( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لم تستقر حالة المناخ في كرتنا الأرضية بعد أن ازدادت حالة الاحتباس الحراري التي أدَّت إلى عقد اتفاقية الأمم المتحدة لتغيير المناخ في العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو عام 1992 م ،وما تلاها من مؤتمرات أطراف (Conference of Parties – COPs) تعقد سنوياً في واحدة من الدول الأعضاء في (UNFCCC) الاتفاقية اعتباراً من شهر آذار1995م،حيث عقد أول هذه المؤتمرات في العاصمة الألمانية برلين – مؤتمر الأطراف هذا يقوم بعمل استقصاء مبدئي لحساب العائد والتكاليف (Cost and Benefit analysis)،مرفقاً بنوع من الدراسات التحليلية تسمى (تحليل الفجوة( Gap analysis وتحليل الفجوة يقع ضمن مفهوم الإدارة الحصيفة للموارد وحساباتها ، فإن مفهوم (تحليل الفجوة Gap analysis ) يعني مقارنة الأداء الفعلي بالأداء الممكن تحقيقه أو المطلوب تنفيذه على أرض الواقع . فإذا لم تستخدم المؤسسة الموارد الحالية التي بحوزتها على أفضل وأكمل وجه وبطريقة علمية مدروسة ، أو تخلت عن الاستثمار في رأس المال أو التكنولوجيا المتطورة الحديثة والمعاصرة ، فقد يأتي حصادها دون المتوقع أو دون الهدف المرسوم . وحين تتم العملية، فسيتوضح كل شيئ بصورة أولية، فقد استفادت الدول الجزرية استفادة قصوى من تلك الدراسات والتقارير الدولية الهامة ، بخاصة الدول الجزرية التي تتركّز في جزيرة أو جزيرتين رئيسيتين مثل : المملكة المتحدة وتوباغو وترينيداد ومالطا ونيوزيلندا وسنغافورة وكوبا والبحرين وتايوان وآيسلندا. وتنتشر بلدان جزرية أخرى على المئات أو الآلاف من الجزر الصغيرة، مثل إندونيسيا والفلبين وجزر الباهاماس وجزر المالديف وسيشل. إنَّ معظم هذه الدول تستفيد استفادة كبيرة جداً من التقارير الدورية الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية لتغير المناخ (IPCC) التي بحثت في أهم قضاياها وتناولت مصيرها المهدّد بظواهر التغيرات المناخية من فياضانات وأمطار غزيرة وزلازل وبراكين زاحتباس حراري يقتل الزرع والبشر والحيوانات ، وثبّتت حقوقها في كل مفصل من مفاصل قضايا التفاوض المناخي الجاري منذ عام 1995 م وأصبحت لها حظوة كبيرة خاصة لدى الدول المتقدمة،فيما خص برامج التمويل الموجهة،خصوصاً للتكيف (Adaptation)،وقبل برامج التمويل الموجهة تلك نجد أنَّ(خصوصية التكيّف Adaptation) لمشاريع آلية التنمية النظيفة(Clean Development Mechanism – CDM)،وغيرها من المزايا والخصائص والتسهيلات التي حولتها إلى قوة تفاوضية كبيرة وتصويتية مهمة لا يمكن إغفالها في كافة مستويات صناعة القرار الدولي الخاصة في مجال المناخ.
