( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
سعت الحكومات العربية عبر مسيرتها الطويلة أن توقد النيران والعواصف والزوابع في كل بقعةٍ من ديارها ، يساعد في استمرارية تلك الدوامة حالة الغوغائية والدهمائية المفتعلة باسم الدين أو المذهب أو الكرامة الوطنية أو غيرها من الشعارات التي تزيد الاحتقان أو تُنَفِّس ذلك الاحتقان في جزءٍ آخر من أراضيها . كلُّ ذلك مع استمرار تلك المحاولات المتنوعة خارجيةً كانت أم داخلية ، هدفها إشغال الإنسان العربي، وعلى وجه الخصوص الشباب والشابات بالظرفي والعابر والمؤقت حتى لا يكون لديه الوقت أو القدرة على التركيز على الثابت والجوهري ، كالحرية والديمقراطية وحرِّية الرأي والتعبير إلخ . 
من بين تلك الثوابت التي يجب أن لا تغيب نهائياً عن المسرح العام ، ولا ليومٍ واحد ،أو حتى ساعةٍ واحدة . فكراً ونقاشاً ونضالاً ، موضوع انتقال المجتمع العربي أو المجتمعات العربية إلى نظام سياسي اقتصادي ديمقراطي عادل ، ولأنّهَ لم يتم تدريس مفاهيم الديمقراطية والحرية في المدارس والمعاهد والجامعات ، ولأنَّه لا يوجد تعريف واحد لكلمة الديمقراطية ، ولا يوجد أيضاً منهج واحد لتطبيقها بشكلٍ عملي ، ولا فهم واحد لنوع ارتباطها بكثير من المفردات والكلمات السياسية الرائجة ، مثل (الحرية) و(الفردانية) و(الشورى) و(الرأسمالية) و(العلمانية) و(الليبرالية) إلخ ، فإنَّه من الضروري جداً أن يوجد حوار عام ونقاشات هامة وإيجابية في مجتمعاتنا العربية يأخذ بعين الاعتبار ، قبولاً أو رفضاً أو تعديلاً أو نقداً ، تراثهم التاريخي والثقافي والاجتماعي والسياسي ، وواقعهم الوطني والقومي الحالي ، بخاصة تجاربهم المريرة والقاسية منذ استقلالهم الوطني الذي لم يُنجَز بعد . وحتى يُدرك شباب الأمة بخاصةٍ من القابضين على الجمر وحاملي مسؤولية الالتزام الوطني والقومي ، مقدار تشعُّب وتعقُّد الموضوع ، دعنا نحاول العودة إلى التعريفات ومراجعتها التي أعطيت لكلمة الديمقراطية عبر التاريخ ، التي بدت كتركيبة كلامية ومقولة فلسفية ، بمعنى حكم الشعب ، من قِبَل بعض فلاسفة اليونان ، ولكن رفضها في الحال أفلاطون إذ اعتبر أنَّ ذلك التعريف سيعني حكم الفقراء والمتعالمين والمتثاقفين ،والمتفيقهين والجَهَلة للمتعلمين وقادة المعرفة . وتبعه الفيلسوف أرسطو بأنَّها يجب أن تعني الحكم الرشيد أو الحكم الصالح ، حيث تحكم أقلية ولكن برضى الأكثرية . وهكذا، ومن البداية ، أدخلت أرستقراطية حكم الأقلية في نظام حكم سياسي واقتصادي وثقافي قُصِدَ به أن يكون حكم الأكثرية لشؤون حياتها العامّة . لأنَّ الطبقة الارستقراطية تتكوَّن بشكلٍ عام من أشخاص يعتبروا هم الطبقة الاجتماعية التي تتربع في قمة النظام الاجتماعي لذلك المجتمع. وفي الملكيات على وجه الخصوص، فالطبقة الأرستقراطية هي طبقة من الناس (الأرستقراط) الذين إما يحملون ألقابًا موروثة منحتها لهم الملكية أو أنهم على صلة بهؤلاء الناس . ومنذ ذلك الوقت أصبحت الديمقراطية التي تعني حكم الشعب هي شكل من أشكال الحكم أو السلطة، يشارك فيها جميع المواطنين المؤهَّلين على قدم المساواة - إما مباشرةً أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين - في اقتراح، وتطوير، واستحداث القوانين وباتت تعني كلَّ شيء لجميع الناس،وذلك حسب تعريفها ككلمة بمختلف اللغات البشرية. ولذلك فليس بمستغرب أن تلحق بالديمقراطية عبر القرن العشرين صفات تقود إلى طرح شعارات (ديمقراطية الرئاسة) أو (الديمقراطية الموجهة) أو (الديمقراطية الأساسية) أو (الديمقراطية الانتقائية) أو (الديمقراطية العضوية )أو (الديمقراطية الجديدة) أو (الديمقراطية الشعبية) إلخ . ولا يتسع المجال لذكر أسماء وظروف وتعريفات البلدان التي طرحت تلك الشعارات في كل أنحاء العالم، ومنها بعض بلادنا العربية، سواء أكانت بنوايا صادقة أو بنوايا انتهازية غوغائية. 
ومن أجل أن تزداد الصورة قتامةً وتعقيداً ،طرح العديد من الكتَّاب والقادة السياسيين تعريفات وتوصيفات للديمقراطية لا عَدَّ لها ولا حصر ، مثل: (حكم الأغلبية ) ، و(سلطة الإدارة العامة )، و (رضى الأغلبية ) ، و ( الحكم الدستوري) . 
