( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
بشكل غريب تظهر عدد من التحركات مقطوعة الصّلة مع فكر الثورات، أو فكر الانتفاضات ضد المظالم والفساد، أوالاغتراب الحكومي عن الشعب، وتظهر مجموعة من التحركات الدموية التي يتم إيقاد شعلتها من خارج سلّة مشتريات الفلاح المصري، بل ومن خارج وضاءة روح الانسان المصري وعقله. 
الانسان العربي المصري النموذج في الأمة عندما وصلت لديه القناعة بضرورة التغيير فعلها مرتين، بثورة أولى في (25 يناير 2011) من أجل العيش والحرية والكرامة، وبثورته الثانية (ثورة 30 يونيو 2013) ضد أهل الظُلمة والنور الخابي، واستغلال الديمقراطية نحو الردى.
 الثورة ضد النور الخابي، كانت انقلابًا على الباطل أي ضد من أرادوا جرّ البلاد نحو الفتنة والتجزئة والتدمير، بولائهم لذواتهم وضيق خياراتهم على حساب البلاد، وببراءتهم من الشعب، لتمتد فتنتهم من الحبشة الى ليبيا فتحرق الدولة المصرية.
في الحالتين انتصر الشعب المصري على عمى الألوان السياسي لدى البعض المتوثب منذ زمن قديم، فلا لحكم العُصبة المسترشدة لوحدها بنور الله! ولن نكون للمرشد كالميت بين يد المغسّل أبدا! ولن نقبل التعامل مع الشعب ضمن منطق مدرسة الفسطاطين (المعسكرين) الإقصائية الجانحة دوما نحو الانتحار.
لم أعتقد يوما أن الشعب المصري شعب خانع أو خوّار. وهو الذي بنى الاهرامات بقوة إيمانه، وصنع الممالك، والملوك، وقاد كل المعارك في سبيل الحق والحرية في كل العهود، وهو الشعبُ الأبيّ الذي تسامح مع حكّامه ما كانوا درع الأمة، فلم يأبه لنوع أو جنسية أو لون بشرة الحاكم ما دام سيفه مسلولاً في وجه أعداء الوطن.
 وهكذا كان أن تناوبت أسرٌ عديدة على حكم مصر من الجوار، ثم من البعيد. لكنها بقيت مصر الدولة الشامخة التي استوعبت كل الحضارات الهيروغليفية (المصرية القديمة)، والقبطية المسيحية الشرقية العظيمة، والاسلامية المتسامحة، بكل ثقل أنظمتها المختلفة، وتفتّت حكامها وسلاطينها بصراعاتهم ووحروبهم الداخلية المقيتة، أو توحد مكوناتها.
مصر التي كانت درع الأمة وصدرها الحاني، ومصر خير أجناد الأرض، وكنانة النبي صلى الله عليه وسلم، وموئل المسيحية الحقة، هي مصر التوحيد الأول، ومصر الجمال والمحبة والفرحة، وفي المقابل هي مصر رفض المظالم والتفرقة والعزلة والاستئثار، أو التطاول على شعبها الموحد.
اختلف المماليك كثيرا في تاريخ مصر، وهم الغرباء عن البلاد والعباد، فما كان من العرب المصريين في مراحل عدة من التاريخ إلا أن نبذوا هؤلاء حين تقاتلوا، وكانوا سيوفا للحق معهم حينما جعلوا أجسادهم في مقدمة الركب دفاعا عن مصر وعن الأمة، أو ما كانوا سائرين لرفعة البلاد.
في ذات الوقت نشط المصريون -بلا جدال الا من حاقد أو متآمر أو غبي- في كل المجالات وكانوا لنا الشعلة، ومازالوا يوقدونها في الفكر والثقافة والعلم والعمل والفنون...الخ، وفي التعبئة ضد المظالم، فلم يسكتوا ولكنهم بنوا بلدا ثريّا وروحا وثّابة.