      أما الدول الجزرية الصغيرة النامية (Small Island Development States،أو بعض الإمارات الجزرية كما هو مسمّاها الرسمي، هي مجموعة الدول النامية الجزرية الصغيرة التي تتشارك في تشابه ظروفها الموضوعية وذلك لأنها محدودية الموارد والإمكانيات ،والانكشاف الكلي أمام الكوارث الطبيعية والجائحات ،والصدمات الخارجية، والبيئات الهشة الضعيفة الآيلة للسقوط ، فضلاً عن تماثل أهدافها التي رسمتها بعناية كبيرة.تلك الأهداف مكرَّسة لمواجهة تحديات التنمية المستدامة. وقد تم الاعتراف بالدول الجزرية الصغيرة النامية مثل الرأس الأخضر،وجزر القمر ،وغينيا ـ بيساو ، وجزر المالديف .لقد تم الاعتراف بها لأول مرة كمجموعة متميزة من البلدان النامية في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية في يونيو 1992 م .واعتباراً من عام2020 م ،أدرجت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة 52 دولة جزرية صغيرة نامية، تتوزع على ثلاث مناطق جغرافية. فمثلاً الدول الجزرية الصغيرة النامية في المحيط الهادئ (مثل كيريباتي،وتوفالو،وبالاو،وماريانا الشمالية ،وناورو،وجزر مارشال، ونيوي) والبحر الكاريبي(مونتسيرات وأنغويلا).العكس صحيح بالنسبة للدول النفطية الأعضاء في اتفاقيات المناخ. فبعد نشر موضوع (قاعدة التصويت كمعوق في مفاوضات المناخ)،لم تجد الدول العربية النفطية في موقع مهم . لقد أصبح أول تطبيق عملي وملزم لاتفاقية الأمم المتحدة لتغيير المناخ في العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو عام 1992 م رسميا من خلال بروتوكول كيوتو، الذي اعتُمد في عام 1997 م.ودخل حيّز النفاذ في عام 2005 م، وصدّق عليه 192طرفاً لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تصدّق على البروتوكول أبداً. وفرض البروتوكول على سبع وثلاثون بلداً من البلدان المتقدمة خفض الانبعاثات الحرارية بمعدل عام يبلغ خمسة في المائة مقارنة بعام 1990 م وخفض بمعدل ثمانية بالمائة للاتحاد الأوروبي في الفترة الممتدة من عام( 2008م إلى 2012م.( أما بقية البلدان فلم تلتزم بمعدل محدّد بل تم إشراكها في عملية مكافحة تغيّر المناخ عبر الآليات التحفيزية المتبعة.وتم تمديد بروتوكول كيوتو في أثناء انعقاد المؤتمر في العاصمة القطرية الدوحة، مع فرض هدف يتمثل في تقليص الانبعاثات العامّة لغازات الدفيئة في البلدان المتقدمة بمعدل ثمانية عشر بالمائة على الأقل بين عامي (2013 و2020م)وتعرف هذه الفترة بفترة الالتزام الثانية مقارنة بمعدلات الانبعاثات لعام 1990م.وتم التوصل إلى حل وسط نهائي بتحفيز ودافع من الاتحاد الأوروبي الذي ربط تمديد الالتزام ببروتوكول كيوتو باعتماد خريطة طريق لإبرام اتفاق عالمي. وعليه التزمت الاتحاد الأوروبي وفرنسا بالمشاركة في فترة الالتزام الثانية لبروتكول كيوتو اعتبارا من 1 كانون الثاني 2013م. وكان الاتحاد الأوروبي أول من أعلن هدفه في نيسان 2012، وهو خفض انبعاثات غازات الدفيئة والتخلص من مسببات الاحتباس الحراي التي يتسبّب بها بمعدل عشرين بالمائة لفترة الالتزام الثانية.غير أنَّ محدودية البروتوكول وضيق أفقه في التعامل مع معظم دول العالم ظهرت في نهاية الأمر بعض المواقف السلبية حيث انسحبت جمهورية روسيا الاتحادية واليابان ونيوزيلندا وكندا من البروتوكول. ومن ثم كان لا بد من وضع صك قانوني طموح وملزم للجميع ويسري على الجميع دون استثناء ليحل محل بروتوكول كيوتو. وكان هذا هو هدف مؤتمر الأطراف الذي عقد في العاصمة الدانماركية كوبنهاغن في عام 2009، والذي تم تأكيده مجددا في مدينة (كانكون) المكسيكية في عام 2010م، ثم في مدينة ديربان في جمهورية إفريقيا الجنوبية في عام 2011.