وأثار البعض المخاوف بشأن طغيان وديكتاتورية الأغلبية أو الدهماء أو الغوغاء. واشترط البعض حق التصويت لمن أنهوا التعليم الثانوي كحدٍ أدنى. وأصرَّ البعض الآخر على أنَّه لا ديموقراطية حقيقية بوجود حكومة كبيرة واسعة الصلاحيات. وخوفاً من جمودها شدَّد البعض على أنَّ الديمقراطية ليست نظرية فلسفية أو عقيدة ، وإنما هي منهاج تنظيمي للقوانين والتشريعات ولمؤسسات المجتمع من أجل السلام الأهلي. ولم ينس البعض موضوع العقد الاجتماعى الشهير فيما بين الناس وسلطة الحكم. بخاصة الذي جاء به الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو حيث ألّف كتاباً هاماً تحت عنوان : ( العقد الاجتماعي ) والعقد الاجتماعي في الفلسفة الأخلاقية والسياسية هو نظرية أو نموذج تبلور في عصر التنوير، ويهتم عادةً بمدى شرعية سلطة الدولة على الأفراد. تنادي نظرية العقد الاجتماعي بالتحديد بأن الأفراد يقبلون بشكل ضمني أو صريح أن يتخلوا عن بعض حرياتهم ويخضعوا لسلطة الحاكم أو (لقرار الأغلبية) مقابل حماية بقية حقوقهم. وفي المدَّة الأخيرة، وبسبب إعراض الكثيرين عن المشاركة في الانتخابات، اقترح البعض أن تكون المشاركة في الانتخابات إجبارية بالقانون، حتى لا تنقلب الديمقراطية إلى حكم بإرادة أقلية مهتمة ، وبقبول من أكثرية غير مهتمة. كما يحوي الفكر العربى المعاصر تراثا تنويرياً غنياً حقيقياً أسهم فى صياغتهِ وتحديثهِ وتطويرهِ كُتَّاب ومفكرون وأدباء وفنانون عاشوا خلال القرن العشرين بيننا أو حنَّت عليهم المنافي حين ضاقت بهم أوطاننا العربية . مأساة تنويريي القرن الماضي الذين عاشوا حالةً خاصة من رومانسية حلم تقدَّم ورقي العرب كمنت في غياب فاعليتهم المجتمعية وما رتبه ذلك من حالات ذهنية ونفسية شديدة السلبية، هؤلاء تحدَّثوا عن الديمقراطية بما جعل أصحاب السيف أن يُسكِتوا أصحاب القلم والفكر ، بدأت بالتعامل الساخر مع الواقع رافض التغيير البنيوي والجوهري ، ومرَّت بالرؤى العدمية ومحاولة إرضاء الذات بحلول فردية يلفظها الضمير الحي ،وانتهت بشعور عميق بالعجز ،وفقدان الرغبة في مواصلة الطريق والاستسلام لمصائر الاستبداد والطغيان والتأخر المحتومة.وفي بلادنا العربية أقحم البعض موضوعي (طاعة ولي الأمر) و(الشورى)،وهذان المفهومان مثيران للجدل ومُختَلَفٌ عليهما أيما اختلاف ،هاذان المصطلحان تم الاختلاف حول فهمها وتفسيرهما عبر تاريخ العرب كله، في قلب الحوارات والمناقشات الساخنة بشأن الديمقراطية لينتهي الأمر بانقساماتٍ حادَّة حول هذا الموضوع الشائك والغامض ، الذي ما عاد يستطيع تحمَّل التأجيل والانتظار في أرضنا العربية التي عانت كثيراً من حكم الاستبداد والقهر والطغيان عبر تاريخها كلّه.
لنتذكر بأننا اقتصرنا على الحديث عن تعريفات وفهم الديمقراطية على مستوى مختلف البلدان والأنظمة السياسية والثقافات المتعدِّدة . وذلك من أجل إبراز الأفهام والتطبيقات غير المتماثلة والتي لها تأثيرات هائلة جداًعلى ممارسة الديمقراطية في الواقع الإنساني الذي نعيش . ولا نحتاج للتأكيد بأنَّنا لا نقصد من إبراز تعقيدات المشهد السياسي والثقافي والاقتصادي القول بأدنى شك أو تردد بعدم أهمية الانتقال إلى النظام الديمقراطي أو الإيحاء بتأجيل ذلك الانتقال. إذ لا يوجد حل لإخراج العرب من تخلفهم التاريخي المقيت ،ما لم يحتوي على الديمقراطية كجزء أساسي من مكوناته وبنيته بل وماهيته.وهذا ينقلنا في الحال إلى ما طرحه البعض من مفكري وكتَّاب العرب حول تشابك وتفاعل الموضوع الديمقراطي مع النسيج الاجتماعي والتركيب السياسي وثوابت الثقافة وسلوكيات الفرد في أرض العرب أمثال : د. عبدالله هدية الذي كتب بحثاً بعنوان : (الليبرالية السياسية والاقتصادية في الوطن العربي) . والدكتور خالد بن عبدالعزيز الشريدة الذي كتب بحثاً بعنوان :(رؤية نقدية لاشكالية الشورى والديمقراطية) والدكتورة موضي عبدالعزيز الحمود التي كتبت أيضاً بحثاً بعنوان :(المرأة في مجتمع ديمقراطي) .هذا ما نسعى لشرحه وتوضيحه في قابل الأيام .