( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
كثيرة هي المحاولات التي عملت وتعمل بشكلٍ جاد على تغيير بل سحق وإفناء هويتنا العربية. وتغيير أو سحق أو إفناء هويات أخرى في هذا العالم المترامي الأطراف .
هذا ما دفع العديد من كبار المفكرين والفلاسفة في هذا العالم للحديث بعمق وجدّية عن الهوية .وهذا ما دفع إريك فروم عالم النفس والفيلسوف الإنساني الألماني الأمريكي بكتابة العديد من البحوث والدراسات الجادّة المتخصصة في مجال الهويات ّ تجلى نتاجه في كتابه الهام : ( الخوف من الحرية ) وهو بذلك قد فتح المجال واسعاً للعديد من الفلاسفة والمفكرين أصحاب العقول النيّرة الذين بدأو البحث في هذا المجال . ووقفوا أمام عدّة نماذج من الخوف الذي يؤدي بالضرورة الى الهروب والتشرد، والانكفاء والشرنقة . وعلى الرغم من وفرة المقاربات والاستدلالات حول مدلول ومفهوم وماهية الهوية التي راوحت بين المجال الانثروبولوجي والمجال السوسيولوجي فكان لا بُد من البحث بعمق في هذين المجالين . فظهر كتاب هام جداً بعنوان ( الهويات القاتلة) للكاتب اللبناني المهجري (أمين معلوف).
نُشِر الكتاب للمرّة الأولى باللغة الفرنسية عام 1998، وترجم إلى العربية في 1999،يقع الكتاب في 229 صفحة، ويحتوي مقالات متعددة في مسألة الهوية الفردية والجماعية، والهويات المركبة، ويبحث في سبب تحول هوية دينية أو اجتماعية وثقافية إلى هوية مدمرة للآخر.
كما ظهر كتاب : (رهاب الهوية) ،وكتاب (هوية بأربعين وجهاً ) للكاتب الإيراني داريوش شايغان
 وكتاب (حدود الهوية القومية نقد عام ) عن دار الوحدة، بيروت للمفكر اللبناني نديم البيطار،
 ومؤخراً ظهر كتاب هام بعنوان :( الهوية الفائضة) للمفكر اللبناني وجيه كوثراني مؤلف كتاب (تأريخ التاريخ ) الذي يعتبر من الكتب الفارقة التي تبحث في ماهية التاربخ ، إلّا أنّ هناك لوناً محذوفاً من ألوان قوس قزح ،وكأنه لا يرغب في التماثيل للعيان وأصبح له دورٌ قاتم جداً . إذا تحوّلت الهوية الى وكرٍ ، أو جحرٍ أو زنزانةٍ، هذا اللون هو الهروب من الهوية، والذي فرض إدراج سؤاله الوجودي والإشكالي قسراً في خانة المسكوت عنه ، والمغمض العيون عنه دون مبرّر ، ومن يهربون من سؤال الهوية الهام ،هم فئتان ظاهرتان. الفئة الأولى تسعى إلى الاندماج في هوية أخرى بديلة تضمن الأمان وتحقّق المُراد والهدف .
 والفئة الثانية تعتبر ثقافتها الوطنية سرّية وباطنية وتستخدم التقية لأسباب طائفية وإثنية، خصوصاً حين تعيش في دولةٍ ذات سقفٍ فولاذي مسقي بالنار والماء، وشعارها الصمصام القاطع ، وهي أشبه بخوذة الجندي لدولةٍ شموليةٍ، فمن مظاهر وتجليات الفئة الأولى، الاندماج والتماهي حتى الانسحاق والذوبان من خلال ممارسة الطقوس والشعائر بكثافة غير معهودة تفوق الحد . واستخدام الأسماء للترويج لأشخاصٍ أو عائلات محدّدة . وإقامة المزيد من الحفلات والمهرجانات، وجالس الخطابات . والاحتفال بالمناسبات الوطنية والقومية على كثرتها مع الأقوى أو الغالب اذا شئنا استعارة هذا المصطلح من عالم الاجتماع العربي الأول ابن خلدون الذي كان أوّل من أكّد على تماهي المغلوب ، وفقدانه التدريجي لخصائصه ومكوّنات كينونته وماهيته وجوهره، و ما تحمله الأسماء من مفاتيح مناسبة. بل نموذجية لقراءة ثقافة الاتّقاء ( التقية ) التي تلوذ بها جماعات عزلاء ضيّقة متشرنقة على ذاتها .
