الحياة برس - اندلعت ثور البراق في مدينة القدس في 9 أغسطس 1929، خلال الإحتلال البريطاني لفلسطين، وذلك للمطالبة بعدم تغيير الواقع عند حائط البراق الذي كان اليهود يؤدون صلواتهم بالقرب منه.
المسلمون يعتبرون حائط البراق وقفاً إسلامياً ولديهم صكوك تخولهم بحمايته وإدارته، فيما يسميه اليهود بـ " حائط المبكى "، ويعتبرونه أهم موقع ديني مقدس في العالم.
خلال الحكم العثماني لفلسطين سمح لليهود بإقامة طقوسهم قبالة الحائط وكان الاتفاق شفهياً بين إدارة الوقف واليهود وعلى أن لا يقيم اليهود أي بناء بالقرب من الحائط.
بعد وصول الاحتلال البريطاني لفلسطين، تزايد أعداد اليهود القادمين للأرض الفلسطينية حيث فتح الإنتداب البريطاني أبواب الهجرة أمامهم، وحافظت على منع اليهود من إجراء أي تغيير في ساحة البراق، ورفعت ستار وضعه اليهود عشية يوم الغفران على الرصيف المحاذي للحائط بعد شكوى من المسلمين.
في 15 أغسطس 1929،وهو يوم الحداد اليهودي على ما يدعونه بـ " خراب الهيكل " حسب التقويم اليهودي، المتزامن مع احتفالات المسلمين بالمولد النبوي الشريف.
وفي ذات اليوم نظمت حركة بيتار الصهيونية اليمينية المتطرفة مسيرة حشدت خلالها عدد كبير من اليهود في القدس، وصاحوا " الحائط لنا "، تحت حراسة مشددة من شرطة الإنجليز.
حينها خرج الفلسطينيون واستمعوا لخطبة الشيخ حسن أبو السعود الذي حرض الجماهير على حماية الحائط والدفاع عن المقدسات الإسلامية، وبدأت المواجهات تتصاعد في كل أماكن تواجد اليهود في كافة المناطق الفلسطينية.
وارتفعت حدة الاشتباكات مع اليهود وقتل 67 يهودياً في الخليل، وهرب اليهود من غزة حيث كانوا يعيشون في منطقة قريبة من حي الزيتون شرق غزة، مما اضطر قوات الاحتلال البريطاني لإستدعاء قوات إضافية من مصر لإخماد الثورة.
وبلغت حصيلة الإشتباكات 116 شهيداً فلسطينيا و133 قتيلا يهوديا، و232 جريحا فلسطينيا و339 جريحا يهوديا، واعتقلت سلطات الانتداب تسعمئة فلسطيني وأصدرت أحكاماً بالإعدام شنقاً على 27 فلسطينيا خُفّفت الأحكام على 24 منهم ونفذ حكم الإعدام بالثلاثة الباقين في 17 يونيو 1930، في سجن القلعة في مدينة عكا، وكان هؤلاء الثلاثة هم فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير.
  • أولاً : محمد خليل جمجوم 
ولد محمد خليل جمجوم عام 1902، تلقى دراسته الابتدائية في الخليل. وأكمل دراسته الجامعية في الجامعة الأمريكية في بيروت وشارك في الأحداث الدامية التي تلت ثورة البراق ضد مواطنين يهود في زمن الانتداب البريطاني على فلسطين، وكان معروفا بمعارضته للصهيونية وللانتداب البريطاني، ونتيجة لذلك اعتقلته القوات البريطانية في 1929 مع 25 من العرب الفلسطينيين، وحكم عليه بالإعدام وتم تنفيذه في الساعة التاسعة صباحاً في سجن القلعة بعكا.
