( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
يسعى منطق العولمة بشكلٍ كبير، مستخدماً آليات ووسائل عولمية داخلية دافعة إلى تدمير وتحطيم كل الحدود الوطنية والقومية من أجل توحيد العالم،توحيداً قسرياً على الرغم من تعدُّد الأعراق والأديان والثقافات ، في فضاءٍ واحد تحكمه قوانينها. هذا يدل دلالةً كبيرةً على أنَّ من بين أهداف العولمة،ومن يديرونها من القوى الكبرى في العالم،اختراق السيادات الوطنية والقومية ومحو مفاعيلها التي تحمي البلاد وتحافظ عليها وعلى أمنها واستقرارها،وثقافتها التاريخية والوطنية التي توفر وسائل وطرق وأساليب ممانعة للدول الوطنية لصون بنيانها الداخلي وكيانها الخاص بها،ونسيجها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني والتاريخي من الاستباحة والسقوط ومن ثمة،ممانعة الإدماج داخل الفضاء العولمي الواسع.كلّما أمكن اختراق الحدود والسيادات أمكن بالتبعة إضعاف جميع كيانات الدول الوطنية والقومية وحملها، بقوة أحكام الأمر الواقع الذي لا مفر منه،على الخضوع لعملية التوحيد والإدماج بل الانصهار حتى الذوبان وفقدان الكينونة والكيانية الخاصة. وكلما تم النيل من قدرة تلك الدول على تحصين أمنها وحفظ سيادتها والدفاع عن مكوناتها ، انعكس ذلك على سيادتها وزاد هذه الدول هشاشة وضعفاً،مما يسهل عملية الإدماج والإنصهار.
لم يقتصر مفهوم الثقافة على تعريفٍ واحد وموحّد بل هناك تعاريف متعددة كان أبرزها أنَّ الثقافة بشكلٍ عام هي جميع السمات الروحية والفكرية والوطنية والقومية التي تميز جماعة ما عن جماعةٍ أخرى، وهي شاملة لطرائق الحياة وأساليب التفكير والتقاليد والمعتقدات والآداب والقيم الإخلاقية والإنسانية،والبُعد التاريخي بإعتباره عامل جوهري وأساسي في مفهوم الثقافة. وليس هناك ثقافة واحدة وإنما تسود أنواع وأشكال ثقافية متعددة،منها ما يميل إلى الأنعزال والأنغلاق،ومنها ما يسعى إلى الإنفتاح والإنتشار والتوسُّع. وهكذا فإنَّ العولمة الثقافية كونها عبارة عن ظاهرة تتأثّر بتجربة الحياة اليومية للناس وتعمل على نشر الأفكار والسلع على نطاقٍ واسع،كما تعمل على توحيد أشكال التعبير الثقافي والفكري والمعرفي في جميع أنحاء العالم، فهي تعتبر اتجاه نحو التجانس والتوافق والانسجام الذي سيجعل التجربة الإنسانية في كل مكان كما هي في الأساس دون رتوشٍ أو إضافات ، وذلك بسبب كفاءة وجاذبيّة ثورة الاتصالات اللاسلكيةّ المتطورة،والتجارة الإلكترونيّة الرائجة والرابحة جداً،والثقافة الشعبيّة العامة،والسفر الدولي أيضاً، ولكنّها أبعد ما تكون لجعل أي شيء أقرب إلى ثقافة العالم الواحد الواسع.
إن مفهوم الهوية الثقافية بشكلٍ عام يعرف من جهتين،الأولى جهة خارجية بدأت في الآونة الأخيرة مع العولمة وانتشارها وتعددت تعريفاتها على مستوى كافة المجالات المعروفة وما تمثله العولمة من محاولة لتنظيم أو إعداد نظام عالمي جديد، بكل ما يترتب عليه من هذا النظام من سلبياتٍ كبيرةٍ وخطيرة، تطال في معظمها بلدان العالم الثالث. أو الدول النامية.أما الجهة الثانية، فهي داخلية وتتمثل في ندرة المقاربات العلمية والموضوعية وحتى انغدامها وانسجامها في بعض البلدان بهذا الموضوع ،خاصة في دول العالم الثالث الفقيرة والتي تعاني ما تعانيه من فقرٍ وجهلٍ وتخلُّف . فالهوية الثقافية لا تكتمل إلا إذا كانت مرجعيتها جماع الوطن والأمة، والدولة والشعب ،بوصفها التجسيد القانوني والتشريعي لوحدة الوطن والأمة معاً،وكل من مسَّ بواحدةٍ من هذه الأسس هو مسٌ بالهوية الثقافية. 