اما الثقافة الخاصة جداً شبه السرية لدى العديد من 
  الإثنيات الهاجعة كما كان الحال في دول الاتحاد السوفييتي السابق قبل تفكيكه، فهي مجال حيوي لإصابة الفرد بازدواجية الهوية أو بالشيزوفرينيا، بحيث يكون في ليله الخاص مختلفاً تماماً كل الاختلاف عما يكونه في نهار الجميع أي ظهوراً تاماً أمام الجميع ، وهي جماعة حربائية متلوّنة انتهازية ودوغمائية .أو بمعنى أدق وأوضح ودون مواربة نهارُ الدولةِ غير ليلها ، لكن ما أن تتصدع قشرة الدولة الظاهرة وتطلع لحائها وتبدأ أوراقها بالاصفرار والذبول قبل السقوط، ويصبح المناخ ملائماً تماماً لاندلاع الأشواق والمخبوءات الجوانية المكبوتة، حتى يحدث ما شاهدناه وعرفناه بعمق خلال العقود الأربعة الماضية ، حيث أوشك صراع الهويات الصغرى أو اله يأت الفرعية أن يكون بديلاً غير موضعي لحرب كونية شاملة لا تبقي ولا تذر ، تسير أحداثها ببطء شديد وتتخطى الأسلاك الشائكة، وكل المعيقات 
و كذلك الأشواك الساخنة على نارٍ هادئة ... خطوةً خطوة دون تخبّط أو فقدان بوصلة . مستخدمةً أسلحةً مختلفةً وطرق وأساليب غير تقليدية أو شائعة في الحروب الكلاسيكية التي دارت وتدور رحاها بين أطرافٍ متكافئة. وكانت الميديا بكل أنواعها مرافقةً لتلك الجوقة . لنشر وقائعها وإيقاعها على وسائل التواصل الاجتماعي. وليست أشهر مقاربات الهوية وأكثرها تداولاً عبر الميديا بكافة وسائلها وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي هي الأهم من سواها، فقد تكون الاطروحات الأقل تداولاً بين الجماهير هي الأكثر جديةً وعمقاً، لأنّ صانعها عمل طويلاً في أقبية ودهاليز مراكز الأبحاث التي تقلّب دائماً بأوراقها الصفراء وأرشيفها الأسود ، مما يجعلها عسيرة الهضم على الوعي في مجتمعاتنا التي تعاني الفقر والجهل والتخلف والأمية التي وصلت إلى نحو ٦٠% في بعض البلدان، أمّا الأميّة المعرفية فقد تفوق هذه النسبة بكثير.في هذا المقام اتذكّر ما كتبه المفكر وعالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار ، الذي عمل أستاذاً وباحثاً جاداً في علم الاجتماع في جامعة لندن حيث قال يوماً :( أن تكون بهوية أو لا تكون) ، هذه المقالة الهامة نشرتها مجلة مشرق _ مغرب بين صفحاتها عام ١٩٩٩ الذي يعترف من خلالها الكاتب العراقي فالح عبد الجبار بأن مفهوم الهوية مُربك جداّ ويثير حيرةً لا آخر لها، تماماً كما كانت حيرة الشاعر الإنكليزي وليام شكسبير المولود ستراتفورد أبون آفون،في المملكة المتحدة حين تساءل عن المضمون المادي لمفاهيم اجتماعية مثل الشرف والكرامة والكبرياء ، ذلك لأن الشاعر والمسرحي الكبير وليام شكسبير يتساءل عن الشرف وأين يقيم . هل يقيم في جسد الإنسان ، أم في عقله كمفهوم، أم في وجدانه . وكذلك الهوية ، لهذا تبدو أقرب إلى ما نُطلق عليه السهل الممتنع، أو السّراب الذي لا يوصلنا إلى الماء لإطفاء الظمأ ، لكنّه يُضاعفه ويزيد من عطشنا وما يصيبنا من جفاف ، 
ولكي لا نقع في أية حفرة أو نفقد الحلقة التي تربط مفهوم الهوية . يمكننا القيام بتلخيص هذه المقاربة المعمّقة للكاتب، وهذا يجعلنا نتوقف عند نقطتين إثنتين ، الأولى اعتباره هذه المفاهيم المجرّدة صنعها البشر، وهو يستشهد بما قاله الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي ابتكر مصطلح (أركيولوجية المعرفة) .عن الانقلاب في الأدوار من خلال مثال اللغة، فاللغة التي اخترعها الإنسان خادمة للتواصل والتفاهم تحوّلت إلى سلطان قوي .
