية والتثقيف والبناء الفكري الصلب الذي عبرت عنه في أحد محاضراتي بالقول أنه: لا فائدة من الأسوار الرّخوة والصراخ في ظل هدير العواصف، يجب العمل على إقامة بناء فكري صلب باسمنت مسلح. والحجة بالحجة العقلية والمادية