مصر الحديثة منذ تسلم أهلها حكمها في "انقلاب إن شئت"، أو ثورة 23 يوليو 1952 مع الرئيس محمد نجيب، والرئيس الخالد جمال عبدالناصر، رفعت رأسها كدولة ناهضة، وقادت الأمة العربية والاسلامية فشكلت مسرح استقطاب عربي وعالمي، وكوّنت الثقل الأساس في روح الأمة المسيحية الشرقية (القبطية)، وفي روح الامة العربية الاسلامية، فلم تكن هذه الروح الناهضة الا أداة الحركة اللازمة بمركزيتها الجامعة ودوائر ناصر الثلاث، ولجعل الأمة بكل مكوناتها تلتقي عند الحد المقبول أو الأدنى من اللقاء في جامعتها العربية، حين تغوّل الاستعمار المباشر، وفي التفافها نحو فلسطين القضية المركزية مهما تذبذبت المواقف السياسية من بعض القادة السياسيين المصريين في أزمان ومواقف، أو ضمن سياسات اتفقنا معها حينها، واختلفنا معها في أحيان أخرى.
اليوم وبعد أن أنجزت مصر ثورتين لاحقتين ومتمّمتين لثورة 23 يوليو 1952 تعاني من الطعنات والحِراب التي لا تكف عن إدمائها من القريب الجبان ولكنه السكران بفتنة الذات ووهم أستاذيته للعالم، ومن المتربص والمتآمر والحاقد تحت إدعاء نبذ شخص أو التخلص من مسؤول، وما كان ذلك بهامش الحقيقة التي يفخر يوميا مذياع "اسرائيل" بتردادها! لعله ينفخ في صدور المتربصين فتصبح مثل صدور الديك الرومي، فيتوهمون أنهم قد حازوا الأرض وما عليها! وانتصروا على الدولة المصرية؟ وماهم الا أولئك الذين ذمّهم الله تعالى بمحكم التنزيل بنعتهم بالمرحين المختالين المتكبرين على الناس.
لا أريد أن أعدّد المنجزات التي حققتها الدولة المصرية منذ الثورتين، فلكل نظرته ولكل رأيه وتقديره، وعموما هي لمن يبتغي يمكنه رؤيتها عيانًا في البلاد أو يقرأ ويرى بأم عينه أو بأبي عينه، هذا إن كانت له عين ترى ولم يكن أعمى البصيرة قبل البصر، ولكن حقيقة التدمير المطلوب لمصر تقع في خانة أخرى.
خسر "الاخوان المسلمون" في مصر، وهم أي "إخوان مصر" يمثلون الشق الأكثر تطرفا وتخرصا وحبَلا (من الحبل) من الاخوان المسلمين في العالم، حيث تحول عداء جزء منهم أوفي أجزائهم (هم اليوم منشقون على بعضهم في مصر لأكثر من 3 فئات) من الحاكم أوالنظام أو لبعض المظالم، الى العداء الفاحش ضد الدولة ذاتها، إذ يقومون-على الأقل بفئة منهم- بتدمير البلاد كمن يريد أن يعاقب زوجته بأن يقتل نفسه أويطلق النار على أبنائه ويحرق البيت!
 لسنا متفقين كفلسطينيين مع كل سياسات النظام المصري لا القديم ولا الحالي، خاصة بما يتعلق بقضيتنا العربية الفلسطينية بالطبع، فلنا نحن الفلسطينيين رؤيتنا ولهم رؤيتهم، نقترب حينا ونتباعد أحيانا، ولكن الحب والاحترام باقيان أبدا، فنحن كالخالد فينا أبوعمار "هوانا مصري".
إن ما يحصل من حرب تخوضها مصر الدولة لتثبيت أقدامها في مجموعة الدول الناهضة زراعيا وصناعيا وعلميا وتقانيًا ما لا يرضي أصحاب العقول المريضة النازفة قيحًا، فهي تريدها حربا لتدمير مصر لا لإنهاضها، والأمة من خلفها.
 وفيما يحصل في مصر من سباق محموم مع الزمن للّحاق بركب التقدم مالا يُرضي أصحاب التكسب الاستهلاكي المعتمد على العقلية الغربية الاستعمارية الاحتلالية التي سعيها الأول إبقاء الأمة أفواها جائعة، وعقولا خاوية وبطونا مستهلكة، وليست منتجة تقارع الغرب وتضاهيه .
