( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 
ما زلنا حتى اللحظة الراهنة نتساءل بمرارة ،عن سبب عدم تقدُّم الدولة العربية، هذا التساؤل الإشكالي ما زال ماثلاً أمامنا كلما شاهدنا دولاً أخرى متقدمة ومتطورة ،فتعثُّر بناء الدولة في غير مكان في العالم العربي هو ظاهرةٌ مُعنّدة وصعبة، منذ أكثر من قرنٍ من الزمن ، كما أنَّ المطابقة الحقيقية بين مفهوم الدولة بمعناه الحديث ، وبين الدولة العربية شكلاً ومعنىً ومضموناً لا يزالُ صعباً للغاية ، ليس فقط لأنَّ إشكالية السياق العام تلعبُ دورها هنا ، ولها تأثيرها الكبير والخاص ، وهي بلا أدنى شكّ مهمة وضرورية جداً لفهم التباين الكبير في نشوء وتشكّل الدول، بل لأنَّ العرب استخدموا عبر مسيرتهم السياسية معظم الأيديولوجيات التي أنتجت في القرنين الماضيين، وفي القرون الماضية ، ووظفوها في السياسة والحكم من أجل إدارة البلاد والعباد ، من دون أن يصلوا إلى نتائج مُرضِية ، وما هو أسوأ من تلك الانتكاسات الكبرى التي أصابت بعض الدول العربية أو معظمها ، خصوصاً تلك التي تبنّت القومية العربية والاشتراكية ، وهما أيديولوجيتان حديثتان، كانتا فعَّالتين بدرجةٍ كبيرةٍ في أماكن أخرى من العالم، وأدتا وظائف كبرى في التقدم والتطوُّرالاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتقني وحتى علوم الفضاء .هنا يكمن التساؤل المؤلم . هل عدم قدرتنا على بناء دولة عربية بكامل أركانها هو السبب ، أم أنَّ منهج بناء الدولة غير صحيح ؟؟ وهل فهمنا لماهية الدولة يختلف عن فهم الآخرين لها . فما هي الدولة ؟؟؟ التعريف القانوني للدولة لا يقول لنا لماذا تتمكن بعض الدول من إدارة أمورها بنجاح فائق ، فيما تفشل في ذلك دول أخرى كدولنا العربية ؟ لماذا بعض الدول مستقرَّة، فيما بعضها الآخر مضطرب وقلق ؟ لماذا لبعض الدول نفوذ ٌوسطوةٌ كبيرين في الداخل والخارج وذات سيادة قوية ، فيما بعضها الآخر ألعوبة فى يد الآخرين وفاقدي السيادة الحقيقية ؟ أم أننا نعيش حالة خاصة من التخلُّف والرجعية ؟؟ ، إنَّ التخلف حالة متأخرة من التطور مقارنةً مع الدول المتقدمة، أورثها الاستعمار للبلدان العربية ، بخاصة بعد الغزو الصليبي لوطننا العربي (حروب الفرنجة) من أواخر القرن الحادي عشر حتى الثلث الأخير من القرن الثالث عشر (1096 - 1291) دام نحو 195 سنة ، وما تلاه من احتلال تركي دام نحو أربعمائة عام ، وجاء بعده الاحتلال الأوروبي الفرنسي والبريطاني والإيطالي.هناك بعض الدول استخدمت تسميات أخرى مثل (دولة نامية) و(دولة متقدمة)، لتمييزها عن غيرها، وتسمياتٍ عديدة بمدلولٍ جغرافي كـ (دول العالم الثالث) و(دول العالم الأول). والمعروف لدينا أنَّ نمو تلك الدول تأخَّرَ بسبب عوامل عدة. أهمها:العامل السياسي الذي يحدِّد بنية النظم السياسية التي تتبعها الدول وتسير في نهجها. والعامل الثقافي والإرث الثقافي ،أي العودة إلى (القبلية والعشائرية ،الإرهاب ، التعليم والدين ). والعامل الاقتصادي حسب (مستوى البطالة ، ومستوى الفقر،الخدمات الصحية،والناتج المحلي). والعامل الاجتماعي (المساواة بين الجنسين في مختلف أشكال الحياة،حقوق المرأة،وتقبُّل الآخر).وهكذا فإنَّ النتيجة المُثلى لبداية عملية التطور والتقدُّم هي البدء بالإصلاح السياسي الشامل ،والتخلُّص من الأنظمة الطاغية المُستَبِدَّة ،التي تجثم على صدور المواطنين وعند تولي دولة مدنية حديثة متكاملة الأركان ذات تشريعات وقوانين صادرة عن هيئة مدنية ،يصبح من الممكن تطوير العوامل الأخرى دون عوائق .  
