( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
من الواضح تماماً أنَّ العالم يمرّ الآن في لحظة أزمةٍ تاريخيةٍ حادّة ، ويقف أمام أسئلة كبيرة تربك كبار الفلاسفة والمنظرين ورجال السياسة. فعلى مدار القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين عملت القوى المؤثرة على ترسيخ نظام اقتصادي-سياسي عالمي كوني، يستند إلى فكرة الانسجام الممكن والمفترض بين الرأسمالية والليبرالية والديمقراطية. وقد تصّور المنظرون والساسة وكبار المثقفين أنّ هذا الشكل هو الأفضل بشكلٍ عام لتحقيق مصلحة أكبر عدد ممكن من البشر على الكرة الأرضية. وكان من مرافقات تطبيق هذه الرؤية وهذا الفهم ، فرز طبقة واضحة المعالم من الحرفيين المتخصصين والأكاديميين والعمال المهرة والمبدعين إلخ.. ، والتي شكَّلت المحور والأساس للتكوينات الاجتماعية والسياسية في العالم المتقدم، بل والنامي إلى حدٍ كبير . لكنِّ الذي حدث في الأربعين سنة الأخيرة، هو أنّ هذا النظام المثالي نفسه، ولّد آفته الخاصة التي شرَّعت في تقويضه وانهياره . ففي المقام الأول، قادت الآليات العالمية لهذه الخلطة إلى اعتناق عقيدة حرية السوق. وأفضت حركة السوق المفتوحة إلى خلق الأرضيات التقنية والمسوغات الاقتصادية التي فرضت العولمة، باعتبارها ضرورة حتمية لتفريغ احتقانات الأسواق المحلية وخدمة الغايات السياسية للقوى الضخمة على حدٍ سواء.
من هنا لابدَّ للديمقراطية لكي تنجح بشكلٍ جيد في ترميم البنيان السياسي للدول ، لا بُدّ أن يتم تأهيل الشعوب والناس والمجموعات قبل طرحها عملياً عليهم ، فهم بحاجة إلى قبول الاختلاف وقبول الأنا والآخر، والتداخل والتخارج ،والتداول السلمي على السلطة وتاسيس مبدأ حرية الاختيار بمعزل عن التأثيرات الطبقية والاجتماعية والدينية الثيوقراطية والإثنية .
لذا فإنَّ أهم مخرجات العولمة وما أنتجته هي ذات منحى اقتصادي تجاري متشكِّلةً ضمن شركات متعددة الجنسيات ومتعدية الجنسيات ، وبنوك ومصارف تمويل عالمية تمثل رأس الحربة في عولمة الاقتصاد وضم الأسواق الواسعة والهيمنة على الثروات والطاقات . واليوم نتفحص بدقة أكثر الواجهة الثانية لعملية الانتشار والاكتساح العالمية وهي الديمقراطية بكل أبعادها ومعانيها ومفاعيلها . 
أنَّ الديمقراطية تمثل من هذه الزاوية الذراع القوية الأخرى لاقتحام مجال الدول وحيويتها من الداخل عبر التنظيمات السياسية من أحزابٍ وجمعياتٍ وقوى منظورة وغير منظورة تحاول العولمة من خلالها ابراز نفسها داعمةً حقوق الإنسان والحريات في العالم ، بغضّ النظر عن العنصر والعرق والجهة والدين .
في حقيقة الأمر يبدو هذا كلام غير منطقي وغير عملي على الإطلاق عندما يتبين لنا فيما بعد نتيجة الدمار الهائل الذي تخلفه الحروب التي تشنها الدول الإمبريالية على بلداننا العربية بغرض فرض الديمقراطية . وهي مبرراتٌ واهية يتم اتخاذها لتبرير نهب وسرقة خيرات بلداننا العربية وتلك الدعوات للديمقراطية تؤول بالنهاية إلى زعزعة استقرار الشعوب كما حدث في العديد من الدول العربية مثل العراق وسورية وليبيا واليمن إلخ..الجدير بالذكرأنَّ الديمقراطية يحصل عليها الإنسان بملء إرادته بعد أن يكون مستقلاً من كل أشكال الطغاة والاستبداد الداخلي . ويتم توزيع الثروة بشكلٍ عادل على المواطنين كلٌ حسب طاقته وإمكانياته . 