والنقطة الثانية هي استحضاره لرواية 
الكاتب الروماني كوستانتين جيورجيو بعنوان : ( الساعة الخامسة والعشرون) ، ولحسن الحظ فإن هذه الرواية تمت ترجمتها الى العربية قبل عدّة عقودٍ، ورمز الساعة الخامسة والعشرون هي السّاعة الأخيرة الإضافية في حياة الغوّاصين الذين كانوا يُحضِرون أرنباً معهم ليكون بمثابة بارومتر لقياس منسوب ما تبقى من الاوكسجين تحت الماء، وحين يموت الأرنب يدرك الغواصون أنّ ما تبقى لهم من نصيب في الحياة ما هو إلا ساعةً واحدةً فقط ، إن لم يطفوا على سطح الماء غرقوا وماتوا إلى الأبد. وينتهي إلى القول إنّ هذه الرواية هي أهم كتاب أدبي يحكي القصة التراجيكوميدية لمشكلة الهوية في القرن العشرين، فالساعة الخامسة والعشرون هي ذروة العصر الصناعي والتطور التقني والتكنولوجي ، وللوهلة الأولى قد يبدو هذا الربط تعسفياً بين إفرازين أحدهما تاريخي له بُعدٌ (ميتافيزيائي) - أي ما وراء الطبيعة - ، والآخر فيزيائي تماماً محسوسٌ وملموسٌ ، لكن ما وراء هذا التمثيل أعمق من ذلك بكثير ، لأنّ الكاتب ينتهي بعد قشر عدة ظواهر بحثاً عن اللب واللباب إلى ما يلي :
للشعب العراقي بشكلٍ عام تجاربَ طويلة ومريرة عبر التاريخ البشري والسياسي ، بخاصة في مجال تحديد الهوية، حيث أنّ الوقائع تؤكّد أنّ كل مواطن شيعي مهجّر ، أو مواطن كردي منفي ، أو يهودي عراقي ، آو آشوري مُبدع، أو ليبرالي ، أو يساري، أو وجودي، ترك بلده العراق ، إنما هو نسخة جديدة من بطل رواية الساعة الخامسة والعشرون للروائي كوستانتين جيورجيو . ونكاد نجزم هنا بأنّنا جميعاً نُعاني من أزمة انتماء أو انتساب للوطن لأنّ معايير الانتماء للوطن تحوّلت إلى قيودٍ تكبّلُ العقلَ .فهل يبتعد ما يقوله الكاتب مفلح عبد الجبار كثيراً عن مفهوم الهوية القاتلة؟ أو تلك التي تقترن بكل أشكال العُصاب مثل: العصابٌ الهستيري والعصابٌ القهري 
وعُصاب القلق والعُصابٌ الرُهابي .، أو يبقى في الشرنقة الأيديولوجية التي توقف السجين داخلها وتمنعه عن النمو .
في نهاية المطاف ثَمة قاسمً مشترك بين كل تلك الأطروحات على تنوعها واستطالاتها من حيث الاختناق بالهوية والارتهان لاصطناعها البشري، لكنّ الفارق الجذري الكبير بين مقاربة يحتكرها التوصيف الأفقي للهوية ،واخرى تنبش الجذور من الأعماق هو أن؟ الأولى تكون موسمية احتفالية ، وذات صلاحية تاريخية ومعرفية محدودة ضمن إطار مكاني وزماني، بخلاف الثانية التي تعبر المجتمعات والثقافات بتحريض من هاجس إنساني خالص يساعد البشر على الانعتاق من زنازين وأقبية الأيديولوجيا وشرانقها. وبالعودة إلى مفهوم الهروب من الهوية والتخلّص منها، نجد أنّ الأمثلة تزداد وتتضاعف أمامنا بسبب عودة هذه المجتمعات ، وبالتحديد في منطقتنا العربية إلى ما قبل الدولة، فما أن يقشر الطلاء الرخامي والحداثوي عن الحزب المتورّم حتى يظهر تحته على الفور نسيج القبيلة والعشيرة والعائلة ، لأنّ النمو لم يكن عضوياً منيجماً ومتساوقاً مع الواقع ، بقدر ما كان أشبه بإرضاع دميةٍ من قش تمتص آخر قطرةٍ من الحليب ، وهنا تتوضّح لنا كيف تمكّن الاستعمار من صياغة نُظُماً ملكية وأخرى جمهورية، وأخرى إماراتية تبعا لنظامِهِ هو، وكأنّه يقدّم مصغّرات أشبه بلعبة الليغو لبرلمانات داجنة في اسطبل الامبراطور كاليغولا كما قدّمه الفيلم الشهير عنه
وهو فيلم سيرة ذاتية للمخرج تينتو براس في العام 1979. يدور الفيلم حول شخصية الطاغية الروماني كاليغولا.
ولعلّ مقاربة المفكّر اللبناني وجيه كوثراني التي صدرت في الآونة الاخيرة بعنوان فائض الهوية ونقصان المواطنة مدخل ملائم لفتح عدة ملفات تكسوها رمال الصحراء ، وغبار الزمن الماضي منها إنّ تضخم الهوية بهذا الشكل لا يعبّر بالضرورة عن المواطنة الحقة المعافاة، بل على العكس من ذلك ، يتستّر على الخلل البنيوي في عمق نسيجها، يؤكّد ذلك ما كتبه الروائي الفرنسي من أصول تشيكية ميلان كونديرا في أحد مقالاته عن تورُّم النشيد الوطني وتضخمه وحشوه بالمزاعم الدونكيشوتية كلّما كانت الدولة أصغر وأقل فاعلية ولا دور كبير لها.