وكتب جمجوم رسالة وجهها إلى الزعيم سليم عبد الرحمن، قبل يوم واحد من إعدامه، جاء فيها: "الآن ونحن على أبواب الأبدية، مقدمين أرواحنا فداء للوطن المقدس، لفلسطين العزيزة، نتوجه بالرجاء إلى جميع الفلسطينيين، الا تُنسى دماؤنا المهراقة وأرواحنا التي سترفرف في سماء هذه البلاد المحبوبة وأن نتذكر اننا قدمنا عن طيبة خاطر، أنفسنا وجماجمنا لتكون أساسا لبناء استقلال أمتنا وحريتها وأن تبقى الأمة مثابرة على اتحادها وجهادها في سبيل خلاص فلسطين من الأعداء. وان تحتفظ بأراضيها فلا تبيع للأعداء منها شبرا واحدا، والا تهون عزيمتها وان لا يضعفها التهديد والوعيد، وان تكافح حتى تنال الظفر. ولنا في آخر حياتنا رجاء إلى ملوك وامراء العرب والمسلمين في أنحاء المعمورة، الا يثقوا بالأجانب وسياستهم وليعلموا ما قال الشاعر بهذا المعنى: "ويروغ منك كما يروغ الثعلب". وعلى العرب في كل البلدان العربية والمسلمين ان ينقذوا فلسطين مما هي فيه الآن من الآلام وأن يساعدوها بكل قواهم. وأما رجالنا فلهم منا الامتنان العظيم على ما قاموا به نحونا ونحو أمتنا وبلادهم فنرجوهم الثبات والمتابعة حتى تنال غايتنا الوطنية الكبرى. واما عائلاتنا فقد اودعناها إلى الله والأمة التي نعتقد انها لن تنساها. والآن بعد أن رأينا من أمتنا وبلادنا وبني قومنا هذه الروح الوطنية وهذا الحماس القومي، فاننا نستقبل الموت بالسرور والفرح الكاملين ونضع حبلة الأرجوحة، مرجوحة الأبطال بأعناقنا عن طيب خاطر فداء لك يا فلسطين، وختاما نرجو أن تكتبوا على قبورنا: "إلى الامة العربية الاستقلال التام أو الموت الزؤام وباسم العرب نحيا وباسم العرب نموت". 
  • ثانياً : فؤاد حسن حجازي 
ولد فؤاد حسن حجازي في مدينة صفد في الشمال الفلسطيني، عام 1904، درس الابتدائية في مدينة صفد ثم الثانوية في الكلية الاسكتلندية، واتم دراسته الجامعية في الجامعة الأمريكية في بيروت.
شارك حجازي مشاركة فعالة في مدينته في ثورة البراق، فاعتقلته سلطات الاحتلال البريطانية وحكمت عليه بالإعدام، مع رفيقيه عطا الزير ومحمد جمجوم، ونفذ فيهم الحكم يوم 17 حزيران 1930، وكان فؤاد حجازي أولهم، وأصغرهم سناً، ونفذت عملية الإعدام في سجن القلعة بمدينة عكا.
سمحت سلطات الانتداب لحجازي أن يكتب رسالة لأهله قبل إعدامه بيوم، فأرسل وصيته لصحيفة "اليرموك" التي نشرتها في 18 حزيران 1930، بخط يده وتوقيعه، وجاء في خاتمة الرسالة: "إن يوم شنقي يجب أن يكون يوم سرور وابتهاج، وكذلك يجب إقامة الفرح والسرور في يوم 17 حزيران من كل سنة، هذا اليوم يجب أن يكون يوما تاريخيا تلقى فيه الخطب وتنشد الأناشيد على ذكرى دمائنا المهراقة في سبيل فلسطين والقضية العربية".
وخط فؤاد حجازي وصيته قبل يوم من إعدامه وقال: "إذا كان إعدامنا نحن الثلاثة يزعزع شيئاً من كابوس الانكليز على الأمة العربية الكريمة فليحل الإعدام في عشرات الألوف مثلنا لكي يزول هذا الكابوس عنا تماماً".
  • ثاالثاً: عطا أحمد الزير 
ولد عطا أحمد الزير في مدينة الخليل الفلسطينية عام 1895، وعمل في عدة مهن يدوية، وفي الزراعة، وعرف عنه جرأته وقوته الجسدية منذ طفولته، كانت له مشاركة فعالة في المقاومة عموما، وبشكل خاض في ثورة البراق سنة 1929، وكان فاعلا في مقاومة سلطات الانتداب البريطاني ، فأقرت حكومة الانتداب حكم الإعدام عليه مع حجازي وجمجوم، وأعدم رغم من الاستنكارات والاحتجاجات العربية، وكان الزير أكبر المحكومين الثلاثة سنا.