الدورة التاسعة عشرة لمؤتمر الأطراف فقد عُقدت في العاصمة البولندية وارسو (COP19) في تشرين الثاني 2013م،وحقّقت تقدما ملحوظاً في دعم البلدان الأضعف والأقل نمواً،إذ وضع المؤتمر اتفاقا لتمويل مكافحة تغيّر المناخ والتقليل من الاحتباس الحراري .لقد اجتمع الآلاف من قادة العالم والمفكرين والمبتكرين والنشطاء في مدينة كاتوفيتسا في بولندا لوضع خطة عملية جماعية كفيلة بجعل الالتزامات المصيرية التي تم الاتفاق عليها في موتمر باريس واقعاً ملموساً ومجسداً على أرض الواقع.وأساسيات الاتفاقيات هي اتفاقيات الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيير المناخ ، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة،والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية،الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ، مؤتمر الأطراف 24، بروتوكول كيوتو، واتفاق باريس ... إلخ . 
أما في مؤتمر القمة المعني بالمناخ، الذي نظّمه الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون في نيويورك، في 23 أيلول 2014، فقد أحدِثَت العديد من المبادرات القطاعية أو تم تجميعها معاً ، سواء في مجال الطاقة أو النقل أو الغابات أو الزراعة. وتعتبر جميع هذه المبادرات جزءا من برنامج الحلول التي تم رسمها ، الذي ترغب الرئاسة الفرنسية للدورة الحادية والعشرين لمؤتمر الأطراف في تعزيزه وربطه بالاتفاق المقرّر إبرامه في عام 2015م. تسهم هذه المبادرات بتغيير المفاهيم والآراء ووجهات النظر المتعلقة بالمفاوضات بشأن المناخ، إذ تُبيّن أن الأمر الأساسي هو ليس تشاطر العبء بل تشاطر الفرص السانحة للجميع .
أما فرنسا فقد استنفرت كل طاقتها في كانون الأول 2014، في الدورة العشرين لمؤتمر الأطراف في ليما، التي مثّلت مرحلة حاسمة جداً لإبرام اتفاق عالمي لمكافحة تغيّر المناخ في العاصمة الفرنسية باريس، في كانون الأول 2015.
هناك قضية أخرى في غاية الأهمية والخطورة وعلينا أن نعيرها كامل الاهتمام ، يمكن أن نعتبر أن الدول النفطية، وبضمنها بلداننا العربية، أخفقت في جعلها قضية محورية وأساسية على طاولة مفاوضات المناخ، وهي قضية تعويض الدول النفطية عن خسائرها الهائلة جداً جراء التحول العالمي من الطاقات التي يتم انتاجها بواسطة مصادر الوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم) إلى الطاقات المتجددة أو الطاقات النظيفة. لقد طرحت المملكة العربية السعودية، فكرة إنشاء صندوق تعويضات (Compensation fund ،تقوم الدول الغنية بموجبه، بدفع تعويضات مالية لمنتجي النفط نظير قيامها بتخفيض استهلاكها من النفط لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري والغازات المنبثة. وقد أعادت المملكة العربية السعودية طرح هذه القضية بقوة في مؤتمر الأطراف الخامس عشر الذي عقد في العاصمة الدانماركية كوبنهاجن عام 2009م.لكن كل تلك المحاولات لم تلق الاهتمام من الكثير من مجموعات التفاوض المختلفة، بما في ذلك مجموعة ال 77+ الصين، وهي أكبر مجموعة تفاوضية عرفناها في الأطر التفاوضية لاتفاقيات المناخ. حيث تمت مجابهتها بصدود وردود فعل معاكسة، ليس فقط من جانب دول الاتحاد الأوروبي التي تناوئ الوقود الأحفوري وترفضه، وإنما من جانب العديد من الدول النامية التي تستهلك مصادر الطاقة الأحفورية بشكلٍ كبير.