من الناحية القانونية يمكن تعريف الدولة بأنها الأرض والشعب والحكومة،وهم الذين يصنعون دولةً. حيث كلُّ دولةٍ من الدول لها إقليم بحدودٍ معروفة، وشعبٌ يعيشُ عليه، وحكومة تديره وتتحدث باسمه. إذاً فالتعريف القانوني للدولة يركِّز على ما هو مشترك بين الدول: الإقليم أو الأرض والشعب والحكومة، فيجعل الدول تبدو كما لو كانت متشابهة ونسخاً من بعضها البعض، مع أننا نعرف أنَّ للكثير من الدول أركاناً ثابتة،فيما بعضها الآخر مهزوز الأركان وغير ثابت أو غير قوي . فأركان الدولة أربعة هي السلاح والمال والتنظيم والأفكار.
 ـ الركن الأوَّل من أركان الدولة هو السلاح ،ومن يملكه يملك القدرة الفعَّالة في الدفاع عن الشعب والأرض والممتلكات ضد أعداء الخارج، وعلى معاقبة مخالفي القوانين والتشريعات الناظمة في الداخل، وقمع محاولات العصيان والتمرُّد والانشقاق فى الداخل. السلاح القوي،أو القوة المادية والجيش ،هو الشرط الأسبق والأهم في وجود الدولة، أي دولة ،وهذا أمرٌ هام جداً . فكثيرٌ من الدول تكونُ نتيجة الغزو العسكرى الخارجي، وكثيرٌ آخر منها تكون نتيجة لانتصار الفريق الأقوى من بين فرقاء محليين متنافسين. امتلاك القوة العسكرية الكبيرة كان هو الهم الأول لدول الشرق الأوسط التى هالها حجم التفوق العسكري الغربي الأمريكي والأوروبي تحديداً. فقد سَعَت دول الشرق الأوسط لامتلاك قوة عسكرية وجيوش حديثة معتمدة على الشراء وليس التصنيع ، وحول هذه القوة تشكَّلَ مشروع الدولة الحديثة فى بلاد الشرق الأوسط الرئيسية.
الركن الثاني من أركان الدولة هو المال: المال ضروري جداً للدولة ، فعندما تبدأ ببناء الجيش الوطني أجل بناء الدولة الحديثة،التي تكلِّف كثيراً، وتحتاج إلى ميزانية ضخمة تتناسب طرداً مع حجم وبنية الدولة المُراد بنائها، فالجيش الحديث هو جيش المقاتلين المحترفين المتفرغين من أبناء الشعب. حيث يتم تخصيص قسم من السكان لمهام الدفاع والقتال،وتزويدهم بالموارد اللازمة، لذلك يحتاج أموالاً طائلة لضرورة التدريب والتسليح.كما أنَّ الدولة الحديثة هي دولة البيروقراطية الإدارية التي تتولى تنظيم جميع جوانب الحياة في المجتمع بشكلٍ كامل ، بدءاً من تنظيم حركة السير في الشوارع، وحماية الممتلكات والأراضي والمواطنين داخل الدولة الحديثة ، وإجراءات النظافة والصحة العامة والتربية والتعليم ، وصولا إلى شؤون الأمن والدفاع، ولهذا أيضا تكلفته المالية الكبيرة .ففي كثيرٍ من الحالات يكون المالُ ضرورياً لتآلف فئات الشعب القادمين من أماكن شتى.فالمالُ في بعض الحالات يكون ضرورياً لتأليف قلوب فئاتِ الشعب القادمين من دروب شتى. فالدولة لا تستخدم فى هذه الحالة القوة المسلحة لفرض الطاعة والانضباط، ولكنها تستخدم المال لشراء طاعة المواطنين وولائهم واحترامهم للقوانين والتشريعات الناظمة. وفي غياب المال تسعى الدولة مضطرةً للضغط على الشعب لإجباره على دفع مقدار أكبر من المال من خلال زيادة الضرائب. 