وكما سمح لحجازي، فقد سمح للزير أن يكتب رسالة لأهله، فجاء في رسالته التي كتبها لوالدته باللهجة الفلاحية: "ارقصي يمّا لو خبر موتي أجاك ارقصي لا تحزني يوم انشنق شو ما العدو يعمل روحي أنا يما عن هالوطن ما بفترق، بكره بعود البطل ويضل في حداكِ حامل معو روحه ليقاتل عداكِ، لا تزعلي لو تندهي وينو عطا، كل الشباب تردْ فتيان مثل الورد كلهم حماس وجدْ، لما بنادي الوطن بيجو ومالهم عدْ، وفري دموع الحزن يما لا تلبسي الأسود، يوم العدا بأرض الوطن يوم أسود، هدي شباب الوطن بتثور كلهم عطا كلهم فؤاد ومحمد، والشمس لما تهل لازم يزول الليل يا معود، فوق القبر يما ازرعي الزيتون حتى العنب يما والتين والليمون طعمي شباب الحي لا تحرمي الجوعان، هدي وصية شاب جرب الحرمان، اسمي عطا وأهل العطا كثار، والجود لأرض الوطن واجب على الثوار، جبال الوطن بتئن ولرجالها بتحن حتى كروم العنب مشتاقة للثوار، سلمي على الجيران سلمي على الحارةْ، حمدان وعبد الحي وبنت العبد سارةْ، راجع أنا يما وحامل بشارَةْ، عمر الوطن يما ما بينسى ثوارَهْ، لما بطول الليل وبتزيد أسرارُه، وجرح الوطن بمتد وبتفيض أنهارُه، راجع بطلة فجر حامل معي انوارُه، حتى نضوي الوطن ويعودوا أحرارُه"
  • قصيدة الثلاثاء الحمراء للشاعر ابراهيم طوقان : 
الثلاثاء الحمراء
لما تَعرّضَ نجمُكَ المنحوسُ
وترنَّحتْ بعُرى الحبالِ رؤوسُ
ناح الأذانُ وأعولَ الناقوسُ
فالليلُ أكدرُ، والنهارُ عَبوس
طفقتْ تثورُ عواصفُ
وعواطفُ
والموتُ حيناً طائفُ
أو خاطفُ
والمعولُ الأبديُّ يمعنُ في الثرى
ليردَّهم في قلبها المتحجِّرِ
***
يومٌ أطلّ على العصور الخاليَهْ
ودعا: «أمرَّ على الورى أمثاليَهْ؟»
فأجابه يومٌ: «أجلْ أنا راويهْ
لمحاكم التفتيشِ، تلك الباغيه
ولقد شهدتُ عجائبا
وغرائبا
لكنَّ فيكَ مصائبا
ونوائبا
لم ألقَ أشباهاً لها في جَورها
فاسألْ سوايَ وكم بها من مُنكَرِ
***
وإذا بيومٍ راسفٍ بقيودهِ
فأجاب، والتاريخُ بعضُ شهودهِِ
انظرْ إلى بِيض الرقيقِ وسُودهِ
من شاء كانوا ملكَه بنقودهِ
بشرٌ يُباع ويُشترى
فتحرَّرا
ومشى الزمانُ القهقرى
فيما أرى
فسمعتُ مَنْ منع الرقيقَ وبيعَهُ
نادى على الأحرار: يا من يشتري
***
وإذا بيومٍ حالك الجلبابِ
مُتَرنّحٍ من نشوةِ الأوصابِ
فأجابَ: «كلاّ، دون ما بكَ ما بي أنا
في رُبى «عاليه» ضاع شبابي
وشهدتُ للسفّاح ما
أبكى دما
ويلٌ له ما أظلما
لكنّما
لم ألقَ مثلَكَ طالعاً في روعةٍ
فاذهبْ لعلكَ أنتَ يومُ المحشرِ
***
اليومُ» تُنكرهُ اللَّيالي الغابرهْ
وتظلّ ترمقه بعينٍ حائره
عجباً لأحكام القضاءِ الجائره
فأخفُّها أمثالُ ظلمٍ سائره
وطنٌ يسيرُ إلى الفناءْ
بلا رجاءْ
والداءُ ليس له دواءْ
إلاّ الإباءْ
إنَّ الإباءَ مناعةٌ، إنْ تشتملْ
نفسٌ عليه تَمتْ ولمّا تُقهرِ
***
الكلُّ يرجو أن يُبكِّرَ عفوُهُ
ندعو له ألا يُكدَّرَ صفوُهُ
إنْ كان هذا عطفُه وحُنوُّهُ
عاشت جلالتُه وعاش سُموّه
حمل البريدُ مُفصِّلا
ما أُجْمِلا
هلاّ اكتفيتَ تَوسُّلا
وتَسوُّلا
والموتُ في أخذ الكلامِ وردّهِ
فخذِ الحياةَ عن الطريق الأقصر
***
ضاق البريدُ وما تغيّرَ حالُ
والذُّلُّ بين سطورنا أشكالُ
خُسرانُنا الأرواحُ والأموالُ
وكرامةٌ - يا حسرتا – أسمال
أَوَ تُبصرون وتسألونْ
ماذا يكونْ؟
إنّ الخداعَ له فنونْ
مثلُ الجنونْ
هيهات، فالنفسُ الذليلةُ لو غدتْ
مخلوقةً من أعينٍ لم تُبصِرِ!
