( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 يعد المذهب الأنثروبولوجي السياسي لتفتيت الدول والأنظمة متساوقاً مع فلسفة الهيمنة والسيطرة على العقول والدول، وفق نظرية التأطير والخداع ،من أخطر القواعد الأساسية المهمة في تمرير السياسات الدولية ،والتفكير والتصرفات المرفوضة للقيم الأخلاقية والإنسانية ،والترويج للموامرات الدولية لخلق فوضى وخراب، وتدمير الأفكار والإبداعات والمفاهيم ،وزعزعة الاستقرار وأمن الدول. ولفهم آلية عمل هذه الفلسفة على أرض الواقع. تستخدم الدول القوية ﻓﻲ سياساتها ﺍﻹﻋﻼﻡ ( السلطة الرابعة ) من 
أجل السيطرة، الأسلوب التأطيري ،المأجور، الخارجي الذي يستأجر مرتزقة من دولٍ يريد أن يوجه سهامه المسمومة القاتلة نحوها. ﻭﺍﻵﻥ ﺗﻠﻌﺐ بعض ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﻋﻼﻡ المموَّلة ماليا من جهاتٍ دولية، والتي وجدت لممارسة ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻠﻌﺒﺔ ، في المجتمعاتﺍﻟﻤﻨﻬﻜﺔ ﺑﺎﻟﺠﻬﻞ ﻭﺇﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻟﻮﻋﻲ وفقدان المساحة الواسعة من الحرية والديمقراطية . أو المستهدفة جرَّاء فرض واقع غير مقبول بل مرفوض، وتعاني من وضع اقتصادي صعب ويائس، ﻫﺬﺍ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﻛﺒﻴﺮ جداً ﻣﻦ ﺍﻷﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻠﻚ ﻻ ﺗﺮﻯ ﺇﻻ ﻣﺎ تريد تلك الدول. ﻭﻫﻮ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﻗﻮﻱ جداً ﻓﻲ ﻗﻴﺎﺩﺓ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﻭتغيير ﺍﻟﺮﺃﻱ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻭﺿﻊ ﺧﻴﺎﺭﺍﺕ ﻭﻫﻤﻴﺔ ، وحلول لمشاكل هي من أوجدتها وزرعتها ، وساهمت بها للوصول لتقييد ﺗﻔﻜﻴﺮ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻵﺧﺮ(الضحية) ﻫﻜﺬﺍ هو ﺍﻹﻋﻼﻡ في هذا التوظيف . الذي أصبح يظهر علينا حديثا من هنا وهناك، ويتدخَّل في أدق تفاصيل الحياة اليومية للشعب . والذي ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻣﺎ ﻳﻀﻊ ﺍﻟﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﻳﺪﻋﻢ ﺑﻪ ﺍﻟﻘﻀاﻴا ﺍﻟﺘﻲ تريدها الدول القوية من أجل تحقيق مصالحها وأهدافها.لذا تسعى القيام بإنشاء كياناتٍ سياسيةٍ بدلاً من كياناتٍ سابقة راسخة ،لها برامجها السياسيةِ والاقتصاديةِ والأمنيةِ، ولها مؤسَّساتها ووزاراتها وهيئاتها وإداراتها ،من هنا يمكن انشاء حزب سياسي يثوم بهذه المهمة . لأنَّ الحزب السياسي هو عماد الدولة ، والحزب بشكلٍ عام هو تنظيم اجتماعي دائم، قائم على مبادئ وأهداف مشتركة، بهدف الوصول إلى السلطة، ويضم مجموعة بشرية متجانسة في أفكارها ومفاهيمها ومنهجها ، ويمارس مختلف النشاطات السياسية وفقا لبرنامج عام متوافَق عليه ، لتحقيق أهدافه، وتوسيع قاعدته الشعبية على المستويات المحلية، والوطنية، والدولية.
