( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
إذا كانت الثقافة العربية هي أشكال الوعي الموروث والمنتج، المكتوب والشفوي، التي تعبّر عن واقع المجتمع العربي، وعن واقع وهموم الإنسان العربي الحديث، فإن مكوناتها بالتالي هي كل أشكال التعبير اللغوي والرمزي المتداولة في الساحة الثقافة العربية، من شعر ورواية وقصة ومسرح وتشكيل وسينما وعلوم اجتماعية وإنسانية وغيرها، وسيكون من المفيد تحليل وتشريح هذه المكونات وإبراز بنياتها والقوانين الأساسية التي تحكم تطورها. ولعل بالإمكان تصنيف هذه المكونات في ثلاث خانات كبرى هي: الخانة الأولى: الآداب والفنون وكل أشكال التعبير الرمزي أو ما يسمى بالثقافة العالمة. الخانة الثانية: العلوم الاجتماعية والإنسانية وكل المقاربات التي تستعمل الأدوات النظرية والإجرائية في البحث العلمي. الحالة الثالثة: الثقافة الشعبية كوعي تلقائي والتي تشكل نوعاً من رؤية العالم المتداولة والمتوارثة لدى عموم الناس، والتي تشكل أيضاً ما يمكن أن ندعوه بالمتخيل الثقافي الشعبي. هذا من حيث مجالات وأنواع الثقافة، أما فيما يخص وسائل الإنتاج والتداول الثقافي فيتعين البحث في دور السينما الثقافية الرسمية فيها وغير الرسمية. والبنية التحتية للثقافة (معاهد، دور النشر السينمائي والتلفزي...). إضافة إلى البحث في أشكال التواصل الثقافي والفكري بين مشرق الوطن العربي ومغربه. لأننا نستهدف تحليل مكونات الثقافة العربية وآلياتها وبنيتها. من أجل تحليل وظائفها الرئيسية في تأطير الوعي العربي والهوية العربية. وأدوارها في مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية أو التبشير بها ودفعها نحو المزيد من التطور والتقدم. وكذلك دورها في تأطير الوعي العربي والدفع به نحو إدراك التحولات الفكرية الحافزة على التغيير، ومقاومتها لأشكال العطالة والاجترار. إذ من المؤكد أن للثقافة دوراً طليعياً في تحريك سواكن المجتمع وثوابت الأفكار والقيم. وهو ما يعطي لكل ثقافة فاعلة مشروعية الوجود، خاصة وأننا شهدنا في العام الماضي احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية. كما نشهد اليوم مدينة القدس عاصمة للثقافة العربية، إضافة إلى أن كل الحواضر العربية هي مدن للثقافة، حيث أنه من الثابت أن الثقافة العربية قد تجاوبت مع حركة المجتمع مداً وجزراً وواكبت تحولاته وانتكاساته، وكانت رائداً في ضرورة التمييز بين مجالات المقدس ومجالات الدنيوي والسلطوي في الممارسة الاجتماعية. من هنا يحق لنا التساؤل حول علاقة الثقافة العربية الراهنة بالمجتمع الذي تعبّر عنه.وبالطبقات والشرائح والفئات الفاعلة التي تفرزها. وبالتحولات وأشكال التغيير التي يعرفها المجتمع العربي. وبدورها في التنشئة الاجتماعية للأفراد. وفي بلورة حقوق الإنسان والمواطن والدفاع عنها، وفي تحرير المرأة وإخراجها من دونيتها، وفي تطوير حساسية التلقي الجمالي لدى الإنسان العربي تجاه أشكال التعبير الحديثة، إلى غير ذلك من القضايا التي تجسد الدور الإيجابي الفاعل للثقافة على مختلف الأصعدة الاجتماعية والسياسية والثقافية. يرتبط بهذه الوظائف كذلك مسألة إبراز دور الثقافة العربية في إيقاظ المجتمع والوعي على تحولات الزمن المعاصر، وفي تحديثهما لتصبح الجماعة العربية على وعي بالتحولات الكمية والكيفية التي تداهم بعنف كل المجتمعات اليوم. وهذا يقتضي التساؤل عما إذا كانت الثقافة العربية الراهنة أداة تحديث وتطوير للمجتمع والفكر أم أداة تكرار ومحافظة واجترار.
كما يطرح على الثقافة العربية الراهنة مهام استشراف آفاق تطور المجتمع العربي، وعلى وجه الخصوص في بداية خسوف النظم والنماذج الاجتماعية والفكرية العالمية، وهو ما يطرح على هذه الثقافة تحديثاً كبيراً يتمثل في خلق أنموذج عربي للتحديث الاجتماعي والفكري.
كما أنه لا بد من القول إن المثقفين العرب يشكلون طليعة الأمة وروادها الحقيقيين وبناة تراثها وحاضرها ومستقبلها. فنشاطهم الثقافي الإبداعي الخلاق يساهم بدرجة كبيرة في بناء حضارة الأمة إذا توفر لهم جو الحرية الخلاق لإبداعهم وعطائهم.إن المثقفين هم الذين يحملون ضمير الأمة وتطلعاتها وهمومها، وهم الذين يقع عليهم العبء الأكبر بالدفاع عن أهداف الأمة ومستقبلها. إن واجب المثقفين العرب ازدادت أهمية وصعوبة في الوقت نفسه خاصة ونحن نعيش حالة من التدهور العربي المتمثل في النظم العربية وهي نظم قطرية في إعلامها وثقافتها وسياستها.
