( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 ما زلنا نعيش هذه الأيام ،حالةً استقراء متسارعة لإعادة هيكلة النظام العالمي الليبرالي الجديد ،الذي أرخى بظلاله على كل دول العالم.هذا النظام الذي غيَّر وجه العالم ما زال يتبدَّل ويتغيَّر .ومصطلح النظام العالمي الجديد ليس قديماً ،فقد تم استخدامه للإشارة إلى أي فترةٍ زمنيةٍ تاريخيةٍ اتسمت بتغير جذري وكبير في الفكر السياسي العالمي، وتوازن القوى الدولية على الساحة الدولية .
 في الحقيقة تختلف التفسيرات والتأويلات حول هذا المصطلح ،ولكنها ترتبط بالمدلول الأيديولوجي للحكم العالمي والهيمنة العالمية بصفةٍ خاصة. وهناك جهود جماعية ناشئة وساعية من أجل تعريف وفهم ومعالجة المشاكل التي يواجهها العالم على كثرتها وخطورتها،والتي يخرج حلها عن سعة الدول بمفردها ،ويتطلب تنسيقاً جاداً بين دول العالم ، وبالعودة إلى أصول فكرة النظام العالمي الجديد،فقد كان أحد أكثر الاستخدامات شيوعاً للمصطلح في ما كان يُعرَف بالمبادئ الأربعة عشر للرئيس الأمريكي وودرو ويلسون الذي شغل منصب الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة الأمريكية من عام 1913 إلى 1921. من الحزب الديمقراطي.فقد تضمنت مبادئ الأربعة عشر دعواتٍ لإنشاء عصبة الأمم المتحدة خلال وأعقاب الحرب العالمية الأولى المدمِّرة. كما استخدم المصطلح إلى حدٍ قليل عند وصف خطط هيئة الأمم المتحدة ونظام اتفاقية بريتون وودز(Bretton Woods) وهو الاسم الشائع لمؤتمر النقد الدولي الذي انعقد من 1 حزيران حتى 22 حزيران عام 1944 في غابات بريتون في نيوهامبشر بالولايات المتحدة الأمريكية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.ولكن تضاؤل استخدام هذا المصطلح بسبب مدلولاته السلبية جداً ، التي ارتبطت بفشل عصبة الأمم في منع قيام حرب عالمية ثانية. ولكن بقي العديد من المعلقين والمحلللين السياسيين والاستراتيجيين يستخدمونه في سياقٍ رجعي للإشارة إلى النظام الذي قامت عليهِ دول الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الثانية بإرسائه بعد انتهاء الحرب التي غيَّرت المعايير الدولية بشكلٍ كبير. كما ظهر استخدام المصطلح الذي تمت مناقشته على نطاقٍ واسع بعد نهاية الحرب الباردة ،فاستخدمه الرئيسان ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفيتي السابق ،والرئيس الأمريكي جورج بوش الأب لوصف طبيعة حقبة ما بعد الحرب الباردة ،وروح التعاون ما بين القوى العظمى في العالم الذين وضعوا الأمل في تحققه. 
ومنذ مدةٍ ليست ببعيدة ، نشر المجلس الأمريكي للشؤون الخارجية دراسةً موسعةً ومفصَّلةً ،تم اعتبارها من أهم الدراسات السياسية كتبها كلٌ من الدبلوماسي والسياسي الأمريكي السابق ريتشارد ناثان هاس ،الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة منذ تموز 2003، وقبل ذلك كان يشغل منصب مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية ، وتشارك الدبلوماسي الأمريكي ريتشارد ناثان هاس مع البروفيسور الأمريكي تشارلز كوبتشان أستاذ العلاقات الدولية والزميل الأول في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية بعنوان :(وفاق القوى الجديد، كيفية منع وقوع كارثة وتعزيز الاستقرار في عالم متعدد الأقطاب)، (وفاق القوى الجديد) أو The New Concert of Powers )) .هذه الدراسة تستدعي من التاريخ السياسي الأوروبي تجربة القرن التاسع عشر حينما جرى حدثان مهمان في أوروبا ، الأوَّل الثورة الفرنسية وما تبعتها من الحروب النابليونية وما نتج عنهما من تغيرات جذرية كبيرة في القارة الأوروبية القائدة للنظام العالمي،بما فيها الثورة الصناعية الأولى الكبرى، وبزوغ مجمع من خمس قوى، هي بريطانيا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا ، قامت بإدارة شؤون العالم معاً بخلق استقرار في القارة الأوروبية ، ومن بعدها إدارة نفوذها القوي في العالم من خلال الاستعمار وأمور أخرى اقتصادية واستراتيجية عالمية. هذه العملية سماها وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق هنري كيسنجر في كتاب (استعادة العالم A World Restored ) حيث كسب العالم الدنيا مئة عام من السلام، أو لتحري الدقة أكثر غياب الصراعات الدولية الكبرى في العالم،من نهاية عهد نابليون بونابرت في عام 1815 حتى نشوب الحرب العالمية الأولى.
