( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
ما زالت أمتنا العربية تنتج أجيالاً متتالية . جيلٌ تلو جيل . فهناك أجيالٌ مضت وتركت أثرها الإيجابي في حياتنا ، ولم يذهب ريحها، وأجيال عاصرت حياتنا واستمرت، رابطةً حبلها بوتد الماضي وصيرورته وسيرورته، فأرادت صعوداً عالياً بأهدافها وأمنياتها فما ارتقت ،ولا تطورت ولا استفادت ممن سبقها ، فآثرت نزولاً لروح عصرها وما يعتصره من آلامٍ ومصائر رمادية باهته ، فانزلقت إلى الأسفل بشكلٍ متسارع ووتدلّت متأرجحةً دون استقرار . وجيلُ اليوم يلهثُ وراء جديد العلوم والمعارف وآخر ما ينتجه عباقرة الزمن. أما الجديد منها فهو متغيّر الوجوه ، متعدّد السمات ، ومبعثر الوجود، سريع الخطى في شتى الاتجاهات ، وواسع الشمل في بعض الأحيان، عميقٌ يغوص في ثنايا العلم والثقافة والمعرفة . ودقيقٌ أحياناً أخرى. جيلُ الماضي جيلٌ حالمٌ ، جيلٌ رومانسي ، بدأ ينحسر ويتراجع، وجيلُ الحاضر جيلٌ براغماتي ، مصلحي واقعي وعقلاني في نفعيته، ومستمر في تقوقعه وتعنكبه ، فهو يعيش وحيداُ في مجتمعاتٍ كمجتمعات العناكب، لا يستطيع العيش في أُسر أو تجمعات أهلية، أو مجتمعات كبيرة ، كلّ منها يعيش بمفرده. فما الذي حصل حتى تغيّرت البوصلة ، ومن هو الذي أحدث هذا الاختلاف وتلك الهوّة بين الجيلين؟ على الرغم من أنّ مفهوم الفضيلة في عالمنا العربي لم يتغير، وتربية النفس على فضائلها ومثالبها ومُثُلها العليا بقيت كما هي. 
فالبيئة الحاضنة تتغير وتتبدّل باستمرار ، والمناخ العام يتحوّل، وما كان مقبولاً في عصر من العصور السالفة ، قد لا يصبح كذلك في عصرٍ آخر، وكذلك ما رفضه الآباء والأجداد يمكن أن يقبله ويتعايش معه الأبناء والأحفاد دون مراجعة أو رفض، ولا بُدّ من أن نعترف هنا بأنّ التميز في جيلٍ معين هو وسامٌ على صدر الجيل الذي سبقه، أو هي كما نقول في كثيرٍ من الأحيان (جيل يبني، وجيل يجني) . تلك هي طبيعة الحياة وفلسفة الوجود والتعبير الأكثر دقة عن العلاقة القوية بين الأب والابن، وبين المعلم والطالب، وفي كثير من الأحيان يتأمل أحدنا ما جرى، فيشعر بأنّ دورة الزمن قد تقلب الموازين من جديد ، وتُبدّل الأحكام والقوانين وتغير المعطيات المطروحة، وفقاً لتطور معيّن تم تحديده أو حدث بذاته. 