نعم لا بد للشعوب أن تتطوَّر نحو الأفضل والثبوت لا يدعم التطور والتغيير، ولكن لابد للديمقراطية لكي تنجح في ترميم البنيان السياسي للدول لا بُدَّ أن يقع قبلها تأهيل لهذه الشعوب والناس والمجموعات إلى قبول الاختلاف وقبول الآخر ، والتداخل السلمي على السلطة ، وتأسيس مبدأ حرية الاختيار بمعزلٍ عن التأثيرات الطبقية والاجتماعية والعرقية والثقافية ..بالعكس من ذلك نجد أنَّ في مجتمعاتنا العربية لم تنجح الدعوات للديمقراطية لأنَّها عندما جاءت من الخارج لم تكن صادقة ، بل جاءت على ظهور الدبابات ،وكانت انتهازية وبشعة جداً وعلى ظهور إرهابيين ومرتزقة وقع الدستور بهم في أتون حروب قيل إنها لإسقاط دكتاتور عربي مثلا ما حصل في العراق، فمرةً من أجل الديمقراطية ، ومرةً من أجل أسلحة الدمار الشامل ، بينما كانت الأسباب الحقيقية هي اسقاط الرجل من عرشه بعدما أظهر بعض العصيان وانحرفت عن مسار الدول العظمى وأصبح يخطط للتمدد وفرض نفسه في المنطقة خارج الأطر التي سطرتها القوى العظمى...دخلت الديمقراطية المزعومة على ظهور الدبابات وصواريخ الكروز ، والقاذفات الاستراتيجية b52.وعلى الرغم من أنّنا لا نزعم أن صدام حسين كان ديمقراطيا ،ونعترف أنه كغيره من الزعماء والقادة العرب يحكمون بشكلٍ من أشكال الديكتاتورية ، إلَّا أنَّه كان حامياً لأرض العراق وحدودها من أي معتدي، وله من الروح القومية والوطنية التي يشهد لها الكثير . والشيئ نفسه نراه اليوم في سورية وليبيا واليمن بعد ثورات الربيع العربي المُخطَّط لها مسبقاً والتي دبرتها القوى الإمبريالية العظمى لاستثمار الظرف العربي الصعب والحياة اليومية القاسية على كافة الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية ، وكذلك حاجة المواطنين لمساحة واسعة من الحرية . حرية الرأي والتعبير ، وضمان حقوق الإنسان ،والتمثيل في السلطة بشكلٍ متوازن، وتوزيع الثروة بشكلٍ عادل على الشعب ، والوقوف في وجه من ينهب خيرات البلاد والعباد والقضاء على الفساد المستشري من أعلى القمة إلى أدناها ، وكذلك وجود القوى الرجعية التكفيرية في المحرقة الكبيرة كوقود لتنفيذ مخططات العولمة ومآلاتها.
لقد منحت العولمة عبر سياقها وآلياتها الداخلية والخارجية، ومنها الآليات الإعلامية والإعلانية،وامتلاكها للميديا التي تبث أفكاراً عن الديمقراطية وزخماً كبيراً وواسعاً على مستوى العالم. كان ذلك خلال العشر سنوات الأخيرة من القرن العشرين ، القرن الماضي، والعشر سنوات الأولى من الألفية الثالثة، ولم يكن التنظير حول الليبرالية بوصفها خاتمة التاريخ خارج هذا الإطار وخارج هذا المدلول ، وتعدُّ أطروحة الفيلسوف الأمريكي الجنسية ياباني الأصل يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما مؤلف كتاب (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) الصادر عام 1992 والذي جادل فيه بأنَّ انتشار الديمقراطيات الليبرالية والرأسمالية والسوق الحرَّة في أنحاء العالم قد يشير إلى نقطة النهاية للتطور الاجتماعي والسياسي والثقافي للإنسان . تلك الأطروحة كانت المقدمة النظرية الأكثر شهرةً وترويجاً لوضع الليبرالية كحد نهائي على التاريخ المعاصر، حيث اعتبر فرانسيس فوكوياما، أن الليبرالية هي المآل الحتمي للدولة الحديثة والدولة المعاصرة ، معتمداً على المعطيات الكبرى التي قدَّمها درس سقوط الاتحاد السوفييتي السابق وانهياره في مدة زمنية قصيرة ، بوصفه التعبير الأكثر تمثيلاً للنظم الشمولية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
أطروحة يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما ومنظري الليبرالية الجدد، أو ما أطلق عليهم اسم (المحافظون الجدد) ،الذين يدعون عادة إلى تعزيزالديمقراطية والتدخل في الشؤون الدولية للدول ، بما في ذلك إحلال الأمن والسلام باستخدام القوة العسكرية واستخدام الطائرات والقاذفات الاستراتيجية وحاملات الطائرات والغواصات النووية ،وصواريخ كروز وكل الأجهزة الأليكترونية الممكنة ، والأقمار الصناعية ، وهم معروفون بتبنيهم ازدراء الشيوعية والراديكالية السياسية وأصبح العديد من أتباعه مشهورين سياسيًا في أثناء الإدارات الرئاسية للجمهوريين في سبعينيات القرن العشرين، وثمانينياته، وتسعينياته، والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد أن بلغ المحافظون الجدد ذروتهم في أثناء إدارة الرئيس جورج بوش الابن حين لعبوا دورًا رئيسيًا في التشجيع لغزو العراق واحتلاله ، والتخطيط له في عام 2003. كان من بين المحافظين الجدد البارزين في إدارة جورج دبليو بوش بول وولفويتز ، وإليوت أبرامز ، وريتشارد بيرل ، ، وبول بريمر ، على الرغم من عدم اعتباره من المحافظين الجدد، استمع كبار المسؤولين نائب الرئيس ديك تشيني ، ووزير الدفاع الأمريكي دونالد ترامسفيلد بانتباه شديد إلى مستشارين من المحافظين الجدد في ما يتعلق بالسيسة الخارجية ، وبخاصة الدفاع عن الكيان الصهيوني وتعزيز قوة ونفوذ القوات الأمريكية في الشرق الأوسط . 