إن أولى الإشكاليات التي تحول دون ممارسة المثقف العربي لدوره وتشكيل عقبة في طريق هذه الممارسة، نخبوية الثقافة والمثقفين، هذه النخبوية التي تعبّر عن وجودها بشكل قطيعة بين المثقف والناس والعاديين الذين يفترض أن المثقف يتكلم باسمهم. والإشكالية الثانية التي تواجه المثقفين العرب وتقلل فاعليتهم هي عدم تحديد الأوليات. وعند إلقاء نظرة عامة على النتاج الثقافي العربي منذ عصر النهضة يتبين أن المسألة الوطنية وفحواها تحقيق الكيان القومي وبناء الوحدة العربية. قد توازي المسألة الاجتماعية، التي تطمح لبناء مجتمع العدالة الاجتماعية والقضاء على الاستغلال. وقد هدرت جهود كبيرة لإثبات أولوية إحدى هاتين المسألتين وأهميتها تجاه الأخرى. ويبدو أن عدداً كبيراً ومتزايداً من المثقفين أخذ يدرك ـ ولو بشكل نسبي ومتأخر ـ أن هاتين القضيتين وجهان لعملة واحدة، حيث لا ينفصل العمل من أجل تحقيق الوجود القومي وإعادة الوحدة لأجزاء الأمة المفتتة عن العمل من أجل خلق نظام اجتماعي يكفل العدالة والحرية للجميع. وبالمناسبة تؤكد الخبرة التي قدمها لنا التاريخ أنه لم يكن بالإمكان حدوث تغيير، إصلاحاً كان أم ثورة دون التفاف الناس حول عقيدة تمثل مشروعاً قومياً أصيلاً، ومن واجب المثقفين خلق اللحمة بين من لهم مصلحة بالتغيير.
تتجلى خصوصية المثقف العربي في تمسكه بأصالته ومواقفه الفكرية الثابتة. وفي مواكبته لحركة الثورة العربية. وفي إلحاحه المستمر على ضرورة توفير المناخ الديمقراطي في حقل السياسة والثقافة كضرورة لا بد منها من أجل تحرير المجتمعات العربية على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
إن المهمة الملقاة على عاتق المثقف العربي هي إعادة الاعتبار للثقافة العربية عن طريق الخروج من دائرة التشرنق الثقافي القطري، ورفض التجزئة الثقافية التي تفرضها بعض الأنظمة العربية كجزء متمم للتجزئة القطرية. ودور المثقفين العرب لا يقتصر على مرحلة محددة أو المشاركة لمرة واحدة في فعاليات دمشق عاصمة للثقافة العربية، أو القدس عاصمة للثقافة العربية أيضاً بل إن الدور الثقافي التاريخي مستمر وغير متقطع أو متوقف عند المفاصل التاريخية الكبرى. ويعتبر تجاوز المثقف للواقع المأزوم الذي وجد نفسه فيه تحت تأثير مجموعة كبيرة من البنى السائدة التي تضغط على وعيه وإبداعه، من أجل الانخراط في الواقع الميداني للتصدي لكل أشكال التغريب ولكل أشكال دفع البعض إلى التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني، شرطاً لا بد منه كي يتخلص من حالة الاستلاب، التي فرضتها أو قد فرضها أنظمة تحاول الاستغناء عنه وإقصاءه. ومع ذلك لم تلعب الثقافة العربية الدور الذي كان من شأنه أن يجعلها حرة ومحررة، والذي كان من شأنه إعطاء المثقف صفته الفعلية كرجل طليعي وكمناضل، ولم تجعل المشروع السياسي ينبثق عنها بل اتبعت هي الخط والبرنامج السياسي، ففقدت طابعها كثقافة، وفقدت صلتها بالمجتمع وتحولت إلى تابع.
إذا استثنينا عهود الانحطاط، فإن الثقافة العربية ظلت دوماً حية وفاعلة، بل كانت لعهود طويلة ثقافة رائدة في العديد من المجالات، بخاصة في عصر ازدهار الحضارة العربية. واليوم يعود العرب، بعد أن تخلصوا من الاستعمار القديم، ـ على الرغم من الاحتلال الأمريكي للعراق ـ، لمواجهة امبريالية جديدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، في وقت يتطلعون فيه نحو مساهمة حضارية فاعلة. ومن المؤكد أن التطلع إلى المساهمة الحضارية لن يتم إلا عبر خروج الثقافة العربية من عزلتها وجمودها، وفتح أبواب التفاعل والتلاقح مع الثقافات العالمية وخاصة منها ثقافات الشعوب المتقدمة. شرط أن يتم ذلك في إطار الوعي بحقيقة المرحلة التي تمر بها الأمة العربية والمساهمة الفعالة في مقاومة الهجمة الاستعمارية الجديدة.