    الباحثان الدبلوماسيان الأمريكيان ريتشارد ناثان هاس، والبروفيسور تشارلز كوبتشان، يريان أنَّ العالم يمر بلحظةٍ انتقالية مماثلة ،تتطلب خلق نظام يجري فيه وفاق بين مجموعة من القوى الدولية من أجل تنظيم جديد للعالم أكثر كفاءة وقدرةً وواقعية.مع أننا نشهد في هذه الفترة حالة خاصة من السياسة الدولية تعبِّر عن حالة انهيارات وتحولات متعددة في هيكلية النظام العالمي الليبرالي الأحادي الذي تزعمته الولايات المتحدة الأمريكية ،واستبدل النظام الدولي بنظام آخر متعدِّد الأقطاب.تلك السياسة ترافقت مع ما تعيشه العلاقات الدولية عبر الدول الأطلسية ودول الاتحاد الأوروبي التي تنذر بحدوث عملية تفكك الغرب الأوروبي، والنظام المؤسسي العالمي.وأنَّ هناك دعوات عديدة تعمل على سبر أغوار هذا الوضع العالمي الاستثنائي. ومن أبرز تلك المطالبات والدعوات،تلك التي تدعو لحل النظام الدولي الليبرالي الحالي،وحل النظام الدولي أحادي القطب الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية،واستبداله بنظام دولي آخر متعدد الأقطاب. بالإضافةِ إلى ما سبق، نجد أنَّ التوترات التي تشهدها العلاقات الدولية العابرة للمحيط الأطلسي، والتطورات المدمِّرة في الاتحاد الأوروبي، تنذر بحدوث تفكك لتحالفات الدول الغربية ونظم مؤسساتية كبيرة بشكلٍ عام. كما أنَّ هناك افتراضاتٌ عديدة تُشير إلى أنه تبعاً لذلك ظهرت العديد من الحركات المناهضة لذلك النظام العالمي الجديد في مناطق أخرى عديدة من العالم. وفي هذا المسار، فإنَّ محاولة جمهورية الصين الشعبية لإحياء نظامها الدولي التقليدي الخاص بها في المنطقة ،ونشر منتجاتها الاقتصادية في مناطق جديدة على نطاق عالمي،هي واحدة من أكثر الموضوعات التي يجب التوقف عندها. أيضاً نجد أنَّ جمهورية روسيا الاتحادية تحاول توسيع منطقة نفوذها الاقتصادي وتحديداً تجارة الغاز الطبيعي.مترافقة مع قيامها بتحركاتٍ عسكريةٍ توسعيةٍ مرةً أخرى في محيطها ،وخاصة أوكرانيا وجزيرة القرم. لذا فنحن أمام تطوراتٍ متسارعة تتناقض مع بعضها البعض في الوقت نفسه .
ومع تعثر نظام العولمة (Globalization) المكون من اقتصاد السوق الرأسمالي والسياسات الديمقراطية الليبرالية، والتي تعدُّ عمليةً تطبقها المنظمات، والشركات، والكارتيلات الكبرى ،ومجمعات الصناعات الحربية الضخمة ، والمؤسسات القوية بهدف تحقيق نفوذ دولي،أو توسيع عملها ليتحوَّل من محليّ إلى عالميّ. هنا يظهر أمامنا نموذج جديد آخذ في التبلور والظهور، يعمل على صهر الدولة السياسية والقومية الثقافية ،ويصهر الاقتصاد التجاري في وعاءٍ واحد له لونٌ واحدٌ واتجاهٌ واحد.