في حقيقة الأمر لم تكن العولمة هي من أحدث هذه الموجة الجديدة من الفردانية التي يشهد عليها العالم. مع أنَّ الفردانية (Individualism) موقفٌ أخلاقيٌّ،وهي فلسفةٌ سياسيةٌ، أيديولوجياً،أو النظرة الاجتماعية التي تؤكد على القيمة المعنوية السامية للفرد في المجتمع . والفردانية تدعو إلى ممارسة أهداف الفرد ورغباته وتطلعاته لتكونَ قيمة مستقلة ومعتمداً على نفسه دون غيره.لكنَّ العولمة يعود إليها قطعاً دور توفير الحوامل لكيانتها،وترسيخها وقوننتها.أي تجعلها قانونية، مثلما يعود إلى مؤسساتها الدولية وتفرعاتها دور فرض احترام أحكام قوانينها التي سنت بالقوة والإكراه،وباسم القانون الدولي ومنظماته الدولية،على حساب حرمة منظومات القوانين التشريعات الوطنية والقومية والسيادات القانونية. والأصعب والأقسى من فرض تلك القوانين بشكلٍ قسري،فرض إلزامية تطبيقها بالقوةِ على الدول والبلدان كافة دون استثناء،ووضع أحكام وقوانين عقابيةٍ صارمةٍ لكلِّ انتهاك تأتيه الدول لتلك القوانين وتلك التشريعات. 
إنَّ المنطق السياسي للعولمة وما يتضمنه من أهداف تحملها بين طياتها تجاه الدول والمجتمعات التي يقع عليها فعلها كعولمة بكل استحقاقاتها ، كي ندرك بعمق الصلة الوثيقة التي تربط الفردانية (Individualism) بالعولمة (Globalisation) والمكانة التي تشغلها الفردانية في منظومة وآلية وسائل العولمة لفرض نفسها بقوة .فإذا أتينا على تفاصيل استراتيجية العولمة ومخططاتها نجد أنّ من أولوياتها ضرب المقاومات الوطنية التي تحمي الوطن وتحفظه من التجزئة والدمار والخراب التي تنتصب حائلةً في وجه العولمة واستحقاقاتها. وهذه لا تنهار أو تتآكل إلا إنَّ وقع محو الدولة الوطنية ومكوناتها وبنيتها وماهيتها أو إضعافها إلى الحد الذي تفتقر فيه ،إلى الحد الأدنى من الميكانيزمات الدفاعية أو الحفاظ على ما يمكن المحافظة عليه ،التي يتوازن به وجودها ويتأمن بقاؤها واستمرارها،لكن المستهدف الأوَّل من هذه العملية الإدماجية العولمية هم المواطنون الذين يعيشون ويشكِّلونَ المجتمع في الدولة في المقام الأول. إنها هي جمهور هذه العولمة الإلغائية الإقصائية وقاعدتها التي تتوجَّه إليها لتعظيم المصالح الفردية على المصالح العامة. ولأنَّ المجتمع لا تتماسك بنيته الداخلية،ولا يتحقَّق إدماجه وصهر قواه إلا بالدولة، فإنَّ استهداف الدولة في عمقها وبنيتها من مؤسساتٍ وهيئاتٍ وإداراتٍ ،هو غاية عن طريق تجفيف ينابيع القوة والتماسك الداخلي لدى المجتمع ،كي يسهل التهامه وهضمه واستيعابه وتسييسه.وكما يمكن للعولمة أن تنهش جسم وروح الدولة وهيكلها ،ومن المجتمع أو منهما معاً عن طريق تفجير التناقضات، وإحداث الفتن والمشاكل داخل الكيان الوطني الواحد،وإيجاد وتضخيم أيِّ حالةٍ من التناقضات التي تكونُ عادةً بين الدولةِ والمجتمع وتحريض قوى المجتمع ضد الدولة ومؤسساتها وإداراتها وهيئاتها،مثل التناقضات التي يمكن أن تكون داخل المجتمع ،وبين مكوناته الدينية الطائفية أوالمذهبية أوالعصبوية القبائلية والعشائرية،أو الإثنية،كذلك يمكنها أن تبلغ الهدف المعلن أو الهدف السري عينه ،عن طريق تنمية التناقض بين المواطنين والدولة، وبين الفرد والمجتمع بشكلٍ عام ، وتوسلها أداةً للضغطِ والتدخل القسري تحت عناوينٍ مختلفةٍ ناعمةٍ تبدأ باسم الدفاع عن حقوق الإنسان المعرَّضة للانتهاك من غير أن تنتهي بتفعيل مبدأ حق التدخل والعبث بمصير الشعب والدولة.