( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
انتشرت العديد من الأفكار والنظريات في التاريخ الحديث تبحث في نهاية التاريخ واختفاء شعوب ودول بأكملها من على خريطة العالم. هذه النظرية وتلك الأفكار تم ويتم طرحها من قِبَل العديد من الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. من هذا المنظور يحاول هؤلاء تطبيق تلك النظريات والأفكار علينا نحن العرب، لكن في المرحلة الراهنة لا تعني نهاية التاريخ لنا نحن العرب وإنما العمل يجري على ثبات الحالة العامة التي تعيشها دولنا وشعوبنا في المنطقة الممتدة من غرب الخليج العربي حتى شرق المحيط الأطلسي. 
لقد رسم الغرب الأوروبي ـ الأمريكي لمنطقتنا العربية مخططاً عاماً امتد من العصر الحديث منذ حملة نابليون بونابرت (1798-1801) م الفاشلة، إلى الضربة الثالثة في لبنان وليبيا وسورية. وهو مخطط مرسوم بإحكام ضمن استراتيجية واحدة يتم تنفيذها من خلال العديد من السيناريوهات والتحالفات المتقلبة والمتغيرة حسب متغيرات المنطقة من حكومات، وقيادات وقوى شعبية وتيارات سياسية متنوعة، والغاية من كل ذلك هو إبقاء العرب في مربعات الانقسام والتفرقة والاضطرابات والخلافات وتشتت الإمكانيات. هذه الاستراتيجية يرعاها الغرب الأوروبي ـ الأمريكي بعنايةٍ فائقة وصرامةٍ مطلقة. ويترك لهم حرية الحركة داخل هذه المربعات وتلك الدوائر الضيقة كلٌ حسب اجتهاده، ودون الخروج منها أو التحرّك قيد أنملة خارجها ، ومنعها بكل الوسائل مهما كانت مشروعة أو غير مشروعة! 

لقد جسَّدت العديد من القمم العربية على مدى عقود حالة الارتباك والفرقة وغياب الوعي التي فرضت على أمتنا العربية، ويبدو أن قرار الضربة الثلاثية ضد العديد من الدول العربية يقصد بها روسيا كجزء من عمليات دائمة ومستمرة لتصفية حساباتٍ قديمةٍ معلَّقةً بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا التي تحاول تفعيل دورها واستعادة الأرض والمكانة التي فقدها الاتحاد السوفيتي السابق، وبالمرة يأخذون العرب في سكتهم وسكونهم وهم مجتمعون معاً في المؤتمرات والندوات والمحاضرات ليناقشوا القضية القومية الأزلية، فلسطين التى كانت ستضيع بشكلٍ كامل لولا صمود الشعب الفلسطيني الجبار، ونقل الولايات المتحدة الأمريكية لسفارتها إلى القدس باعتبارها عاصمة للكيان الصهيوني. رسالة تسألهم كالعادة: ما جدوى مثل هذه المناقشات والمؤتمرات والندوات وأغلبكم تحت حمايتنا ،وكلكم تحت طائراتنا وفي مرمى صواريخنا؟ في هذا السياق لا يمكننا التغاضي عن أنَّ بعض الدول العربية لم تستسلم وخاضت حروباً ضروساً لإفشال هذه الاستراتيجية وتلك المخططات، وتملّصت منها مرة أو مرتين، لكن سرعان ما يتم محاصرتها وتلتف حولها الكماشات من جديد وبقوة تعيدها إلى المربع صفر المرسوم لها .ولو عدنا إلى المشروع الأول الذي بدأه نابليون بونابرت في صيف 1789 م في أواخر القرن الثامن عشر تحديداً بما يحيق بكامل المنطقة ومنها سورية من مخاطر رهيبة جداً فى ربيع ٢٠١٨ م، وقد يكون ضرب سورية من قِبَل القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية هو فصل إضافي من فصول الحملات الغربية على الشرق الأوسط، وإن كان فصلاً أكثر عنفاً وشراسةً ووقاحة.  