التنظيم وهو الركن الثالث من أركان الدولة الحديثة.وهو جهاز الإدارة البيروقراطي لأنَّ التنظيم الأهم المميز للدولة الحديثة. فالبيروقراطية تحفظ دولاب العمل اليومي، وتنظم وتدير شؤون المجتمع والاقتصاد. البيروقراطية لا تتبع أهواءها، لكنها تطبِّق اللوائح والقوانين نفسها في جميع أرجاء الدولة، فتتحقق الكفاءة والعدالة الاجتماعية والعقلانية، هذه الفكرة أطلق عليها عالم الاجتماع الألمانى الشهير ماكس فيبر اسم (العقلانية القانونية) وهو من مدرسة فرانكفورت. هذا هو التنظيم البيروقراطي كما يجب أن يكون، و كما نجده معمولاً به في الدول المتقدمة. فلو راقبنا ماهية التنظيم البيروقراطي في بلادنا العربية لوجدناه متواضع الكفاءة وغير محقق بشكلٍ جيد أو بشكلٍ مناسب ، ولا يخلو من فسادٍ مدمِّر ، وأفراده يتبعون أهواءهم الخاصة فى تفسير اللوائح والتشريعات والقوانين الناظمة . إنَّ ما نجده من خلل ومشكلاتٍ كثيرة بفقدان البيروقراطية فى بلادنا يؤكِّد أنّ ركن التنظيم فى دولتنا فيه خللٌ وضعفٌ ووهن ، وأنَّ جهداً كبيراً مازلنا نحتاجه ونطلبه في هذا المجال.
أما الركن الرابع من أركان الدولة الحديثة فهو الأفكار.لأنَّ الدولة الحديثة هى دولة الشعب والأمة بكاملها،وليست مجرد تجمُّع للناس يعيشون في بقعةٍ جغرافيةٍ محدَّدةٍ واحدة. والمعلوم أنَّ الأمم تجتمع على أفكار ومفاهيم وثقافة ومعرفة تميزها عن غيرها وتوحِدُها. وأنَّ اتفاق الناس ( الشعب ) حول هوية الجماعة الواحدة هو الفكرة الأولى الجامعة التي تحتاجها كلُّ دولةٍ كركنٍ أساسيٍّ لها. وربما نبدو مختلفين على كل شيء آخر، بدءاً من الشكل الذي يجب أن تكون عليه ملابسنا وأدواتنا الشخصية التي تُظهِر أناقتنا،انتهاءً بعلاقتنا بالعالم الخارجي وموقعنا الحقيقي فيه. ينشر بين النخب الثقافية والعلمية والقادة والكوادر الفاعلة شتاتٌ من الأفكار والمفاهيم والآراء المتنافرة والمتناقضة ، فيما الشعب بكل فئاته غائبٌ تماماً عن جدل الأفكار وتياراتها وصراعها. فالأفكار توحِّد النخب الفاعلة والجماهير معاً ، وتعزِّز وحدة الشعب تحت الراية الوطنية، وفي غيابها يظهر جلياً خواء فكري وثقافي ومعرفي تنتشر فيه العدمية والفقد والانتهازية والتطرّف الذي يصل حدَّ الإرهاب . 
لو عدنا قليلاً باحثين عن تاريخ نشوء الدول لوجدنا العديد من النظريات في هذا المجال ، منها النشأة المقدَّسة التي ترى أنَّ الله هو الذي خلق الدولة، وهناك نظريات أخرى كثيرة جداً ،منها نظرية القوَّة، التي ترى أنَّ الدولة نشأت وتطورت نتيجة الصراعات الطويلة والقتال العنيف، وعلاقات القوة التي تسفر دائماً عن خضوع الضعيف للقوي، ومنها النظرية التاريخية، التي ترى أنَّ نشأة الدولة ترجع إلى ما قبل التاريخ. وكانت عبارة عن تجمع للعشائر والقبائل ،وأيضاً تجمّع الإمارات ، وأنها نمت نمواً تاريخيَّاً وطبيعيَّاً بمساعدة عوامل ثلاثة هي: علاقة الدم والقربى ، والدين، والوعي السياسي والثقافي والمعرفي . غير أنَّ نظرية العقد الاجتماعي هي أكثر النظريات الفلسفية تأثيراً في الفكر السياسي الذي تتبناه الدولة على مدى الزمن. حيث تقوم نظرية العقد الاجتماعي على أساس فرضين رئيسيين:أولهما :أنَّ السكان كانوا يعيشون فيما بينهم حالةَ الفطرة أو الطبيعة قبل أن ينتقلوا إلى حالة المجتمع المنظَّم الذي يخضع لسلطة سياسية منظمة وقوية تضبطها تشريعات وقوانين ناظمة ،وقوة عسكرية وأمنية تطبّق تلك القوانين . ثانيهما : حالة الانتقال من حالة الفطرة أو الطبيعة إلى حالة المجتمع المنظم أو الدولة ذات الأركان القوية تم بموجب عقد اجتماعي وموافقة عامة .