  لقد عايشنا منذ زمنٍ بعيد مراحل متعدِّدة في ظل أنظمةٍ مختلفة، وأيقنا تماماً في النهاية، بأنّ هناك قواسم مشتركة بين الأجيال لا تختلف في أصولها وجذورها ، ولكن هناك عوامل تحكم ذلك الاختلاف وذلك التباين عندما يثور أو ينتفض أو تمهّد له، راصدين منها حالة المناخ الفكري والمستوى التكنولوجي المتطور ، ومساحة الحرية المتاحة. ولو أردنا أن نفصّل أكثر في هذا الشأن، فإننا نطرحها في هذه النقاط المتوالية . حيث يُعدُّ المناخ الفكري والثقافي هو الإطار الشامل الذي يتحرك فيه كل جيل ، لأنّه يقدّم الخلفية التاريخية لحركة ذلك الجيل، والتأرجح الواضح ما بين الانفتاح والانغلاق. ففي عصور الظلام والجهل والتخلُّف يفرض المناخ الفكري القاتم ظلاله الكئيبة على جيل معين من الأجيال . بل وربما لعددٍ من الأجيال التالية له، ويدخل في مفهوم المناخ الفكري، دور الأديان وما يتفرّع عنها من طوائف ومذاهب ،ومساحة التسامح بين العقائد الدينية والأيديولوجيات السياسية. فأوروبا في العصور الوسطى شهدت مخاضاً فكرياً مؤلماً ومفصلياً نجمت عنه أفكار ذات طبيعة مادية في أعقاب الثورة الصناعية الكبرى ، فكان من بينها ( الماركسية) و(الداروينية) و(الفرويدية)، وتلا تلك ذلك ( مدرسة فرانكفورت ) وهي في مجملها تلتقي داخل إطار مادي بدأ من القارة الأوروبية وكان له الأثر الكبير في العالم كله، حتى منتصف القرن العشرين، حيث ظهر تأثير عامل آخر أكثر فاعلية وأشد حدةً ، هو تأثره بالثورة التكنولوجية المتطورة .
ومما لا شك فيه أنّ التقدم التكنولوجي والتقني الكاسح ، والتطور المهول في وسائل الاتصال قد تركا تأثيراً ضخماً على الأجيال التي ارتبطت به واعتمدت عليه، فلعبت التكنولوجيا الحديثة المتطورة دوراً رئيسياً في تشكيل شخصية كل جيل، وتشّكلت منها اهتماماته حتى أصبحنا نُطلق أحياناً عبارة (جيل الهايتك) أو (جيل الثورة الاليكترونية) أو (جيل الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي ) ، ولعلّنا نلاحظ الآن، أنّ وسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة في العالم قد سيطرت بشكل عام على خطاب الحوار المتبادل بين الأجيال، بل بين أطراف الجيل الواحد. إنّ العالم الذي يتقدم بسرعة البرق واسعة ويحقق قفزات هائلة ونوعية ، أصبح يشعر بضرورة مواكبة الأجيال الجديدة لفهم موضوعي لما فعله وأنتجه جيلٌ سابق أو أجيال سابقة ، أو سوف تفعله أجيالٌ قادمة نطلق عليه من الآن جيل المستقبل.لذا سنظل نتذكر أنّ قدرة كل جيل من الأجيال على التحرُّك ، وكذلك درجة حيويته ونشاطه أيضاً، ترتبط بذلك الأمر المتصل بالعامل الأهم وهو هامش الحرية المتاح لكل جيل، ومساحته الكلية. لأنّ الإمكانات الكامنة لدى كل جيل من الأجيال لا تظهر إلّا في مناخ الحرية والإحساس الفائق بالقدرة على التحرّك في الاتجاهات التي يراها صائبة من وجهة نظره، دون أي وصاية عليه أو ضغوط مهما كانت تغيّر من مساره أو اتجاهه.
من الواضح أنّ كل جيل له قدرته الخاصة على صنع شخصيته، وحفر مكانته التي اختارها مهما كانت العقبات والتحديات والمشكلات، وسنبقى نكرِّر دائماً، أهمية كل جيلٍ في بناء الأجيال التالية وصوغ شخصيته الخاصة به وتأكيد مكانته التي سعى لتحقيقها. ولا شكّ في أنّ التعليم والثقافة والإعلام، وكذلك المؤسسات الدينية على اختلافاتها ما زالت تلعب كلها دوراً في صنع الثقافة المهيمنة على كل جيل من الأجيال بخلاف سابقيه، وربما بخلاف لاحقيه أيضاً. 
الجدير بالاهتمام أنّ تعاقب الأجيال جيلاً بعد جيل، لا بُدّ أن يجذبنا نحو التأمل في مستقبل الجنس البشري على كوكبنا الأزرق فكوكب الأرض واسعٌ لجميع الأجيال ، ومما لا شكّ فيه أنّ لكل جيل من الأجيال المتعاقبة تحدياته التي قد لا تكون معروفةً لدى الجيل الأوّل أي جيل الأب ، لأن العالم في تطور مستمر ولكل حقبة زمنية لها إيقاعها الإنساني الخاص بها .