( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
يعتبر المجتمع المدني القطاع الثالث من قطاعات المجتمع المساهم جنباً إلى جنب مع الحكومة وقطاع الاقتصاد والأعمال ، ويتكوَّن قطاع المجتمع المدني من العديد من المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ، ولأهمية المجتمع المدني أقرَّت الأمم المتحدة أهمية الشراكة مع المجتمع المدني كونه يضطلع به من تقوية وتعزيز المنظمة ودعمها . من هنا نرى أنَّ المجتمع المدني يلعب دوراً هاماً واستراتيجياً في معالجة الأزمات والمشكلات والآفات الاجتماعية ، وكلما كان المجتمع المدني نشطاً وفعَّالاً ومراقباً لما يحصل في المجتمع ، كلما كانت مساهماته في التكافل الاجتماعي وفي حل مشكلات المجتمع ناجحة وكبيرة . من هنا ، فإنَّ مؤسسات المجتمع المدني متنوعة ومتعدِّدة وبإمكانها المساهمة في التوعية الأمنية ، كالحي والنادي الرياضي ، والمدرسة ، والمسجد ، والهيئات والاتحادات المختلفة كالكشَّاف التي تعنى بالشباب ، وغيرها من المنظمات والجمعيات في المجتمع . وهذا يدلُّ دلالةً واضحة أنَّ المؤسسات الإعلامية في المجتمع عليها أن تعمل على كل هذه الجبهات من أجل خلق الوعي بالمشكلة والمشاركة في حلِّها . وكلٌّ حسب إمكانياته وطاقاته . 
ومن خلال رصدنا لتطوّر الأدب والنصوص الأدبية وجدنا أنَّ مصطلح المجتمع المدني قد انتشر في السنوات الأخير بشكلٍ لافت ، ومهمته التعبير عن القوى الاجتماعية المتنوعة والمختلفة التي تنشط في المجتمع في إطار منظَّم ، بهدف تحقيق مطالب واحتياجات الجماعات البشرية التي تمثِّلها ، ويعتمد المجتمع المدني في تحقيق أهدافه ومجمل أنشطته على وسائل الإعلام على الرغم من تنوعها، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى السلطة والفعاليات السياسية الهامة في المجتمع ، وطرح القضايا والمشكلات بقوة التي يواجهها . في هذا السياق تواجهنا بعض الأسئلة والتي منها: إلى أي مدى يمكن أن تساهم وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر ثقافة المجتمع المدني في الوطن العربي ؟، وإلى أي مدى تخدم وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المجتمع المدني ؟ كما يمكننا التساؤل عن أي مدى يؤثّر المجتمع المدني في وسائل الإعلام ويجعلها أدوات جيدة في خدمة المجتمع ووسائل النقد والاستقصاء والمراقبة وقوى لضمان التوازن المثالي في المجتمع ؟ 
من الجدير بالذكر أنَّ العلاقة بين المجتمع المدني ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي هي علاقة جدلية ، وكلما كان المجتمع المدني فعَّالاً وقوياً ومشاركاً في قضايا وانشغالات في إيجاد حلول لمشاكل المجتمع ، كلما فتح المجال بشكلٍ أوسع أمام وسائل الإعلام كي تقوم بتغطية هذه النشاطات والفعاليات . ، لتكون المؤسسات الإعلامية على اختلاف تنوعها منبراً للنقاش والحوار من أجل اتخاذ القرار السليم والحكم الراشد ، وثبات المواقف . 
لقد ساهمت الثورة المعلوماتية والاتصالية والعولمة في بلورة ونضج فكرة المجتمع المدني في الوطن العربي ، ومن هنا يتمثَّل دور المجتمع المدني في إيجاد فضاء مستقل يفرز قيم المساواة والعدالة والحرية ، بحيث يعمل على تنظيم العلاقات داخل تنظيمات مدنية تحقِّق استقلالاً نسبياً عن سلطة الدولة من ناحية ، وعن نشاط قوى السوق من ناحية أخرى . في الحقيقة أنَّ المجتمع المدني يستمد قوته من الثقافة المدنية التي تدور في جوهرها حول الحرية والمساواة والمواطنة ، وهي في أساسها قيم اجتماعية وأخلاقية عامة ، تتفرَّع عنها قيم تؤمن إيماناً كبيراً بالتفكير الحر الخلّاق ،والعمل الحر المسؤول ، وكذلك الحرية التي تستمد قيمها وأسسها من مبدأ الفرد الأخلاقي الذي يؤمن بأنَّ حريته تعني حرية الآخرين ، وأنَّ حرية الفرد لا تسمح أبداً بالانسلاخ من مجتمعه وفضائه السياسي ومحيطه الاجتماعي والثقافي . ولا تسمح له أبداً بالاغتراب عن مبادئه وقيمه ، حيث أنَّ حريته مستمدة من حرّية الآخرين . مع العلم أنَّ الحرِّية الفردية هنا هي قيمة مثالية عليا، تنتهي إلى قيمة اجتماعية عالية لا تقل عنها أهمية ، وهي قيمة الترابط الجمعي بين أفراد المجتمع التي تجعل الأفراد يتصرَّفون في منحى بيئة تضامنية عضوية تعبِّر عن روح الجماعة وقيمها . فالميديا بكل تفرعاتها هي أدوات اتصال الجماهير في المجتمع ، هي التي تنقل ثقافة المجتمع المدني من مستوى الوعي الفردي والجماعي إلى المستوى العالي من الوعي العام . وبهذا يمكننا القول أنَّ الثقافة المدنية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من وعي الأمة . وما على وسائل الإعلام والتواصل الجماهيري إلا أن تقدِّم خطاباً إعلاميا له أهداف كبيرة تصبُّ في هذا الاتجاه ويحمل في ثناياه قيماً إجتماعية سامية تنبع من بنية وماهية المجتمع وقيمه ومبادئه . مع علمنا المسبق أنَّ معظم ما تنشره الميديا هذه الأيام ، هو منتجات إعلامية مبسترة ، ومعلَّبة مستوردة من الخارج . تعمل على انفصام شخصية الفرد العربي الذي يعيش الواقع المأساوي الصعب والمختلف تمام الاختلاف عما يشاهده أو يستهلكه في الدوائر والمؤسسات الإعلامية العربية . من هنا تظهر الدراسات والآراء التي يقدِّمها النقَّاد والباحثين التي تصف الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بالضعف ، وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف المجتمع المدني وعدم تكامله وتبلوره ، انطلاقاً من مبدأ أنَّ الإعلام هو مرآة عاكسة للمجتمع والسياسة والاقتصاد ، الذي يعيش فيه ويتفاعل معه ، فإذا كان المجتمع المدني ضعيفاً ، فهذا بالتأكيد سينعكس سلباً على أداء الدوائر والمؤسسات الإعلامية في المجتمع ، فالإعلام القوي المتين والفعَّال لا ينمو ولا يزدهر إلّا في مناخ الحرية والديمقراطية ووجود القوى المتعدِّدة والمتنوعة الفاعلة في المجتمع .لأنَّ وسائل الاتصال الجماهيري الواسعة هي الحليف الاستراتيجي للمجتمع المدني ، وهي الوسيلة الأكثر نجاعةً والأداة اللازمة لتحقيق قيمه ومبادئه في المجتمع .