ونظرية العقد الاجتماعي هي نظرية قديمة ويمكن تتبع جذورها وأصولها وإرهاصاتها الأولى في الفكر الروماني ، وفي كتابات العديد من فلاسفة ومفكري العصور الوسطى،وخاصة كتابات سانت اوجستين Saint Augustine و توماس الأكويني Thomas Aquinas. أما الفيلسوف البريطاني توماس هوبز Thomas Hobbes، كان أول من بلور هذه النظرية وشرحها بشكلٍ واضحٍ ومتكامل ،وصاغ فرضيها الرئيسيين على نحو متكامل ومتماسك. ثم تعاقب عليها كبار المفكرين بالنقد والشرح والتحليل والإضافة ابتداءاً من جون لوك John Locke، مروراً بجان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau، وحتى إيمانويل كانط Immanuel Kant كانط ومن بعده الكثيرون. لقد ظهر مصطلح الدولة الحديثة مع توقيع صلح ويستفاليا عام 1648، والذي توج سلسلة من الحروب الطاحنة اجتاحت أوروبا بين الممالك الكاثوليكية والبروتستانتية استمرت نحو ثلاثين عاماً، إلى أن تم عقد هذا الصلح بين الممالك الأوروبية المتناحرة.
كان جوهر ما تم التوصل إليه من اتفاقات في صلح ويستفاليا عام 1648 م، ينبع من حقيقة أنَّ الدولة كيان مجرد ودائم، موجودٌ بحدِّ ذاته، لا تتحدد شروطه بشخصية حاكمها أو المصالح العائلية أو مطالب الدين والعقيدة ، بل تتحدَّد بالمصلحة القومية،وهي مصلحة عامة الشعب ، ومن هنا بدأت الدولة القومية في كونها الوحدة الجوهرية في كيان الدولة الحديث، حيث ظهر مصطلح (الأمة – الدولة) ، كما ظهرت فكرة السيادة لتعطي معنى أبعد للدولة وللحيز الكبير والهام الذي تتخذه في المجال العام، فقد ازداد دور الدولة في السيطرة والهيمنة على مواطنيها، وضبط الحدود بينها وبين الدول الأخرى، وصنع الحواجز ، والسيطرة على الممرات بين الدول ، كما ترسخت حقيقة وجود جيش قوي دائم يعيش على أطراف المدينة في معسكرات دائمة، لتظهر بذلك العلاقات المدنية العسكرية ومن أبرزها انبثاق البيروقراطية من هيراركية الجيش وصبغها للإدارة العامة، وأن الهيراركية ركن ركين فى المجتمع- أي مجتمع إنساني. الهيراركية، بمعنى تراتبية السلطة، وهي الطريقة التي نظم بها البشر مجتمعاتهم منذ بدء الحضارة بصورتها التي نعرفها منذ نحو عشرة آلاف عام.وكذلك ظهور البيروقراطيات المتخصصة وتحكمها في الاقتصاد، وكذلك تغير طريقة ومناهج التعليم لتدعم تلك البيروقراطية الضخمة جداً. الجدير بالذكر أنَّ من أهم مرتكزات الدولة وجود القوانين والتشريعات الناظمة ، ولأنَّ السلطة القانونية هي السلطة القوية التي ينص عليها القانون أو الدستور فمن السهل تحديدها وتحديد ماهيتها ، بعكس السلطة الفعلية التي يصعب تحديدها أحياناً كثيرة ،والتي قد تكون خفية أو مستترة. ولذلك قد توجد فجوة كبيرة في بعض الأحيان بين السلطة الفعلية ،والسلطة القانونية أو السلطة التشريعية. غير أن السلطة التشريعية أو القانونية التي لا تستطيع فرض سيطرتها وقوتها وهيمنتها يصبح مصيرها إلى زوال، وتتحول السلطة الفعلية تدريجيّاً، وبحكم الأمر الواقع إلى سلطة قانونية، خصوصاً إذا ما تم إصدار قوانين تمنح سلطة الأمر الواقع مركزاً قانونياً ثابتاً. وفي جميع الأحوال فإن مركز السيادة هو الدولة بصرف النظر عن شرعية أو عدم شرعية من يمارس السلطة الفعلية فيها.