ونهاية التاريخ هي نظرية للمفكر والفيلسوف والاقتصادي السياسي الأمريكي الجنسية ياباني الأصل فرانسيس فوكوياما التي تضمنها كتابه الهام والشائع : (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، الصادر عام 1992،تقول نظرية نهاية التاريخ إن التاريخ انتهى عملياً أو توقف كلياً عند الرأسمالية التي تتكوَّن من نظامٍ اقتصاديِّ للتنميةِ والتطوير ،ورفع مستوى حياة البشر، وعند الديمقراطية كنظام حكم يعتبر أفضل ما وصل إليه الإنسان عبر عصوره وتطوره، ولم يعد فى جعبة البشر القدرة على إنتاج نظم وقيم تتجاوز ما وصلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، وبالتالي لا يوجد تاريخ جديد أوصيرورة تاريخية جديدة تكتب خارج الرأسمالية والديمقراطية التي تم الحديث عنها، خاصة أن مختلف دول العالم غير الغربية تتجه إليهما يوماً بعد آخر وهي في تزايد مستمر.. أي إنَّ الحالة التي عليها العالم الآن لن تتغير كثيراً في المستقبل المنظور على أقل تقدير. 
هذه النظرية بما فيها وما عليها، نظريةٌ مردودٌ عليها وضد منطق التاريخ وحركة الإنسان منذ صيرورته الأولى وعبر سيرورته التاريخية، لكننا نقوم باستخدامها في هذا المقام في حدود تفسير وشرح حالتنا لا أكثر ولا أقل، من باب تقريب الصورة إلى الأذهان وتوضيح معانيها وتجلياتها. أيضا تنشأ هنا وهناك في وطننا العربي العديد من التيارات التي تؤمن بنظرية المؤامرة (Conspiracy Theory)وهو مصطلح انتقاصي وعموماً تأخذ المؤامرة في مضمونها على أفعال غير قانونية أو مؤذية تنفذها حكومة أو منظمة أو أفراد. تُنتج نظريات المؤامرة في أغلب الحالات افتراضات تتناقض مع الفهم التاريخي السائد للحقائق البسيطة.وفقاً لما قاله العالم في الشؤون السياسية مايكل باركون ،على أنَّ نظريات المؤامرة تعتمد على نظرة أن الكون محكوم بتصميم ما محكم نوعاً ما، وتتجسد في ثلاث مبادئ: لا شيء يحدث بالمصادفة، ولا شيء يكون كما يبدو عليه أي يحمل أقنعة متعددة، وكل شيء مرتبط ببعضه لا انفصال بينهم. أحد الصفات الشائعة هي تطور نظريات المؤامرة هذه لتدمج في تفاصيلها أي دليل موجود ضدهم، ليصبحوا بذلك جملة مغلقة ومحدودة المحيط وغير قابلة للنفي أو الدحض وعليه تصبح نظرية المؤامرة (مسألة إيمان مطلق بدلاً من دليل). 

وفعلاً نظرية المؤامرة من الهواجس الشائعة بشكلٍ كبير في الوطن العربي، فهي توفر للعقل العربي قدراً كبيراً ووافراً من الراحة والسكينة في مواجهة عجزه وافتقاده التفكير العلمي المنظم وتخلفه، لتبدو أزماته ومشكلاته المستعصية كما لو كانت أشبه بأحكام القضاء والقدر التي لا حلَّ لها. وعلى الرغم من أنَّ هناك بعض الصحة في التحليل والسؤال المتلاحق حول نظرية المؤامرة، فإننا لا نستطيع تجاهل تلك النظرية كلياً أو جزئياً وذلك الأنَّ الغرب الأوروبي ـ الأمريكي هو من أنتج تلك النظرية وعممها على بلادنا العربية وبعض دول العالم ، كما لا يمكننا استبعادها بشكلٍ نهائي من تفسير وشرح أحداث ووقائع تبدو بلا أسباب منطقية أو أسباب ظاهرة، بخاصة وأنَّ التاريخ الإنساني زاخر بالمؤامرات بشكلٍ فعلي.من أول مؤامرة الشيطان الأولى لإغواء النبي آدم عليه السلام إلى مؤامرة ضرب المقدرات العربية !