 إن إبقاء كل الأمة وعلى رأسها مصر تحت خط الفقر العقلي والمادي والروحي، وبعيدا عن مركب التقدم والرفعة والنهضة هو الهدف الأسمى في سياق الحرب الإقليمية والعالمية المشهرة على كل أقطار الأمة لتحقيق الغاية الواضحة بنهب ثروات واقتصاد الأمة المادية والروحية والبشرية.(ولا تنزعجوا كثيرا من تردادنا لكلمة "أمة" باعتبار المنزعجين هؤلاء لا يؤمنون الابمركب التفتت والذيلية الانبهارية بالآخر.)
 أمة بلا روح متمثلة بقيادة جامعة نموذج، وأمة بلا قيم شاملة موحدة، لا قيمة لها. وأمة لا تحترم رموزها وتنوعاتها الثقافية القومية والدينية -وإن اختلفت معها فهذا حقها الشوروي الديمقراطي- هي أمة تبشر نفسها بالاحتلال النفسي.
 كما أن أمة لا تأكل مما تزرع، ولا تستهلك مما تصنع، هي زائلة بغض النظر عن مظاهر البهرجة العقيمة. لذا فإن مصر تخيف الزحف الاستهلاكي الاستعماري المتعاظم في دنيانا وهو الزحف الذي يقاتلنا على بطون الناس، واحتلال عقولهم عبر المزيّف الواسع من وسائل التواصل أو التخريب الاجتماعي، إذ أنهم وبأيدينا -المتوضئة أوغير المتوضئة-يحطّون من قيمة الأمة العربية والاسلامية ويسخرون منها (أنظر كم سخروا من محمد صلى الله عليه وسلم عندما سعى لأقامة الأمة وخابوا هم، وانتصرهو لنا) في مقابل إعلاء قيم الغير السمِجة، ومنتجاتهم، وأفكارهم، فنذوي نحن كالشمعة، ويبقون هم فقط منارة الحضارة.
مصر الثروة المادية والبشرية والروحية الهائلة، كما حال السعودية وسوريا والعراق والجزائر واليمن والكويت وفلسطين والأردن، وغيرها من دولنا الجميلة الثرية، هي مصر البشر صنّاع المجد العسكري، وصناع المجد الصناعي، وصُنّاع الثقافة الزاهرة، وصناع البشارة بنهضة الأمة منذ القدم، وحديثا منذ رفاعة الطهطاوي بل وما قبله، ومنذ بزغ نجم الأفغاني والشيخ رشيد رضا والشيخ محمد عبده ، ومن تلاهم، ومنذ أحمد شوقي والمازني وعباس محمود العقاد والآلاف من النماذج العظيمة.
 هي مصر العلماء والمثقفين الكبار، وهي مصر الصعيدي الأشم والفلاح الأصيل وابن البندر والمدينة والنجع. وهي مصر الثورة، وروح الأمة وعقلها المرغوب اليوم بتطويعه او كسره، وبإذلال الأمة عبر تركيعها، كما هي المحاولات الدؤوبة ضد المملكة العربية السعودية، وضد الدول العربية الأخرى التي أضحى فيها الدمار والتفتيت والتدمير فعلا يوميًا يُحضَ عليه حتى من بعض العاقّين المأجورين من أبنائها.
ما كنّا يوما ضد الثورة على الظلم والفساد، انتصارا للحق فنحن أبدا ضد الاحتلال كما في حالتنا في فلسطين، لأنه أذن للذين يقاتلون ويُخرَجون من ديارهم بغير الحق كما يقول الله تعالى أنهم ظلموا فأبيح لهم الجهاد بالكلمة أو الفكرة أو المعول أو السيف أوبمناصرة الحاكم أوبالوقوف أمامه بالحق بعنفوان، ونصر الله قادم.
 لذلك وقفنا مع الحِراكات والتغيرات العربية منذ العام 2010 فنهضت ثورة الياسمين الجميلة العطر في تونس، وتعافت بوعي شعبها وقياداتها ومنهم حركة النهضة التي آثرت الوطن على الحزب، وقدمت الشعب على شهوة السلطة الزائلة، ثم فصلت الدعوي الديني عن السياسي فأسقطت من على ظهرها أحمال القدسية الموهومة، وأنهم دون غيرهم دُعاة الدين وحراسِه الأشاوس، فقلنا هنيئا لتونس وهنيئا لراشد الغنوشي، كما هنيئا للمغرب بوعي كل مكوناته الأمازيغية والعربية وأحزابه.