  إنَّ توصيف سياق الدولة العربية، من غياب التصنيع ، وغياب المعامل والمصانع كعملية أساس في دورة الإنتاج الاقتصادي الضرورية ، ولأنَّ المصنع بوصفه محدداً لعلاقات الإنتاج في السياق الرأسمالي، بقي دوره ضعيفاً في الحياةِ العربية بشكلٍ عام ، وهذا ما أفقد الاقتصاد حيويته في رفد الشعب طاقة وقدرة مالية تساهم في الإنعاش الاجتماعي . كما يساهم فقد الانتاج الصناعي الجيد في تقرير مستوى العلاقات الاجتماعية بين أبناء الشعب وتناقضاتها، وبعد مرور حوالي سبعة عقود على خروج الانتدابات التقليدية من العالم العربي،مثل الانتداب الفرنسي والانتداب البريطاني والانتداب الإيطالي ، إلاّ أنَّ دور الإنتاج الصناعي في الناتج القومي بقي هزيلاً، وهشاً ،وغير قادر على تغطية احتياجات السكان ، وبقيت الصناعات العربية تدور في فلك قطاعات الإنتاج التحويلية ،وانتاج السلع الاستهلاكية البسيطة من دون إحداث أي اختراق نحو صناعات عالية التقنية،أو استخدام معدات تكنولوجية عالية الجودة والدقة . كما أنَّ تجربة القطاع العام، وعلى الرغم من أهميتها وما قامت به من المحافظة نوعاً ما على استمرار الانتاج الاستهلاكي البسيط، تحوّلت في الدول العربية التي تبنّت هذا الاتجاه، إلى جزء من منظومة رأسمالية المحاسيب، وظهرت فئة التجار والمتاجرين بالناس والمرتبطين برجالات السلطة ، حيث ينخر الفساد والزبائنية البنى التشغيلية بشكلٍ خطير، ويتم نشر ثقافة الفساد والفاسدين والمفسدين . أنَّ تحويل الكثير من مؤسسات القطاع العام الصناعية إلى خزان لاستيعاب البطالة المقنعة، بهدف تنفيس الاحتقانات الاجتماعية بالدرجة الأولى. مستخدمين أقسى العقوبات المادية والمعنوية والجسدية بحق كل من يخالفهم لأنهم هم القابضون على رقاب المواطنين بيدٍ من حديد ونار. الدولة العربية، ومن حيث إنها أصبحت تابعة للسلطات، والنخب الحاكمة، والأحزاب القائدة، وما شابه، قطعت الطريق على المجتمع، ومنعته من الاستقلال في تدبير شؤون السوق والعمل الاقتصادي والتجاري ، فتلك الطبقة الصناعية المدينية التي وُجِدَت، لفترةٍ وجيزة، في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، ما تبقى منها أصبح تابعاً لآليات تحدّدها الدولة، وتسيطر على أجزاء منها عبر شراكة السلطة والثروة، وهي شراكة تعلو فيها يد السلطة على يد الثروة بشكلٍ واضح وفاضح في آنٍ معاً،وتحدّد لها نطاق عملها، ومجالات استثماراتها، وهو ما أفضى في المحصلة إلى ضبط ومعايرة العلاقات الاجتماعية والسياسية بما يخدم منظومات الحكم السائدة وما تفرضه من قرارات وقوانين خاصة تهدف لتحقيق مصالحهم .
 إنَّ دقة ما تنطوي عليه أي رؤية من تفسير لنشأة الدولة أو نشأة السلطة السياسية وتطورها ، إلا أنَّ الدولة تحوَّلت في نهاية المطاف إلى أداة لضبط علاقات اجتماعية داخلها أصبحت شديدة التنوع والتعقيد. فهناك دولٌ لا تزال التوازنات القبلية والعشائرية تلعب فيها دور المحرك الأساسي لسياساتها وأنشطتها، وهناك دول أخرى زراعية وصناعية حديثة برزت فيها قوى وطبقات اجتماعية مختلفة كلياً، ومن ثم فقد تطلب الأمر اللجوء إلى أساليب وطرق مختلفة عن الأساليب السائدة في حياة القبيلة والعشيرة لإدارة العلاقات فيما بينها. ولا شك أن طبيعة السلطة وطبيعة النظام السياسي في الدولة تعكسان حقيقة التنوع والاختلاف في طبيعة وأوزان القوى والفئات والجماعات الاجتماعية المختلفة التي تتكون منها.