 معظم هذه الأحزاب تنشأ بطلب من دولٍ حديثة كبرى في الغرب الأوروبي والأمريكي . بهدف توظيفها لقلب الأنظمة . وذلك لأنَّ رؤية دول الغرب الأوروبي والأمريكي تجاه بعض الأنظمة السياسية في العالم ترى بأنّ تلك الأنظمة يجب أن تتغيَّر ،على الرغم من أنها أنظمةٌ سياسيّةمُعترفٌ بها دولياً ولها دورها بين الدولٌ لكنَّ بعضها يُصْنَع صناعةً بفعل فاعلٍ سياسيّ جديد ، مبرمج ، من خلال خطط محدَّدة ومدعومٌ بالمال والإعلامُ( السلطة الرابعة )، ودوره الخطير في غسل العقول وتبديل الأفكار والآراء والمفاهيم، بدلاً من الأحزاب والقوى السّياسيّة، لقد تعرّضت دولٌ صغرى من عالم الجنوب،أي من جنوب الكرة الأرضية حسب التقسيم الغربي ، في سياق عولمةٍ مسلّحةٍ متوحّشة، لعمليّاتٍ من التّفكيك والتقسيم والتّفتيت مختلفةٍ ، أسفرت فيها عن إنجاب أنظمةٍ وكياناتٍ سيّاسيّةٍ فسيفسائيّةِ التّكوين، مناطقيّة وعصبويّة ، تفتقر إلى الحدّ الأدنى من التّمثيل الوطنيّ الجامع للشعب ، وتتعثّر في تمثيلٍ جهوي وفئويّ أهليّ متنافر ومتناقض المكوّنات. ولقد كانت تكفي هذه البنى السّياسيّة لدولٍ مستباحةِ السيادة، وفاقدة للحضور الفاعل الإيجابي في العالم ، وللنّظام فيها على هذا المقتضى المتعدِّد الفسيفسائيّ المتنافر والمختلف لأن تُهيّئ في داخلها الاجتماعيّ والسّياسيّ والثقافي ، الأسبابَ كافّة ، لتوليد أزْماتٍ متعاقبة وصراعاتٍ ونزاعاتٍ متتاليةٍ فيها تعصّى على حلِّها القوى التي لها مصالح فيها ، بل وتصبح وقوداً لإشعال الفتن والصراعات والنزاعات والحروب الأهليّة المدمِّرة فيها على حصص مكوّناتها في الإدارة والسّلطة أو الثّروة أو فيهما معاً .
 لم يكن تفكيك الدول والأنظمة والكيانات القائمة سياسةً جديدة تماماً، فهو بدأ في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق أي في البلدان الاشتراكيّة قبل نحو ثلاثين عاماً، فأذهبَ وحدةَ كياناتٍ كانت بمثابةِ قطبٍ دوليّ مثل الاتّحاد السّوفييتيّ، وتشكوسلوفاكيا ،ويوغوسلافيا، وصربيا، ثم ألبانيا ، لينتقلَ الحبلُ على الجرَّار ، بعد ذلك إلى بلدان جنوب الكرةِ الأرضيةِ متّخذاً أشكالاً أخرى. لعلّ الفارق بين الحالتيْن أنّ التّفكيك في شرق أوروبا ووسطها ، وروسيا، اتّخذ شكل تمزيق وتفتيت الوحدة الكيانيّة ( القطبية ) بعمليّات الانفصال القوميّ للقوميّات الصّغرى عن المركز والكيان،فيما هو اتبع لنفسه مخرجاً آخر هو: تدمير الدّولة القائمة وتفتيتها وإعادة تشديد سلطة مرقَّعة على عدة مقاسات من أمشاجٍ أهليّةٍ عصبويّةٍ ،قبليةٍ وعشائريةٍ، وطائفيّةٍ ومذهبيّةٍ، على مثال ما جرى في خارطة الهندسة السّياسيّة الكولونياليّة الجديدة والمتجدِّدة للنّظام السّياسيّ في دولٍ عدّة مثل أفغانستان والعراق بعد غزوهما في بداية القرن الحالي.
