( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
في زيارته الأخيرة لراوندا ،في الأسبوع الأخير من شهر أيار الماضي ،وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام النصب التذكاري لضحايا المذابح البشعة التي جرت في راواندا عام 1994 ،على يد متطرفين من قبال الهوتو الذين استهدفوا أفراداً وجماعات من قبيلة التوتسي ،والتي راح ضحيتها أكثر من ثمانمائة ألف قتيل .وقف ماكرون أمام النصب التذكاري ليقول أم كبار المسؤولين الروانديين ،وأمام العالم أجمع أنَّ بلاده فرنسا تُقِرُّ بمسؤوليتها فيما حدث على الرغم من أنَّ فرنسا لم تكن مشاركة في ذلك الذي حدث، ولا كانت بالطبع متواطئة فيه ،ولا متورطة مع أي جهةٍ أيضاً ، كل ذلك كان بسبب إغلاق فرنسا ملف الإبادة في رواندا دون ملاحقاتٍ قضائية . بشأن مزاعم عن أنَّ باريس غضَّت الطرف عن الإبادة الجماعية البشعة في راوندا ،وأنَّ التحقيقات التي أجرتها الحكومة الفرنسية لم تثبت أي تواطؤ من القوات الفرنسية في المذابح التي دبَّرتها حكومة رواندا التي يقودها الهوتو.لكنَّ راوندا نشرت الشهر الماضي تقريراً أكَّدت فيه إنَّ فرنسا كانت على علمٍ بالاستعدادات والخطط المرسومة لإبادةٍ جماعيةٍ في رواندا قبل وقوع المذابح.أمَّا الاتحاد الأفريقي فقد أشاد بتقرير تقصي الحقائق حول الإبادة الجماعية برواندا الذي حمَّل فرنسا مسؤولية السماح بوقوعها ضد أقلية (التوتسي) 1994 . لم يكن الإعلان الرواندي الوحيد في هذا الشأن حيث جاء بعد تقرير مماثل صادر عن لجنة مؤرخين فرنسية في آذار الماضي، أكَّد إنَّ فرنسا غضَّت الطرف عن الأحداث التي أدَّت للإبادة الجماعية بسبب موقفها الاستعماري من أفريقيا وبالتالي تتحمل مسؤولية جسيمة.وحسب الرئيس إيمانويل ماكرون، فإنَّ فرنسا التي تدخلت بقوةٍ في رواندا منذ تسعينيات القرن الماضي وتحالفت مع نظام الهوتو في البلاد، تتحمَّل مسؤوليةً كبرى وجسيمة في الأحداث التي أدَّت إلى الإبادة الجماعية ( الجينوسايد ) التي تعرضت لها أقلية التوتسي عام 1994.
كما أننا نؤكد هنا أنَّ الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران (1981 ـ 1995) كان لديه علاقة قوية وشخصية ومباشرة مع الرئيس الرواندي آنذاك جوفينال هابياريمانا، حيث لعب ميتران دوراً مركزياً في السياسة الفرنسية في رواندا بين عامي 1990 و1994.إضافةً إلى المؤرخون الأربعة عشرة الذين قاموا بفحص عشرات الآلاف من الأرشيفات الفرنسية لمدة عامين ذكروا أنًّ باريس استثمرت طويلاً جنباً إلى جنب مع نظام شجَّع على المذابح العنصرية.هذا ما جعل إيمانويل ماكرون يعترف بمسؤولية بلاده. وكان رئيس رواندا قد علَّق على اعتراف الرئيس الفرنسي، فقال ما معناه، إنَّ ما قيل على الرغم من أنَّهُ ليس اعتذاراً صريحاً، فإنَّه في النهاية يكفي لأنه يمثل اعتذاراً أو ما يشبه الاعتذار. وسواء كان حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعتذاراً أو شبه اعتذار، فهو في النهاية نوعٌ من ممارسةِ المسؤوليةِ التي يجبُ ألَّا تغيب في مسار العلاقات بين الدول، خصوصاً إذا كان الأمر يتصل بمجازربشعة وصفت بأنها إبادة جماعية ( جينوسايد ) وقعت وأخذت في طريقها ما يقرب من مليون إنسان بريئ . قد يقول بعضنا إن هذه مسؤولية يمارسها صاحبها في حالة الرئيس ماكرون بأثر رجعي، وإنها لن تعيد ضحيةً واحدةً من الضحايا المليون إلى الحياه أبداً، وهذا بالطبع صحيح للغاية ، ولكن الأهم فيه هو إقرار دولة بحجم فرنسا، بما كان منها يوماً بحق دولة من دول القارة الافريقية ، وهنا نجد لزاماً علينا أن نؤكد أننا نطالب فرنسا حكومة وقيادة وشعباً أن تعتذر للشعب الجزائري والسوري واللبناني والتونسي والمغربي والموريتاني وكل الدول التي احتلتها وأقامت فيها مجازر بشعة ضد المواطنين العرب . وبالتوازي مع فرنسا وفي الأسبوع نفسه، كانت الحكومة الألمانية في برلين قد اعترفت بمسؤوليتها عن وقوع إبادة جماعية( جينوسايد ) بحق قبيلتين من قبائل ناميبيا مطلع القرن العشرين هما الهريرو والناما. 
وستكتشف من خلال التقارير الصحفية المنشورة عن الموضوع، أنَّ مفاوضات جرت بين الحكومتين الألمانية والناميبية استمرت خمس سنوات، وأنهما توصلتا في النهاية إلى ضرورة اعتراف جمهورية ألمانيا الاتحادية ، بما كان منها بحق أبناء القبيلتين، وأن هايكو ماس، وزير الخارجية الألماني، سيصل إلى ناميبيا خلال أيام لتوقيع الاتفاق، وأن الرئيس الألماني فرانك شتاينماير ربما يزورها بعد الوزير. 
إنَّ هذا الاتفاق الهام ينصٌّ على تعويض من جمهورية ألمانيا الاتحادية عما حدث، ولكنه لن يكون تعويضاً نقدياً مدفوعاً إلى الذين تضرَّروا من الإبادة ( جينوسايد ) التي وقعت، وإنما سيكون في هيئة استثمارات تضخها الحكومة الألمانية في المناطق التي تعيش فيها القبيلتان، مقدارها مليار ومئة مليون يورو على مدار 30 سنة. 
هذا طبعاً اعتذار ألماني عن الماضي الاستعماري بحق قبيلتين كبيرتين من بين قبائل إحدى دول القارة الإفريقية. وإذا لم يكن اعتذاراً صريحاً فهو يشبه الاعتذار. وفي الحالتين الفرنسية والألمانية، هناك نوع من صحوة على المستوى الإنساني،وهذه الصحوة ضرورية جداً، حيث لا تجد الحكومتان في باريس وبرلين حرجاً في إعلانه على الملأ أمام العالم. 
لقد كنا نتابع إلى سنوات قريبة مضت، ونسمع عن عملية إعادة اكتشاف إفريقيا استثمارياً على يد أكثر من حكومة في العالم، وبالذات الحكومات الأمريكية، والصينية والروسية ، ولكنَّنا في ما بادرت به الحكومتان الفرنسية والألمانية نجد أنفسنا أمام كشفٍ لا اكتشاف.. إنَّه كشفٌ عما كان ذاتَ يومٍ من ممارساتٍ غير إنسانيه لا بديل عن الاعتذار عنها أبداً أو الاعتراف بها في أقل القليل اعترافاً لأبناء وأحفاد الضحايا بحقهم الإنساني.