( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
بعد سقوط الشرعية الدينية كأساس للحكم في أوروبا والذي دام سنواتٍ طوال من عمر الحركة السياسية الدينية الكنسية ،أصبح من الضروري البحث عن شرعية أفضل بديلة يقوم عليها الحُكم السياسي ،وتتحدد على أساسها مسؤوليات الحاكم والمحكوم والعلاقة المتبادلة بينهما على وجه الدقة،والواجبات والحقوق المترتبة على كلٍ منهم. لذلك ظهر العديد من المفكرين والفلاسفة وكبار المثقفين النوعيين الذين عملوا على إيجاد ميثاق شرعي جديد يحكم العلاقة بين الطرفين،وهي علاقة ارتباط تاريخي لا انفصال لها.وكان من بين هؤلاء المفكرين الذين سعوا لإيجاد هذا الميثاق الفيلسوف السويسري جان جاك روسو الذي طرح فكرة العقد الاجتماعي إلى جانب مجموعة أخرى من المفكرين التنويريين أمثال (توماس هوبز Thomas Hobbes) و( جون لوك. (John Locke 
فقد ترك لنا الفيلسوف والكاتب والمحلل السياسي السويسري (جان جاك روسوJean-Jacques Rousseau) ) (28 حزيران 1712م ـ 2 حزيران 1788م) كتاب (العقد الاجتماعي) الذي يعدُّ أحد أهم الأسفار الفكرية التي كُتبت في عصر النهضة والتنوير في الغرب، وهو الذي أثّرت أفكاره السياسية في الثورة الفرنسية،وفي تطوير الإشتراكية ونمو القومية. وتعبِّر مقولته الشهيرة عن توقه للحرية ورفض العبودية والقيود المكبلة حيث يقول : (يولد الإنسان حراً ولكننا محاطون بالقيود في كل مكان). هذه المقولة التي كتبها في أهم مولفاتة (العقد الاجتماعي).والتي تُعدُّ أفضل تعبيرٍ عن أفكاره الثورية،وربما المتطرفة.ويُعدُّ كتاب (العقد الاجتماعي) من أهم الكتب الفكرية التي كُتبت في عصرالتنوير والنهضة في الغرب.
من هنا.فإنَّ العقد الاجتماعي يعتبر القانون الناظم للحياة العامة ،وهو نتيجة (الإرادة العامة) وليس الباعث عليها،وبهذا المدلول فإنَّ (سيادة الشعب) وممارسة الإرادة العامة يختص بتقرير المصالح العامة ومصدر السلطة الحاكمة القائمة،فكما ارتبط تقرير المصلحة والقانون والشرع في عصر الظلام والجهل والتخلف بالكنيسة والملوك،ارتبطت إرادة الشعب وفق مبدأ (سيادة الشعب) بتقرير الشعب للمصالح والسلطات الحاكمة معاً.وهذا هو المطلوب والهدف المنشود من مدلول (سيادة الشعب) في كل نظام يحكم الشعب نفسه بنفسه،ولو لم يكن هذا هو المراد والهدف المنشود من (سيادة الشعب) لما تم فصل الدين وسلطة الملوك عن الحياة والدولة في أوروبا ،من هنا تعالت الأصوات في عالمنا العربي والإسلامي بأنَّ الغرب في اتجاهه فصل الدين عن الدولة إنما يهدف من جعل الدعوة إلى الديمقراطية في بلاد المسلمين جزء من حملة الغرب لعزل الإسلام عن الحكم. وأنه لا يمكن فصل الديمقراطية و (سيادة الشعب) عن مسألة ( السلطة والحاكمية)، لأنَّ حكم الشعب يعني رعاية مصالح الشعب من قبل الشعب نفسه،ورعاية المصالح توجب بمقتضى سيادة الشعب. أيضاً من حق الشعب في أن يمارس الإرادة في تقرير المصالح والحكم على الأفعال والأشياء معاً .وهذه مسألة حاكمية لا مسألة حكم. هذه وجهة نظر لا يمكن إغفالها لأنها أساس في بنية إدارة الدولة .