إنَّ عملية تغيير الأنظمة حملت مصطلح ( ثورة ملونة ) على أعمال الحركات الجماهيرية والعصيان المدني ، وأعمال الحركات المطلبية والتي غالباً ما ترافقت بأعمال شغب في بعض الدول وخاصة المناوئة منها للغرب،مثل الدول الشيوعية السابقة في شرق ووسط أوروبا ،ووسط آسيا وإيران ولبنان، في بداية القرن الواحد والعشرين من الألفية الثالثة، حيث ساهمت الجماهير المشاركة في هذه الثورات المقاومة السلمية ،والمظاهرات ،والاحتجاجات ، مع استخدام شال أو وشاح ذو لونٍ محدَّد أو زهرةٍ كرمز . ومنها ( ثورة الورود ) ، أو ( ثورة الزهور ) ،أو (الثورة الوردية ) في جورجيا التي أطاحت بالرئيس السابق إدوارد شيفر دنادزة المدعوم من روسيا ، وأوصلت ميخائيل ساكاشفيلي المدعوم غربياً وزعيم المعارضة الجورجية سابقاً، و( ثورة البرتقال )، أو (الثورة البرتقالية) ،التي اندلعت في أوكرانيا بسبب الصراع على السلطة مما أدى إلى دفع العملية السياسية إلى ما يشبه حالة الاختناق، بسبب التجاذبات بين طرفين، هما: الطرف الأول: رئيس الجمهورية فيكتور يوشيشينكو، وحليفة زعيم كتلة المعارضة البرلمانية (الأقلية) يوليا تيموشينكو. الطرف الثاني: رئيس الوزراء فيكتور يانوكوفيتش وحلفاءه زعماء كتلة الأغلبية البرلمانية.،والتي أصبح يانوكوفيتش رئيسًا لأوكرانيا خلفًا ليوشتشينكو فيما بعد ،وكذلك ( ثورة الزنبق)، أو ( ثورة الاقحوان ) ،أو ( ثورة التوليب )، أو ( الثورة الزهرية ) في قيرغيزيا في 25 آذار 2005 ، التي أدَّت إلى خلع الرئيس عسكر اكاييف وتعيين كرمان بيك بكاييف قائمًا بأعمال رئيس الجمهورية ورئيسًا للحكومة القيرغيزية المؤقتة ومن ثم انتخابه في حزيران 2005 رئيسًا للجمهورية القيرغيزية. اعتبرت أحداث نيسان 2010 أطلق البعض عليها اسم ثورة الوقود في قيرغيزيا التي أدت إلى خلع بكاييف نقطة النهاية لهذه الثورة. و( ثورة الأرز ) في لبنان ثورة الأرز أو إنتفاضة الاستقلال هي مجموعة من التظاهرات الشعبية والمدنية في لبنان وخصوصًا في العاصمة بيروت، أتت كردة فعل على إغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في 14 شباط 2005. تميّزت الحركة الواسعة بتفادي العنف وإعتمادها الكلّي على المقاومة المدنيّة السلميّة.. وقد أطلق بعض المشاركين من الجماهير الثائرة اسم ( الثورة الزرقاء) في العام 2005 على المطالبة بمشاركة المرأة في الحياة السياسية في الكويت ، كما تم إطلاق اسم ( ثورة الزعفران ) على تحريك المعارضة في بورما أو ميانمار عام 2007 م . وأطلق على أعمال الشغب في التيبت الواقعة في وسط قارة آسيا الشرقية عام 2008 اسم ( الثورة القرمزية ) ، بخاصة وأنَّ التيبت التي يُطلَق عليها اسم ( سقف العالم ) التي تشكِّل فاصلاً ما بين بلاد الصين والهند . 
         لقد فشلت المخططات التي رسمتها الهندسة السياسية الكولونيالية الجديدة في سورية من قِبَل الهندسةُ السّياسيّة عينُها التي رُسِمت للكيان السّوري من قِبَل مبعوث الأمين العامّ للأمم المتّحدة لإدارة الأزمة السّوريّة الدبلوماسي النرويجي (غير بيدرسون) الذي استلم مهامه خلفا لستيفان دي مستورا. ولعلّها تُطِلّ برأسها من جديد في كثيرٍ من الكلام الصادر عن الدوائر الغربية عن تسويّة الأزمة اللّيبيّة. أمّا الحالتان الوحيدتان النّاجحتان لعمليّة تفكيك وتفتيت دول الجنوب عن طريق إنجاح مشاريع الانفصال الحتمية فكانتا في إندونيسيا – التي انفصلت عنها تيمور الشّرقيّة – وأصبحت دولة مستقلة باسم ( جمهورية تيمور الشرقية الديمقراطية ) عام 1999 والتي تقع في جنوب شرق آسيا . والسودان الذي تحوّل إلى كيانين. السودان ، وجمهورية جنوب السودان عام 2011 م عاصمتها جوبا . في جميع الأحوال ، وأيّاً كان الأشكال الذي تتّخذه عمليّةُ التفتيت والتّفكيك في بلدان جنوب الكرة الأرضية . فإنَّ تشجيع الانفصال والإنقسام أو هندسة نظامٍ سياسيّ كولونيالي انقساميّ، فإنّه ليس تفصيلاً عادياً . أنّ هذا التّفكيك والتفتيت لم يمسّ من بلدان جنوب العالم إلاّ تلك التي تقع في الدّائرتين العربيّة والإسلاميّة حصراً من غير سواها أبداً.
