( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
يشهد التاريخ السياسي العالمي جملة تحولات استرانيجية وبنيوية في النظام العالمي، فهناك الكثير من الوقائع المتلاحقة تشكِّل منعطفات تاريخية هامة . وتشكِّل في الآن ذاته تأريخاً لأنظمة سياسية وتشريعية وقانونية .ومن أجل الغوص عميقاً في بنية وتركيبة التاريخ علينا أن نفهم عميقاً ماهيته وصيرورته وسيرورته الطويلة. ذلك لأنَّ التاريخ لم يكن مستقلاً عن العناصر الرئيسية في مسيرة الإنسان على هذا الكوكب .فإذا اعتمدنا المعايير والموازين الميكانيكية وسيلةً ومنهجاً لفهم عالم تحوّلات القوَّة المادية والموضوعية التي كانت، ولا زالت الملاذ الأخير والنهائي لجميع القوى العظمى التي ساهمت في بناء العالم وقيادته ،كل هذا يدفعنا لمعرفة قضية معاصرة غايةً في الأهمية .هي أنَّ الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية كانت بيئة امتصاص للنماذج الحادّة والمنفلتة لاستخدام القوة وجبروتها، على الرغم من كل تداعياتها السلبية على العالم .  
في هذا السياق يمكننا القول إن أبرز من نظّروا إلى مفهوم القوة وجبروتها في العلاقات الدولية كان المفكر والفيلسوف والسياسي الإيطالي نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي، وهو صاحب منهج يُعرف ب(الميكيافيلية) الذي يُنادي بتحقيق مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) هذا المبدأ هو أحد أهم بنود نظريته ومبادئه الأساسية على الإطلاق. لم تكن تلك الأفكار هي الوحيدة في العالم فقد انطلقت أفكار ومفاهيم وآراء متشابهة، كانت قد صدرت قبل نحو عشرين عاماً من الزمن، من قِبَل أشخاص دعوا بشكلٍ صريح وواضح إلى اتباع سياسات متشددة تجاه الاتحاد السوفييتي السابق، تتجاوز في مداها الاحتواء التقليدي الذي درج على معرفته العالم ، وفي الاحتواء والاحتضان والتذويب سياسة ملائمة، حتى وإن حكموا بواسطة إرادة القوة الحديدية وجبروتها لا بواسطة إرادة الضمير وقوة الإرادة .
من الأمور الهامة في هذا السياق، أن نشير إلى أن المسافة بين مملكة السويد وحلف شمال الأطلسي (الناتو) تتقارب في وقتٍ تشتدّ فيهِ المواجهة بين جمهورية روسيا الاتحادية من جهة، والغرب الأوروبي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى ،عبر الحرب الطاحنة في أوكرانيا، هذا التقارب يبدو واضحاً وجلياً في الدول الإسكندنافية، الموجودة في شمال القارة الأوروبية،والتي تضم كلاً من الدانمارك والسويد والنرويج بالأساس والتحق بهم فيما بعد كل من فنلندا وآيسلندا وجزر فارو .هذه الدول تريد أن تتخلى عن حيادها الذي ظلَّ مستمراً نحو مئتي عام على وجه التقريب، ووبدأن تتجه نحو الانخراط في التسليح والعسكرة وبناء منظومات خاصة للجيوش، جنباً إلى جنب مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) .