لم تكن فكرة فصل الدين عن الدولة وليدة أفكار جديدة . بل تعود إلى فكرة العلمانية التي تشير إلى الرأي القائل بأنَّ الأنشطة البشرية والقرارات والبيانات ،وعلى وجه الخصوص القرارات السياسية يجب أن تكون خاضعة لتأثير المؤسسات الدينية .في حقيقة الأمر تعود جذور العلمانية إلى الفلسفة اليونانيّة القديمة، لفلاسفة يونانيّين كبار أمثال الفيلسوف اليوناني إبيقور،غير أنّها خرجت بمفهومِها الحديث والمعاصر خلال عصر التنوير الأوروبي،على يد عددٍ من مفكّري عصر التنوير من أمثال الفيلسوف التجريبي والمفكر السياسي الإنكليزي ( جون لوك John Locke) ،والفيلسوف والكاتب الفرنسي الموسوعي (دينس ديدرو Denis Diderot) ، والكاتب والفيلسوف الفرنسي (فرانسوا ماري آروويه (François-Marie Arouet‏ الملقب بـ فولتير .والفيلسوف الهولندي (باروخ سبينوزا Baruch Spinoza) وهو من أهم فلاسفة القرن السابع عشر .والمفكر السياسي( جيمس ماديسون الإبن James Madison, Jr. ) وهو رابع رئيس للولايات المتحدة الأمريكية والمعروف بأبي الدستور الأمريكي .والمفكر الأمريكي والمنظر السياسي الثوري الناشط (توماس بين Thomas Paine ) وهو من أبرز فلاسفة التنوير في الولايات المتحدة الأمريكية .
كما تعود جذور العلمانية التي تبلورت على يد عدد من أعلام الفكر الحر خلال العصر الحديث من أمثال الفيلسوف وعالم المنطق والرياضي والمؤرخ والناقد الاجتماعي (برتراند أرثر ويليام راسل Bertrand Russell).والناقد الأدبي والديني والاجتماعي الصحفي البريطاني الأمريكي (كريستوفر إيريك هيتشنز Christopher Hitchens)  
لقد ترجم مفكرون إسلاميون مصطلح ( العلمانية ) من أجل استخدامها في توجهاتهم وأعتمدتها مجامع اللغة في الوطن العربي بدون إدراك المقصود للمعنى الحقيقي في ذلك الوقت مثل كلمة (التنوير)، والحقيقة أنّ مفهوم (فصل الدين عن الدولة) هو أن تهتم الدولة بشؤون التنمية المجتمعية مثل: تنظيم التجارة والاقتصاد والتعليم والصحة وقوانين البناء، والمرور والتعمير ،وتنظيم التعاون السياسي مع الدول الأخرى، وإقامة العلاقات الدولية..
لقد اتجه بعض المفكرين العرب باتجاه اعتبار ممارسة الإرادة العامة في الدولة إما أن تكون حرّة طليقة ودون قيود ويكون فيها الشعب هو القائد الأول والرئيس. ويتم تمثيله حسب بعض الآراء الإسلامية بـ (الرب ). أو تكون مقيدة ويكون فيها الشعب عبداً. وبهذا وحسب رأي بعضهم ( يكون الشعب عبدا لله وهو رب في التشريع).لهذا وجد القادة والحكام في البلاد الغربية اللذين يتبنون الديمقراطية ،يُرجعون في المصالح الكبرى للشعب والدولة إلى الاستفتاء الشعبي كقضية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) التي قادها (دَيفيد وليام دونالد كاميرون David Cameron) وأكدتها تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا في قولها: (دعونا نصوِّت غدا على إجراء انتخابات، ونضع خططنا قُدماً من أجل الخروج من الاتحاد الأوروبي،وبرامجنا البديلة للحكومة، وعلى الشعب أن يقرّر)، وهكذا قدّم الرئيس التركي طيب رجب أردوغان رأيه في الديمقراطية كما فهمها عندما صرَّح بأن من يقرر بشأن عقوبة الإعدام في تركيا والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هو الشعب.من هذا المنطلق قال العديد من القادة العرب أنّ (الأمر النهائي للشعب). كما قال الرئيس المصري محمد السيسي عندما استلم دفة الحكم في مصر بعد الرئيس السابق محمد مرسي ( الشعب يأمرني ويفوضني ). وتحت هذه المقولة طرح الرئيس الراحل محمد مرسي إقرار الدستور للاستفتاء الشعبي.كما تنازل راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية عن الحكم للعلمانيين. فحكم الشعب أو حاكميته وتقريرالإنسان للمصالح يقع في قلب معادلة السلطة والحكم وحرية الإرادة والحق، باعتبار أنّ الإرادة العامة ،هي بديل إرادة الخاصة و(التفويض الإلهي) في تقرير نظام الحكم وتقرير المصالح هذا من جهة. من جهة أخرى يبدو أنَّ فكرة (التفويض الإلهي) التي تم استبدال (سيادة الشعب) بها هي فكرة تستند إلى أساس فلسفي وآخر ديني.