       لقد أطلق العديد من الباحثين على عملية التفكيك والتفتيت وهندستها بما تم تسميته بالعملية الأنثروبولوجية السياسية والتي تعتبر أنَّ هذه الفكرة بمدلولاتها تتمركز على مدلول ومفهوم النظام وليست تستند على مفهوم الشعب ومدلوله بشكلٍ عام .وهذا ما كانت عليه تجربة بناء وتكوين الدولة وقوة السلطة وهيمنتها ، والتي تكون في مجملها مبنية على مفهوم الجماعة الصغرى الفرعية . مثل العشيرة والقبيلة ، والقوم ، والأقوام ، والطائفة والمذهب .... إلخ وهي في الحقيقة وحدات اجتماعية صغرى تعيش داخل الجماعة الكبرى أي (الشعب ) من هنا كانت عملية التفكيك الأنثروبولوجية السياسية من خلال تفكيك الشعب الذي يعني الجماعة الوطنية ـ إلى جماعات عصبية محلية ، أي جماعات أهلية لإعادة إنتاج سلطة جديدة غريبة وغير معتادة ليس لها من الشخصية الجماعية الوطنية أي : ( الشخصية الوطنية الجامعة ) . لقد مُورِسَت تلك العمليات التفكيكية التقسيمية باسم حقوق الإنسان لكنها كانت في الحقيقة تأتي تحت اسم ( حقوق ) الجماعات العصبوية التي تقوم بعملية التمثيل السياسي ، من خلال الضمانات المحفوظة في الدستور ، أُسوةً بغيرها من الجماعات العصبويّة الأخرى المتشدِّدة ؛ كما لو أنّ الأمر في هذه الجماعات الأهليّة يتعلّق بشعوبٍ واسعة الطيف لا بعصبيّات محليّة ضيقة داخل الشّعب الواحد، المثال الواضح جداً على ذلك، في دائرتنا الإسلاميّة، هو مثال ما جرى في (أفغانستان) الذي أُقيم نظامُها السّياسيّ على تلك الأسس ، بعد الاحتلال الأمريكيّ، على مقتضى تلك الحصص بين العصبيّات وفق مبدأ المحاصصة ( الكوتا ) ، ومثال العراق الذي خضع النّظام السّياسيّ فيه، إلى نظام طائفي مذهبي ( عرقي ) إثني 
 الذي أقامه الاحتلال الأمريكيّ، والذي تم تجسيده في الدستور العراقي الذي صمَّمه وكتبه بول بريمر الذي عينه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن رئيسا للإدارة المدنية للإشراف على إعادة إعمار العراق في 6 أيار 2003 ، كما تم تطبيق ( الكوتا ) حول العالم ، مثل تطبيقات الكوتا في النظم الآسيوية (الهند – اندونيسيا – باكستان)، والكوتا في النظم الأفريقية (جنوب أفريقيا – موزمبيق)، والكوتا في النظم الأوروبية (السويد – بلجيكا)، والكوتا في النظم العربية (العراق – الأردن – فلسطين – المغرب – مصر) .
 إنَّ أيُّ نظامٍ سياسيّ لا يمكن له أن يعيش ويستقرّ إذا تم بناؤه على المحاصصة بين القبائل والعشائر والطّوائف والمذاهب ،والإثنيات ،لا على تمثيل الجماعة الوطنيّة (الشعب)؟ إنّه نظام التفتيت والتقسيم والتّفرقة، الذي يشيرُ إلى استبدال الانتماء والولاء، من ولاء للوطن والدّولة الجامعة إلى ولاءٍ للعصبيّة الأهليّة الضيقة والطّائفة والمذهب وحتى الإثنية . إنّه لا دولةٌ ولا نظامٌ ولا وطنٌ، ولكن اعتقدوا أنه نظامُ مبني على الصح . والأسوأ من كونه (نظاماً) وهذا يولِّد جماعات متوالية غير منسجمة ، تتسم بالعصبوية والشعبوية تنخرط بسهولة في الحروب والمنازعات بعد إشاعة الفتن لتؤهِّل لقيام حرب أهلية طاحنة . وتحيل الدولة إلى عصر ما قبل الدولة ومثال ذلك ما جرى في الصومال التي أُطلِقَ عليها بعد أن تمت إحالتها من دولة إلى ما قبل الدولة اسم (الصوملة ) . وهذا ما هدَّدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية وعدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي دولنا العربية وبعض دول الشرق الأوسط