لذا فالليبرالية تعطي الديمقراطية أهميةً كبرى في رأس أجندة سياساتها، بل أنَّ بعض تنظيرات هذا التيار ترى أنه من الممكن إحلال السلام والديمقراطية عبر الحروب الطاحنة، أو التدخل العسكري المباشر. ، وقد مثّلت تجربة العراق النموذج الأكثر شهرة ومأساوية وقساوةً لهذا الشعار الكاذب نظرياً وعملياً، فقد أتى الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 تحت شعارات ليبرالية، في مقدمتها إرساء نظام حكم ديمقراطي في العراق ، تمخض من حيث الواقع والنتيجة عن ولادة نظام حكم ثيوقراطي طائفي عرقي مذهبي يمكن إطلاق صفة ( ديمقراطي طائفي)، حوّل العراق إلى دولة فاشلة بحسب كل المعايير غير قادر على جماية المواطنين وإرساء الأمن والأمان والقضاء على الفساد وتوزيع الثروة الهائلة جداً على المواطنين . 
في السجال اليوم حول مفهوم الديمقراطية ومآلاتها واستتباعاتها ، لا يزال التعريف القائل بأنَّ الديمقراطية هي (حكم الشعب) حاضراً كأساس تاريخي ومعياري في بناء المفهوم وسياقات تصريفاته السياسية، ولئن كان مفهوماً، من الناحيتين التاريخية والنظرية،فالديمقراطية التي تم شرحها حرفياً (حكم الشعب) هي شكل من أشكال الحكم يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة - إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين - في اقتراح، وتطوير، واستحداث القوانين والتشريعات . وهي تشمل الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تمكن المواطنين من الممارسة الحرة والمتساوية لتقرير المصير السياسي . و من أهم أسس الديمقراطية الالتزام بالمسؤولية واحترام النظام وترجيح كفة المعرفة على القوة والعنف. ويطلق مصطلح الديمقراطية أحيانا على المعنى الضيق لوصف نظام الحكم في دولة ديمقراطيةٍ، أو بمعنى أوسع لوصف ثقافة مجتمع .والديمقراطيّة بهذا المعنَى الأوسع هي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ويشير إلى ثقافةٍ سياسيّة وأخلاقية معيّنة تتجلى فيها مفاهيم تتعلق بضرورة تداول السلطة سلمياً وبصورة دورية. يعود منشأ ومهد الديمقراطية إلى اليونان القديم حيث كانت الديمقراطية الإثنية أول ديمقراطية نشأت في التاريخ البشري. وأن تستمر إحالة الديمقراطية على المصدر العمومي للشرعية، أي الشعب، إلَّا أن عمومية مفهوم الشعب تجعل تلك الإحالة عليه من قبيل التعمية على التمايزات الموجودة بين فئاته وشرائحه ، خصوصاً من حيث الممكنات المتوفرة تاريخياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً لكل فئة، وبالتالي فإن تعريف الديمقراطية بوصفها (حكم الشعب) أي أنَّ الشعب يحكم نفسه بنفسهِ قياساً للتباينات الموجودة في المجتمع، خصوصاً في المجتمع الرأسمالي والمجتمع الليبرالي ، هو تعريف أيديولوجي محض ، فالديمقراطية من حيث البنى الأساسية والمؤسسات الرئيسية القائمة في المجتمعات الغربية الليبرالية هي شكل من أشكال إدارة المصالح بين الفئات والنخب الأكثر نفوذاً وقوةً وسطوةً ، والتي تستحوذ فعلياً على أكبر قدر من الثروات والطاقات والمؤسسات و البنى الأساسية والأدوات والتأثير في الرأي العام العالمي . لذا