لم تتوقف العبارات التي تصفنا نحن العرب بأننا أمة لا تقرأ، على الرغم من أن ما نزل على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ). سورة العلق. لقد أجريت العديد من الدراسات والاحصاءات التي تبحث في هذا الخصوص، كما قامت العديد من المؤسسات ومراكز الأبحاث المتخصصة باللغات والتربية المجتمعية بإجراء مقارنات تؤيد الرأي القائل بضرورة التعليم التي تشمل القراءة والكتابة التي وردت على صيغة أمر في القرآن الكريم وبعضها رفض هئا الرأي لعدم إيمانه بالكتب المقدسة. ولو نظرنا بعمق نظرة متأنية هادئة إلى الواقع اليوم، لوجدنا هؤلاء يعيدون النظر في أرقامهم وحساباتهم ونسبهم. لذا يمكننا أن نجد دولاً وجمعيات ووزارات ومؤسسات تعمل على تحفيز القراءة وترسيخ ثقافة القراءة لتصبح عادة ًيومية، إضافة لسعيها بابتكار مبادرات مميزة تختص بالقراءة كي تتمكن من استعادة مكانتها بين أفراد المجتمع العربي بسهولة. لأنَّ للقراءة النافعة جوانب عدة مهمة منها :الاستعداد، والفهم ،والتمعن،والاستنتاج. ومتى توافرت هذه العوامل تؤدي إلى الحصول على العديد من الفوائد المرجوة والسعي الحثيث لإنشاء جيل محب للمعرفة والثقافة .لأنَّ القراءة تعتبر أهم الركائز الهامة في البناء الإنساني والاجتماعي، أي بناء عقل الإنسان وتؤنسسه، وترسّخ فيه قيم العلم النافع والمعرفة والثقافة كي يكون مخولاً لبناء الحضارة الإنسانية التي تساهم في إسعاد البشرية .
لقد أثبتت الأبحاث والدراسات المتخصصة أن القراءة تجعل عقول القراء نضرة وشابة وصحية وأكثر تركيزًا، وبهذا فهي تحمي من أمراض العصر مثل الخرف (الزهايمر)، فالقراءة تساعد في توسيع مدارك العقل، وتطوير الخيال، وزيادة الوعي والنضج. وبجعله أن يكون مبدعاً لأنَّ القراءة تساعد في تعزيز وتقوية الجزء الإبداعي في العقل، وتمكِّن القارئ من التواصل الفعَّال من الآخرين وتزيد عنده مهارة التحدث من خلال تمكنه من اللغة الصحيحة ،واستخدامه تعبيرات لطيفة وجذابة لتصبح جزءاً من سلوكه ومفرداته اليومية وتفيض عليه بالشعور أنه أكثر جدية وذكاء وهذا ما سيجعله أكثر قدرة على اتخاذ قرارات هامة في حياته بشكل أفضل.إضافة إلى دور اللغة في المساعدة في تحسين الذاكرة والتركيز الفعّال، وتدريب العقل على أن يكون أكثر انتباهاً وأكثر تأثيراً على الفرد، سواء لصحته العقلية، والجسدية والنفسية، وهذا بدوره يساهم في تكوّن مجتمع متكافل ومتعاطف، كما تساعد القراءة على تنمية الشعور بالتعاطف الإنساني، وتزيد من شعور الفرد بالمسؤولية المجتمعية وبالغيرية على مكونات المجتمع، وتشجعه على أن يكون مواطناً صالحاً معطاءاً حيث يكون أفراد هذا المجتمع أكثر تسامحاً مع الآخرين، وأكثر تقبلًا لاختلافاتهم تحت شعار قبول الرأي والرأي الآخر .
هنا لا يمكننا أن نخفي تأثير الآخرين علينا ودفعهم لنا بشكل مباشر أو غير مباشر نحو القراءة العقلانية المفيدة. وخصوصا لمن اكتشف تلك اللذة بنفسه لا عن طريق معلِّم أو أستاذ. ما يمكن الإشارة إليه هنا هو أن درجة التحكم في الأصوات التي ينتجها العقل البشري وتأملاته تحدد إلى أي مدى نحن قادرون على الاستقلال ونحن نتنقّل بين الأدباء والمفكرين والفلاسفة وكتبهم ،رابطين بين أفكارهم وبين تجاربنا.ومن المؤكّد أنَّ ضجيج العقل الداخلي هو إعادة إنتاج لضجيج الخارج. ولا نستطيع أن نكون قارئين محترفين للأفكار والمفاهيم بدون أن نضع حداً لإرادة التعقّل والعقلانية ذاتها والتي تجعلنا نحدِّد الأشياء ونحاول ضبطها ضبطا عقلانياً عاليا. وفقط عند تلك اللحظة تصبح الذات انعكاسا صافيا للواقع المعاش، ويصبح الهدف من القراءة الأدبية والفكرية هو ذلك المكون البسيط الذي هو موجود في دواخلنا وما نعيشه خارجنا في الآن نفسه، والذي يمكن أن نطلق عليه الإنسان البلازما، أو الإنسان كمشروع وجودي لم يدخل بعد حيز الوجود.فنحن بحاجة للترويج باهتمام كبير خاصة في موضوع الهوية التي هي مشكلة بنيوية في منطقتنا العربية.وهو موضوع شائك ومعقّد يصعب الإحاطة به بشكلٍ جيد. من هنا كانت القراءة حول الهوية قضية هامة تشمل علم الاجتماع، والتاريخ، وعلم النفس ،والنقد الثقافي والأدبي، وعلوم الأنثروبولوجيا خاصة منذ تشكل الدول القومية في العالم منذ القرن التاسع عشر، والتي تولّدت منها جوانب عديدة سياسية وتاريخية واجتماعية وثقافية. مما ولّد الحضور الطاغي لتلك المشكلة في العقل العربي والذهن المرتبط بشكلٍ كبير بالحساسية الكبيرة في الروح تجاه مشاكل المجتمع واستحقاقات تلك المشاكل واستطالاتها والتحديات التي يواجهها.
calendar_month12/03/2022 08:52 pm