نعم للثورة على الظلم، ونعم للعمل النهضوي، لكن المآل والمسار والنتيجة قد تجعل الانسان يفكر مرتين، ويُحسن تقدير الخطر الكامن أو البازغ، فلا تزلّ قدمه ولا يقدّم الثانوي على الأساسي. فمن أين لك أن تنشيء تنظيما متطرفًا بمليارات الدولارات يحتل نصف سوريا ونصف العراق؟ وفي غضون 4 سنوات فقط! وعندما تنتفي الحاجة الاستعمارية له يذوب؟ ومن أين لك أن تنقل المعركة بعد تذويب "تنظيم الدولة" الى مصر؟ ومصر تحديدا؟
لتذهب مواقف القيادات السياسية المتنافرة الى الجحيم، ولتذهب كثير من سياسات وممارسات الأنظمة العربية والاسلامية الى الجحيم! ولكن لا نقبل أن يكون الجحيم هو مآل الدولة أو مآل الأمة حين يعمى البصر، ويتراكب الحقد وتتكاثف الغيوم السوداء لتغطي العيون فيصبح العداء لذات الوطن هو ذاته العداء لشخص أو لسياسة اوممارسات، لا يهمني فيها إسقاط الكل من أجل عيون القلّة المؤتمرة من الخارج. تلك القلّة التي أتقنت خطاب المظلومية البائس، وخطاب المِحنة السقيم، وخطاب الوهم بأن نصر الله في ركابها فقط، كما هو حال كل التنظيمات المتطرفة المتسترة بعباءة هذه الطائفة او تلك او هذا الدين أو ذاك أو هذه الأيديولوجية أو تلك.
مصر التي تمتلك ثقة الناس من شعبها وأمة العرب والمسلمين ليست مصر فلان أو علّان بل هي مصر الحضارة والتاريخ والنهضة والثقافة والفن والعلم والتصنيع والتقانة (التكنولوجيا)، والمستقبل الزاهر بإذن الله، التي كانت وستظل مهد الحضارة والاستقرار، ولن يفتّ في عضدها الحِراب التي تنهش جسدها من الشرق ومن الغرب ومن الجنوب.
ماذا تريدون من مصر؟ أيكون إشغالها في حرب (أو حروب) خاسرة لا تنتهي مع الجوار في ليبيا ومع الجوار في أثيوبيا! ومع الجوار ربما في السودان، ومع الارهابيين المتسترين بالاسلام في سيناء هو الحل!؟
هل المقصود هو استنزاف كل ثروات مصر، وقدراتها واستنزاف طاقات رجالها في ظل جماعة ظلامية أوجماعات تأتمر بفضائية مشبوهة، أو أكثر، وبمواقع مسمومة أو أكثر، يحكمها من أسّسها وأشرف على إنشائها؟
 أتراني أرى ذاك الرجل الجالس في لندن يقهقه عاليا؟ وأدعه يفعل ذلك بنا بغباء تكرشه وقصر نظره وسواد نفسيته وسلكوه المريب كقاتل متسلسل أو مجرم نازي عنصري، أو إرهابي صهيوني، وشهوته الباغية كما صاحبه المتربع في واشنطن، وقريبه الأرذل في تل أبيب؟
أم تراني أستطيع الإشارة بوضوح لعقلية الولاء الأعمى للسلطة الربانية المخادعة! والبراء من غير الجماعة الإلهية المنبوذة، والاستعلاء على البشر! وهي العقلية التي أصبحت في حقيقتها سِمة التنظيمات الظلامية؟ أم تراني أحدق في عيون أطفال الأمة وشبابها الذين سيضربون صفحا عن كل هؤلاء الأوباش، ويصنعون للأمة مجدها وعزّها، ولمصر نهضتها وقوتها وتحديها للعالم بقوتنا فيها، على درب الفوز الكبير.
إن مصر كانت وستظل رغم المحن بوابة فلسطين ومفتاح الولوج منها لقلب الشرق والوطن العربي، ومنارة الإشراق في عالمنا القادم يلوّح بأعلام النصر بإذن الله، شاء من شاء وأبى من أبى.
بكر أبوبكر
كاتب وأديب عربي فلسطيني
في الفكر والدراسات العربية والاسلامية
Baker AbuBaker
Palestinian Author & writer
Arab Thinker