وليس من شك لدينا في أنَّ الفردانية (Individualism) وفَّرت للاستراتيجيات العلمانية القادمة من الغرب الأوروبي مادةً مثالية لتحقيق أهدافها العلنية والسرية المرغوبة في الإخضاع الكلِّي لإرادة الهيمنة والسيطرة. ولقد حشدت في مهمتها تلك جيشاً مطهماً عرمرماً من القوى الليبرالية،والقوى النيوليبرالية،ومن منظمات المجتمع المدني، المدافعة عن الفرد وحقوق الإنسان ، وحرية الرأي والتعبير بشكلٍ عام ، قوة فاعلة وضاربة تنهض بمهمات في ذلك المشروع العولمي وتعويم فكرة الوطنية حتى تصبح قضية هلامية لا قوام لها. ويدخل في جملةِ هذه القوى التي تم حشدها من يعي اتصال دوره باستراتيجيات القوى العولمية الكبرى أصحاب الإرادات السياسية وأصحاب الكارتيلات الضخمة،والشركات عابرة القوميات،وعابرة القارات. ومن لا يعيه مطمئناً إلى أنه يؤدي مهمة إنسانية نبيلة.وفي هذا المجال لا ننسى ما قدمه عالم السياسة الأمريكي والمفكر المحافظ صاموئيل فليليبس هنتغتون Samuel Phillips Huntington))
 مؤلف كتاب (الجندي والدولة) ،وهو نظرية في السياسة والعلاقات المدنية ـ العسكرية الصادر عام 1957، ومؤلف كتاب بعنوان : ( من نحن ؟ تحديات الهوية القومية الأمريكية) الصادر عام 2004. وهنتغتون هو صاحب نظرية صراع الحضارات أو صدام الحضارات. The Clash of Civilizations)) .هذه النظرية التي تقول بصراعات مابعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والاقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة.
 كما أنَّنا لا ننسى العالِم والفيلسوف الاقتصادي السياسي يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما (Yoshihiro Francis Fukuyama)أمريكي الجنسية ياباني الأصل،مؤلف كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير. الصادر عام1992،والذي جادل فيه بأنَّ انتشار الديمقراطيات الليبرالية والرأسمالية ،والسوق الحرَّة في جميع أنحاء العالم، قد يشير إلى نقطة النهاية للتطور الاجتماعي والثقافي والسياسي للإنسان. كما ارتبط اسم فرانسيس فوكوياما بالمحافظين الجدد (المتطهرون Puritan) أو (البيوريتانية Puritanism)، ولكنه أبعدَ نفسه عنهم في فتراتٍ لاحقة.
هؤلاء كانت لهم أهم التنظيرات حول صراع الحضارات ونهاية التاريخ . والعمل على سيطرة البشر خارج حدود الليبرالية .والحق يُقال إنَ تسخير العولمة لتلك الشبكة الأخطبوطية من المنظرين والمفكرين والفلاسفة والمثقفين والقوى الليبرالية والمدنية. ومن جموع المواطنين المستهدفين الذين يعيشون داخل الدولة لم يكن وحده يكفي لكسب معركة الفردانية (Individualism) ضد المجتمعات والبلدان. صحيح أنها قوى ميدانية تعمل على المسرح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، وتؤلف حولها ستاراً من القواعد الاجتماعية والثقافية والمعرفية يحملها ويشكل ذراعها القوية الفاعلة. مع ذلك، كان على قوى العولمة واستطالاتها أن تجند أدوات وأوراق أخرى،مثل القانون الدولي،و(الشرعية الدولية)، وتحريك المجتمع الدولي وقواه،والاتفاقيات الدولية،التشريع والقرارات والقوانين السياسية،والضغط الاقتصادي،والابتزاز السياسي،واللعب على بنية المجتمع.فهذه أشدُّ خطراً وأسرع من غيرها لجهة إلزاميتها ولعوائدها السريعة التي تستهدفها.