  هناك قضية غاية في الأهمية من ناحية الاستثمارات المالية الضخمة ،التي بدأت تتسرب باتجاه العديد من دول الشرق الأوسط،لأنَّ الأيدي العاملة زهيدة جداً،إضافةً إلى التسهيلات الضريبية من قِبَل الدول المستضيفة للمستثمرين،والاستثمارات الغربية. ليس هذا فقط، بل يمكننا اعتبار تدفق اللاجئين والمهاجرين من مناطق الشرق الأوسط وشرق إفريقيا نحو الغرب الأوروبي بسبب عدم الاستقرار والفقر والحروب الطاحنة. عاملاً في تغيير الوضع العالمي شيئاً فشيئاً.هذه القضايات واستحقاقاتها أزعجت الطبقتين المتوسطة والدنيا وأثرت على استقرارهما في الدول الغربية،مما أفضى إلى بعض حالات الانزعاج تجاه الدول والنظم الحاكمة في تلك الدول.
كما يمكننا أن نضيف إلى كل ما ذكرناه سابقاً،الدور الذي لعبه ويلعبه بعض رؤساء الدول الغربية وتحديداً من النخب القومية في البلدان المتطورة ،الذين يشعرون بالقلق إزاء فقدان الدول الغربية للسلطة الاقتصادية نتيجة للعولمة التي تساهم في تعويم الاقتصاد والثقافة ،وحتى التقاليد والعادات الشعبية،وفقدان التفوق العرقي (الإثني) والديني (الثيوقراطي) للرجل الغربي الأبيض، بسبب زيادة الهجرة من دول جنوب الكرة الأرضية . لقد طفى على السطح حالة من الخلافات البينية بين تحالف القوى السياسية التي شكلتها الطبقات الدنيا والمتوسطة في المجتمع الغربي، والتي يمكن تصنيفها أنها نابعة من نخبة قومية متحضرة تقف في مجابهة نخبة العولمة.وهذا ما يشير إلى حالة التغوُّل القومي الشعبوي في السياسة الغربية بشكلٍ تراكمي. وهو متجاوز للفكر الليبرالي الديمقراطي الحر . 
في شرقنا العربي بشكلٍ خاص .والشرق الأوسط بشكلٍ عام،نجد أنَّ الديناميكيات التي تقف مع الدولة وتعزز من موقفها وخاصة في المجال السياسي. هذه الدولة وهذا المنهج يختلف اختلافاً شبه جوهريا بينها وبين بنية ومفهوم الدولة في الغرب .إن العالم اليوم وبعد التجربة الطويلة لنمط من أنماط القطبية العالمية (القطبية الأحادية) الذي أثبت فشله في معالجة عدد من القضايا الدولية الجوهرية مثل قضايا الأرض والمناخ، والغازات المنبعثة والتلوث،واتساع طبقة الأوزون،ومشاكل عالمية أخرى،يتحمل مسؤوليتها وتفاقم ظواهرها واستتباعاتها وأسبابها القوى الدولية ،وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تخلَّت عن مسؤوليتها العالمية بطريقةٍ فجّة،وانسحبت من بعض الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتلك الظواهر العالمية،كان هذا في حقبة الرئيس دونالد ترامب،هذا بالإضافة إلى قضايا دولية أخرى كثيرة أثبت هذا النظام العالمي الأحادي المعاصر فشله الذريع في حلِّها ومعالجتها ،منها بعض القضايا السياسية الدولية العالقة والشائكة كالقضية الفلسطينية،على سبيل المثال لا الحصر.واتساع دائرة الصراعات حول العالم مثل كوريا الشمالية وإيران إلخ..، واستمرار توحُّش الرأسمالية التي خلفت أزمات اقتصادية عالمية خانقة، واستخدمت العقوبات الاقتصادية الجائرة ضد الدول المخالفة لاستراتيجيتها ومنهجها السياسي والاقتصادي، ما أثبت عجز هذا النظام العالمي في إحداث أي تغيير إيجابي لمعالجة تلك المشكلات، وبالتالي فإنَّ هناك حاجة عالمية ملحة لإيجاد نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يجابه تلك المشكلات،ويضع الحلول لها،ويجنِّب المجتمع الدولي محاولات الابتزاز واحتكار السلطة ،وفائض الجبروت والقوة الباطشة في العالم، ولا يستبعد نشوء نظام عالمي متعدد الأقطاب يتشكل الآن على أرض الواقع ستكون الصين أحد أقطابه.