***
أنّى لشاكٍ صوتُه أن يُسمَعا؟
أنّى لباكٍ دمعُه أن يَنفعا؟
صخرٌ أحسَّ رجاءَنا فتصدّعا
وأتى الرجاءُ قلوبَهم فتقطّعا
لا تعجبوا، فمن الصخورْ
نبعٌ يفورْ
ولهم قلوبٌ كالقبورْ
بلا شعورْ
لا تلتمسْ يوماً رجاءً عند منْ
جرّبتَه فوجدتَه لم يشعُرِ
الساعات الثلاث
الساعة الأولى
أنا ساعةُ النفسِ الأبيّهْ
الفضلُ لي بالأسبقيّهْ
أنا بِكرُ ساعاتٍ ثَلاثٍ، كلُّها رمزُ الحميّه
بنتُ القضيّةِ إنّ لي
أثراً جليلاً في القضيّه
أثرَ السيوفِ المشرفيّــةِ،
والرماحِ الزاعبيّه
أودعتُ، في مُهج الشبيــبةِ، نفحةَ الروحِ الوفيّه
لا بدَّ من يومٍ لهم
يَسقي العِدى كأسَ المنيّه
قسماً بروح «فؤادَ» تَصْــعَدُ من جوانحه زكيّه
تأتي السماءَ حفيّةً
فتحلّ جنّتَها العليّه
ما نال مرتبةَ الخُلودِ بغير تضحيةٍ رضيّه
عاشتْ نفوسٌ في سَبيــلِ بلادها ذهبتْ ضحيّه
الساعة الثانية
أنا ساعةُ الرجل العتيدِ
أنا ساعةُ البأسِ الشديدِ
أنا ساعةُ الموتِ الـمُشَرْ
رِفِ كلَّ ذي فعلٍ مجيد
بطلي يُحطّمُ قيدَهُ
رمزاً لتحطيم القيود
زاحمتُ مَنْ قبلي لأَ سْــبقَها إلى شرف الخلود
وقدحتُ، في مُهج الشَّبابِ، شرارةَ العزمِ الوطيد
هيهات يُخدَعُ بالوعودِ، وأنْ يُخدَّرَ بالعهود
قسماً بروح «محمّدٍ:
تلقى الردى حلوَ الورود
قسماً بأمّكَ عند مَوْتِكَ، وَهْي تهتف بالنشيد
وترى العزاءَ عن ابنها
في صيته الحَسَنِ البعيد
ما نال مَن خدم البِلادَ أجلَّ من أجر الشهيد
الساعة الثالثة
أنا ساعةُ الرجلِ الصبورِ
أنا ساعةُ القلبِ الكبيرِ
رمزُ الثباتِ إلى النِّهايَةِ، في الخطير من الأمور
بطلي أشدُّ على لقاءِ الموتِ من صُمّ الصخور
جذلانُ يرتقبُ الردى فاعجبْ لموتٍ في سرور
يلقى الإلهَ «مُخضَّبَ الْــكَفَّينِ» في يوم النشور
صبرُ الشبابِ على المصابِ، وديعتي ملءَ الصدور
أنذرتُ أعداءَ البِلادِ بشَرّ يومٍ مُستطير
قسماً بروحكَ يا «عطاءُ»، وجنَّةِ الـمَلِكِ القدير
وصِغارِكَ الأشبالِ تَبْــكي الليثَ بالدمع الغزير
ما أنقذ الوطنَ المفَدْ
دَى غيرُ صبّارٍ جسور
الخاتمة
الأبطال الثلاثة
أجسادُهم في تربة الأوطانِ
أرواحُهم في جنّة الرضوانِ
وهناك لا شكوى من الطغيانِ
وهناك فيضُ العفوِ والغفران
لا ترجُ عفواً من ســواهْ هو الإلهْ
وهو الذي ملكتْ يـداهْ كلَّ جاهْ
جبروتُهُ فوق الذيــن يغـرّهــمْ
جبروتُهم في بَرّهــم والأبْحُرِ