وفي هذا المجال دعا عدد من أعضاء البرلمان السويدي، الحكومة إلى انضمام البلاد إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) وعدم التخلي عن الفكرة، لمواجهة ما أطلق عليه (التهديد الروسي). وفي موقف يؤكد أنها لم تعد دولة محايدة أبداً، أو أنها تخلَّت ضمنياً، عن هذا الحياد، مع تغير المواقف والظروف بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وبالتبعية انهار حلف وارسو الذي كانت تقوده موسكو السوفيتية، وعودة جمهورية روسيا الاتحادية إلى مكانتها كدولة عظمى ولها دورٌ كبير وعالمي في العالم وذات توجهاتٍ قومية في أوروبا. أما جمهورية فنلندا التي تقع في شمالي المنطقة الفينوسكاندية في شمال أوروبا. فهي من الدول الأوروبية التي تتمتع بعضوية الاتحاد الأوروبي،والتي ساهمت بقوة في تحرير التجارة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما ساهمت في الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة العالمية .ولكنها ما زالت، حتى اللحظة الراهنة، خارج مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولعلَّ السبب الأساسي الذي جعلها بعيدة حتى اللحظة عن الانخراط في هذا الحلف، كونها ارتبطت ارتباطاً قوياً في مرحلة ما ،بعد الحرب العالمية الثانية، بعلاقات متميزة مع الاتحاد السوفييتي السابق بسبب معاهدة الصداقة التي تم توقيعها بين الدولتين بعد هزيمة فنلندا وخسارتها الكبيرة عندما كانت حليفة لألمانيا النازية الهتلرية، فقد تعهدت الدولتان من خلالها أي فنلندا والاتحاد السوفييتي السابق بالدفاع عن بعضهما بعضاً ضد التهديدات الخارجية المحتملة.
الجدير بالذكر أنَّ جمهورية فنلندا من الناحية العملية كانت جزءاً هاماً من منطقة نفوذ الاتحاد السوفييتي السابق طوال فترة الحرب الباردة، ولذلك رفضت هذه الدولة مساعدات (مشروع مارشال) الذي دعمته ورعته الولايات المتحدة الأمريكية، لإعادة بناء ما تهدَّم في دول أوروبا في أثناء الحرب المدمِّرة. لأنَّ الاتحاد السوفييتي آنذاك كان يرى أنَّ هذه المساعدات هي غطاء للسيطرة والهيمنة الأمريكية على تلك الدول، ولذلك التزمت جمهورية فنلندا بموقفه، غير أن الولايات المتحدة الأمريكية سعت جاهدةً إلى تقديم مساعدات مالية إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي غير الشيوعي الفنلندي، وكانت تلك المساعدات الباب الذي ولجت منه الولايات المتحدة الأمريكية إلى فنلندا تحت عنوان الحفاظ على استقلالها.
حينئذ بدأت السياسة في فنلندا تميل نحو الغرب والتوجه الأوروبي ـ الأمريكي، حتى انضمت إلى الاتحاد الأوروبي، وأصبحت بعد ذلك جزءاً من منطقة اليورو، ثم بدأت بعد ذلك العداوة بين جمهورية روسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي إثر اقتطاع روسيا جزيرة القرم من أوكرانيا وضمّها إليها، فقد بدأ يتشكّل رأي عام في فنلندا بموازات ضخ إعلامي غربي هائل .ذلك الرأي تجلى بحالة قلق غير مسبوقة من (تهديدات عسكري) مصدرها جمهورية روسيا الاتحادية، وهو ما جعل معظم الأحزاب السياسية الفنلندية على اختلاف توجهاتها ومشاربها مؤيدة لفكرة انضمام بلادها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، على الرغم من علمها بمدى خطورة ذلك على العلاقات الفنلندية ـ الروسية .
من الواضح تماماً ومن خلال التجارب العملية التي تعيشها الدول في عصرنا الراهن يمكن القول إنَّ التحوّل الفنلندي والسويدي يستهدف في الأساس تأكيد أن القوة ضرورية جداً ،وتحديداً جبروت القوة وفائضها، وأنَّ حلف شمال الأطلسي (الناتو) يمتلك الكثير من أسبابها، حيث تستلزم العمليات الدراماتيكية المتلاحقة والمتعاقبة ديناميكية الحركة العامة للقوى التاريخية بما فيها من حمولات، وإعادة النظر في الحالات التطورية السريعة أو البطيئة، أو التحول عن الحياد، قبل أن يحجبهما لهيب النار والحرائق والدخان التي ممكن أن تطالهما وتبعدهما عن الأنظار، ويغيبهما في أتون الأحداث التاريخية والسياسية الكبرى وملحقاتهما والمنعطفات الراهنة، كما وقع للعيديد من الدول التي كانت في غفلة عن هذا المصير المحتوم.