نجد أنفسنا بحاجة ماسة إلى المعيارية كتطور منهجي في القياس ومعرفة الأصل وهي مسألة ضرورية جداً بشكل عام في نقد أنظمة الحكم وقوانينه ، وتصبح أكثر أهميةً في حالة الديمقراطية، حيث إن نقداً معيارياً عملياً يرتكز على أسس محدّدة مسبقاً كفيلٌ بأن يتيح لنا الإجابة عن العديد من التساؤلات والعديد من ممكنات التحوّل الديمقراطي في وطننا العربي ، أو مدى استجابة الديمقراطية كنظام قائم ، وعلاقة الديمقراطية عملياً بمفاهيم من مثل المواطنة المتساوية دون تفرقة دينية ثيوقراطية وإثنية ، والتوزيع العادل للثروة على المواطنين ، والعسكرة ، والجندرة، والحوكمة، وتكافؤ الفرص، وغيرها من المفاهيم التي نمت وتطورت أساساً في سياق تطور الليبرالية والديمقراطية والعولمة ومفاعيلها . 
الواضح تماماً أنَّ خريطة العالم الديمقراطي نفسه، تظهر تفارقات وتمايزات كبيرة بين أنظمة الحكم الموجودة في دوله، خصوصاً من حيث درجة فاعلية الديمقراطية ودورها في تنظيم عمليات التنافس بين النخب، أو من حيث انعكاس الديمقراطية إيجاباً على الصالح العام، وبالتالي فإنَّ ما يسمى (العالم الديمقراطي ) هو تسمية بالغة الشمولية والعمومية لعدد من الدول وأنظمة الحكم التي يعمل نظامها السياسي بقاعدتي التعددية السياسية وصناديق الانتخابات وحق الاقتراع، من دون أن يعني بالضرورة أن نتائج تلك الانتخابات أو نتائج التعددية ، وما تفرزه من حكومات لها وزاراتها ومؤسساتها ، هو بالضرورة في مصلحة الشعب، أو يمثل مصالح كل فئاته وشرائحه.
الحقوق الأساسية التي تتبناها الليبرالية، المتمثلة بحق الحياة، وحرية الرأي ، وحق التعبير، وحق التملك، مكفولةٌ في جميع الأنظمة الديمقراطية، لكنها أيضاً خاضعةً لآليات المجتمع الرأسمالي ومنهجه ، ما يجعلها في الكثير من الأحيان مجرد حقوق دستورية منزوعة القيمة الفعلية على أرض الواقع، أي أنَّها خالية من أي تطبيق عملي، حيث إنَّها في الواقع هي حقوق متحققة بقوة الواقع لفئة محددة من المواطنين، أو لشريحة خاصة جداً من المجتمع ، بحكم احتكار الثروة والنفوذ والمال ، من دون أن يكون للفئات الأخرى المجتمع من أي قدرة على تأمين أبسط مقومات تلك الحقوق وتلك الاستحقاقات.
وفي سياق نقد الديمقراطية ومآلاتها ، فإنَّ المنهجية من صيرورتها إلى سيرورتها تضعنا أمام أخذ مسألة التباين والتفارق بالنوع أو الدرجة في القيام بعملية المقارنة بين النماذج المطروحة، إذ لا يمكن تقديم نقد موحَّد لتجربتين ديمقراطيتين، أحدهما ذات طابع إمبراطوري، كما في حال الولايات المتحدة الأمريكية ، وأخرى ذات طابع رأسمالي ضعيف وواهن كما في اليونان وإسبانيا والبرتغال والبرازيل، كما أنَّ نقد الديمقراطية الغربية يجب ألا يفهم منه إلغاء الحاجة الملحَّة إليها كنظام حكم ضروري للخروج من حالة الفوات التاريخي التي تعيشها الدول الاستبدادية ويحكمها طغاة ، حيث تصبح الديمقراطية مدخلاً بل مساراً تقدمياً ليس للحكم والسلطة وحسب، وإنما لإعادة تعريف البنى الاجتماعية بكل تشكيلاتها ، والخروج من الانتماءات والهويات الفرعية، والهويات القاتلة لمصلحة انتماءات أكثر تطوراً وحداثة.