( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
تواجه المجتمعات في معظم دول العالم مستويات متعدِّدة ومعقَّدة من التعصُّب ، بما في ذلك تصاعد الكراهية ضد الإسلام والمسلمين وانتشار مصطلح ( الاسلاموفوبيا ) إضافةً إلى وجود مصطلح ( معاداة السامية ) الذي جاء على ذكره أوَّل مرَّةٍ المؤرخ لودڤيج شلوتزر عام ١٧٨١، فضلاً عن كراهية المسيحيين وغيرهم من المكونات الدينية،والمذهبية والطائفية الأخرى، واضطهادهم . كل ذلك يدل على أنَّ خطاب الكراهية يجتاح جميع أنحاء العالم ، وينتشر كالنار في الهشيم ، من خلال تسلُّل لغة التهميش والاستبعاد إلى وسائل الإعلام والمنصات الأليكترونية بأنواعها والسياسات الوطنية . فقد تم استخدام خطاب الكراهية وهو مصطلح حقوقي فضفاض ، بمعنى أنه كلمات وجمل وعبارات تؤيد التحريض على الآخرين بهدف الضرر ، بخاصة في مجالِ التمييزِ بأنواعهِ أو العنفِ أو العدوانيةِ ،وتتجلى أنواع السلوك العدواني وأشكاله بالعدوان اللفظي ، والتهديد الإشاري ، والعدوان الجسدي ، والعدوان المباشر وغير المباشر ، والعدوان الكلامي ، والعدوان نحو الذات ، والعدوان العشوائي .وبشكلٍ عام يتم استخدامه ضد الأقليات ،والضعفاء، والمهمشين، والمستبعدين . من أجل تحقيق مكاسبَ سياسيةٍ كبيرةٍ في الحياةِ العامة بوساطة نشر خطاب معادٍ موجه ضد المكونات الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية (الإثنية ) . كما يُستخدم بشكلٍ لافت في العديد من الدول الغربيةِ والغرب الأمريكي ضد اللاجئين والمهاجرين ،والنساء واليافعين والأطفال ،والتمييز العنصري بين شخص أبيضٍ وآخر أسوَد وما يسمى (الآخر).
          إنَّ خطاب الكراهيةِ يُضعِفُ المجتمعاتِ ويفتِّتُ عُراها ويدمِّرها، كما يعمل على زرع بذور الكراهية والبغضاء والخوف ،وانعدام الثقة في نفوس أفرادها. فإذا تمَّ تركه دون مراقبةٍ ورصدٍ ، يمكن أن يؤدِّي إلى أعمالِ عنفٍ غير معهودة ، وربما يساعد في تهيئةِ الظروف الملائمةِ لإرتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم (الجينوسايد ).من الواضح أنَّ خطاب الكراهية يتطلبُ استجابةً منسقةً من رجالات الدين الكبار ،وصانعي السياسات والاستراتيجيات، والإعلاميين والكتَّاب والمثقفين ، وعامة الناس . بدءًا من فهم ومعالجة الدوافع الرئيسية لخطاب الكراهية، وانتهاءً بتقديم استجابة منطقية منسقة تدعم الحقوق الرئيسية ، وتضم جهود جميع المجتمعات والأفراد.
         الجدير بالذكر أنَّ حرية الرأي والتعبير محميةً بموجب القانون الدولي، من خلالِ حقوق واضحة وصريحة منصوصٌ عليها في المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.الجدير بالذكر أنَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو وثيقة حقوق دولية، تمثِّل الإعلان الذي تبنته الأمم المتحدة 10 كانون الأول 1948 في قصر شايو في باريس. الإعلان يتحدث عن رأي الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان المحمية لدى كل الناس. والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يتألف من 30 مادة ويخطط رأي الجمعية العامة بشأن حقوق الإنسان المكفولة لجميع الناس.لقد وافق المجتمع الدولي على بعض القيود مثل الخطاب الذي يدعو إلى (الكراهية العنصرية أو القومية أو الدينية) و (يشكِّلُ تحريضاً على العنف أو التمييز أو العداوة). ومن الأهمية بمكان أن تضع الحكومات أطراً قانونية وتشريعاتٍ سليمة بشأن خطاب الكراهية لمساءلة مرتكبيه، واحترام الكرامة الإنسانية احتراماً كاملاً ، وحماية الجماعات المُستبعَدة والمهمَّشة، وتحقيق التوازن بين حرية التعبير وخطاب الكراهية المرفوض .