أما الأساس الفلسفي فهو (نظرية الفيض) التي أسّسها الفيلسوف السكندري أفلوطين ( 205؟ -270؟ م)،وهي من أهم النظريات الفلسفية اليونانية التي لعبت دوراً كبيراً في تأسيس الطرح الفلسفي الذي قدّمه فلاسفة المسلمين في مباحث الفلسفة الثلاثة:الوجود،والمعرفة،والقيم،أولئك الفلاسفة الذين حاولوا بدورهم التوفيق بين هذه النظرية والدين الإسلامي.وجوهرها أن الفلاسفة هم (فيض من نور الله) وهم خير البشر بارتباطهم بالأنبياء والملوك، وأما الأساس الديني فهو ما فرضته الكنسية من مزاعم وتبريرات التي أعطت وتعطي الملوك حق القوامة على المجتمع ،باعتبار (الأبوة)، أي أبوة( آدم) للبشرية ومسؤوليته الرعوية على أبنائه.ومن خلالها تم استعباد الشعوب، وفي هذا المسار نقض الفيلسوف السويسري جان جاك روسو (حق الاستعباد) المزعوم ونادى بـ (سيادة الشعب) ،وما تستبطنه من حاكمية الإنسان وتقريره للمصالح العامة .لأن حكم الشعب أو حاكمية الشعب وتقرير المصالح العامة تُفهم بالمقارنة مع ما قدمه الفيلسوف جان جاك روسو لأنه يتحدث عن وجهٍ معين في ممارسة الإرادة الحاكمية ،وهو تقرير الشعب للمصالح العامة. وعليه فإن مفهوم (سيادة الشعب) وممارسة الإرادة العامة عند الغرب ليس منسلخاً أو مجرداً عن تقرير الشعب للمصالح العامة والقوانين والتشريعات الناظمة ،لأن سيادة الشعب وممارسة الإرادة العامة تقوم بالدرجة الأولى على (الحق) وتُمارس بالحريات.فإذا تم سلب الشعب حقه في تقرير مصالحه العامة تنعدم سيادته، وإذا مارس إرادته في تقرير مصالحه العامة يتناقض مع الإسلام في جوهره. .
لقد دعا ( مارسيل البدواني ) في مؤلفه بعنوان : ( المدافع عن السلام ) في القرن الثالث عشر إلى الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية ،واستقلال الملك عن الكنيسة،في وقتٍ كان الصراع الديني الدنيوي بين بابوات روما وبابوات أفنيون في جنوب فرنسا على أشدّه، ويمكن تشبيه هذا الصرع الحاد بالصراع الذي حصل بين خلفاء المسلمين في القاهرة من جهة ، وخلفاء المسلمين في بغداد من جهة ثانية .وبعد قرنين من الزمن، أي خلال عصر النهضة في أوروبا ،كتب عالم اللاهوت والفيلسوف غيوم الأوكامي حول ضرورة وأهمية فصل الزمني عن الروحي، فكما يترتب على السلطة الدينية وعلى السلطة المدنية أن يتقيدا بالمضمار الخاص بكل منهما، فإنّ الإيمان والعقل ليس لهما أي شيء مشترك وعليهما أن يحترما استقلالهما الداخلي بشكل متبادل .
 في الختام نجد أنَّ مفهوم (سيادة الشعب) وممارسة الإرادة العامة عند الغرب ليس مجرداً أو منسلخاً عن تقرير الشعب للمصالح والقوانين والتشريعات ، لأن سيادة الشعب وممارسة الإرادة تقوم على (الحق) وتُمارس بالحريات وهو فصل المقال في هذا المقام .