  إنَّ أي عملية فصل للسياسة عن الاقتصاد بشكلٍ تعسفي هو دينامية مضادة لتطور وسيرورة التاريخ الحديث، وقد أظهرت معظم أعتى التجارب وأشدّها قوةً واستقطاباً في القرن الماضي،أنه يستحيل التقدّم والمنافسة من دون ربط السياسة بالاقتصاد،لأنَّ السياسة تكثيفٌ للاقتصاد . فالاتحاد السوفييتي السابق،وبعد تجربةٍ امتدت لأكثر من سبعين عاماً،أعلن فشله كمنظومةٍ سياسيةٍ،إذ لم يعد قادراً على الاستمرار في المنافسة على الأسواق الدولية الضخمة ، وهو يفتقد لديناميات السوق وحرية الحركة، أو يعلن القطيعة معها، ولا تزال معظم الدول التي انتمت للكتلة الشرقية تعاني لغاية الآن من تبعات هذا الفصل التعسفي بين الاقتصاد والسياسة.
 العلاقة بين اقتصاد السوق والمدينة علاقة جدلية، وكذلك بين السياسة والمدينية، ومن دون هذه العلاقة الجدلية، فإن السياسة تصبح ممارسةً متعاليةً ونرجسيةً عن الواقع الاجتماعي/ الاقتصادي، ويمكن القول إنَّ ما نعرفه اليوم عن تطور السياق الغربي/ الليبرالي للممارسة السياسية هو إحدى أهم نتائج التمدين كصيرورة وسيرورة ، تشتمل على الصناعة المتطورة ،وعقلنة الحياة الاجتماعية على مختلف الصعد، ومن ضمنها تطور السياسة كحقل للصراع والتنافس، ولكن أيضاً للتقدّم والتطور .
  معظم المدن العربية الكبرى، شهدت بدايات صناعية، وإرهاصات تقدّم مديني واضحة ، لكن تلك البدايات، وما تضمّنته من إرهاصات، لم تكتب لها الديمومة، وتحوّلت المدن العربية إلى بنى هجينة اجتماعياً، وقد تحدثت دراسات كثيرة عن ظاهرة ترييف المدينة العربية،وفي صلب هذا الترييف تمييع القيم المدنية وتهميشها نوعاً ما ، من مثل العمل في المصانع والمؤسسات والوزارات ، والهيئات والشركات، والإنجاز، والتراكم، والتنافس،والتنظيم، والتعبير عن المصالح المشتركة، وغيرها من القيم التي تميّز المدينة، بوصفها الابنة الشرعية الحديثة لاقتصاد السوق.
    إعادة النظر إلى التقدم والتطور ، وطرح مشكلاته وإشكالاته في السياقين التاريخي والراهن، وبوصفه تحدياً مستقبلياً مُحدّداً لمدى قوة الدولة في العالم العربي على الصمود والثبات،وتأمين استقرارها الاجتماعي بشكلٍ جيد ، وضمان حدوث تحولات متدرجة،ولكن جذرية وأساسية، نحو التقدم والتطور، يعني إعادة النظر في العلاقة الجدلية بين المدنية والتقدّم والتطور،أي رد الاعتبار للديناميات المتعلقة باقتصاد السوق العالمي، وما يولّده من ثقافة وقيم، وهو ما يتطلّب حكماً إعادة النظر في مفهوم السياسة نفسه كمحصلة للعلاقات الاقتصادية التي تنتجها المدينة.
خلاصة الأمر أنه يمكن القول أنَّ مفهوم الدولة ومدلولها وماهيتها ذو تاريخ من الصراع الطويل لم ينقطع أو يتوقف منذ صيرورته الأولى وعبر سيرورته الزمنية ، بهدف الوصول إلى أفضل صيغة ممكنة لشكل الدولة والحكم، لتكون قادرة على تلبية طموحات وأهداف ومتطلبات الشعب، وتنطوي في الوقت نفسه على الآليات والضوابط التي تمَّكن أي حكومة منتخبة من إدارة شؤون الدولة بأعلى قدر من القدرة والكفاءة.
..............................
المراجع :
ـ أركان الدولة الأربعة ،د. جمال عبد الجواد . مؤسسة الأهرام للطباعة والنشر 8 شباط 2018 السنة 142 العدد47911
ـ حسام ميرو : المدنية وسؤال تقدم الدولة . جريدة الخليج، تاريخ 21 حزيران 2021 م.  
ـ مفهوم الدولة - The Concept of State الموسوعة السياسية . 
ـ الموسوعة السياسية. 2021 .Copyright © Political Encyclope