كل ذلك يترافق مع وجود صراع ونزاع محتدم ساد لقرونٍ عدة تجلَّت بانتشار الكراهية بين الحكومات والدول والشعوب في العالم بأبشع صورها في القتل والسحل والحرق والتدمير ، وبات تعريف الكراهية أو ( خطاب الكراهية ) لا يعرف طريقا ً بشكلٍ جاد لتوافره ،إلا أنَّه حسب الاجتهادات تعريف قانوني دقيق ، فإنَّه يُـعَرَّف عموماً على أنَّه : أنماط مختلفة من أنماط التعبير العام التي تنشر الكراهية والحقد والبغضاء أو التمييز أو العنف ،والعداوة أو تحرِّض عليها، أو تروِّج لها ، أو تبرِّرها ضد شخصٍ أو مجموعة، على أساس من يكونون، بمعنى آخر، بناءً على الدين أو الطائفة أو المذهب أو الأصل العرقي ( الأثني ) أو الجنسية ، أو اللون ، أو النسب ،أو الجنس ،أو أي عامل هوية آخر. وما لم نتصدَّى لهذا الخطاب الممجوج ، فإنَّه يمكن أن يؤدي إلى وقوع أعمال عنف وجرائمَ كراهية تصل إلى حد (الجينوسايد) أي الإبادة الجماعية ضد الجماعات المهمَّشة والمُستَبعَدة . ومع أنَّ بعض التصريحات قد لا تُحرِّض على العنف بشكلٍ مباشر، فإنَّها يمكن أن تنشر بذور التعصب والحقد والكراهية والغضب التي تؤدي إلى إضفاء الشرعية على أعمال الكراهية والبغضاء.أما فيما يتعلق بأعمال التحريض البغيضة التي تؤدي إلى العنف بأنواعه ،ينبغي أن تكون عدة عناصر حاضرة بقوة ضمن سياق يُفضي إلى العنف والجريمة ، ومتحدث مؤثر يملك كاريزما ، وخطاب يُنشر على نطاق واسع، وجمهور متقبِّل ومتجاوب مع الدعوة ، وفئة مستهدَفة ،وعادة ما تكون المجموعات المُستبعَدة والمهمَّشة والتي تعاني من الفقرٍ والإملاق.
أي عمل يشكِّلُ تحريضاً على العنف والجريمة عندما يعقد المتحدث العزم على الدعوة إلى استخدام العنف أو التسبب فيه بشكلٍ مباشر أو غير مباشر . وثمَّة حاجة أيضاً إلى احتمال أن يؤدّي هذا الفعل إلى العنف. وعليه، ومع أنَّ كل أعمال التحريض على التمييز أو العنف أو العداوة هي خطاب يحضُّ على الكراهية، فإنَّه لا يمكن أن تُعدَّ كل خطابات الكراهية تحريضاً.
وهنا يمكننا اعتبار الدين هدفًا وحلًا للكراهية ، فقد أبلغت العديد من مراكز الدراسات والأبحاث أنَّ زيادة كبيرة في الأعمال العدائية الاجتماعية بين عامي 2007 و2019 م التي تنطوي على الدين بما في ذلك المضايقات والعنف من جانب الأفراد أو الجماعات الخاصة أو المنظمات .هذه الزيادة تجلَّت على نحو خاص في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا وشمال إفريقيا ، وتجلت هذه الزيادة على نحو خاص في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في عام 2007م، وثق مركز "بيو" الأمريكي تقارير من ست دول في أوروبا تعرَّضت لحوادث الاعتداء على الأفراد ، بسبب التعبير الديني الذي اعتبر شكل من أشكال التهديد أو العنف . بعد عشر سنوات، ارتفع ذلك العدد إلى خمس وعشرون دولة من أصل خمس وأربعين دولة في أوروبا. تضمنت تلك الحوادث المُبَلَّغ عنها هجمات وإهانات وشتائم ضد المجتمعات اليهودية والإسلامية.كما شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مستويات عالية من المضايقات الرسمية للعديد من الجماعات الدينية مقارنة بالمناطق الأخرى حول العالم . هذه الفئة تقيس أنواع المضايقات المتعدِّدة والتي تتراوح بين التخويف والتهديد والعنف إلى الإدانات اللفظية للجماعات الدينية وفرض الحظر الرسمي على بعض الجماعات التي تسير على منهج محدَّد .كما يمكننا اعتبار القيادات والمسؤولين الدينيين عنصر جوهري وأساسي في الحرب ضد خطاب الكراهية والبغضاء ، ولا سيَّما أنَّه يقوض قيم التنوع الديني والطائفي والمذهبي والتعددية. ومن المؤسف أن نرى مظاهر إساءة استخدام الدين في بعض الأحيان لتبرير الأعمال العدائية والتحريض على العنف والكراهية والبغضاء ،وعلى هذا، فإنَّه من الأهمية بمكان أن تعمل القيادات الدينية كافَّة على إظهار قدراتها القيادية تبيان الحق من الباطل في هذا المجال ، وأن تكون مثالًا قويًّا لأتباعهم والاسترشاد بهم باستبعادهم ورفضهم للكراهية والعنف ولأنَّ القيادات ومنظمات القيم الدينية ومن له صلة في مقرات أرباب الشعائر الدينية تعملان بنشاط مع المجتمعات المحلية، فإنَّهما في وضع جيد يؤهلهمابقوة للعمل كآليات للإنذار والاستجابة المبكرين، وتنبيه الحكومات والسلطات المختصة إلى تصاعد التوترات بين الطوائف والمذاهب . يجب بذل مزيد من الجهود بهدف إشراك القيادات الدينية في هياكل برنامج الاستجابة والإنذار المبكرين والعمل مع المسؤولين الحكوميين وأصحاب القرار من أجل الوصول إلى استجابة استراتيجية منسقة.كما أننا لا يمكنا استبعاد السلطات الحكومية من تحمُّل مسؤولياتها الأساسية عن منع التحريض على الكراهية والعنف وحماية أفرادها من الجرائم الوحشية المرتكبة ، فمن واجب الجميع العمل على مكافحة خطاب الكراهية وخطاب العنف اللذان يساعدان على ارتكاب أعمال عنفٍ وكراهية وتشجيعها.
هناك العديد من الطرق والأساليب يمكن اتباعها لمكافحة خطاب الكراهية .منها رفع مستوى الوعي من خلال وسائل الأعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة بكثرة بين أيدي الشباب واليافعين على وجه الخصوص . وإغراق الفضاء الواسع لوسائط التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية المتاحة ،بالرسائل الإيجابية الداعية إلى السلام والمحبة والتسامح ونبذ الكره والعنف . ومن خلال إقامة دورات تدريبية محلية وتثقيف الأصدقاء وأفراد العائلة بشأن مخاطر التمييز العنصري والتعصُّب ، ووضع حد لكل من تسوِّل له نفسه نشر الكراهية والعنف والابلاغ عن منشورات وسائل الميديا والتواصل الاجتماعي التي تنشر الشائعات والآراء والمفاهيم الخطيرة أو المعلومات الخاطئة . دعم الأفراد أو الجماعات في المجتمع التي يستهدفها خطاب الكراهية وتحديداً المهمشين والمستَبعَدين ،وتشجيع الحكومات وصانعي السياسات على اتخاذ إجراءات ضد اللغة أو السياسات العنصرية التمييزية.