بثوب صلاتها المطرّز بالدعاء ، بضحكتها الدافئة كامتلاء الفم بالحليب ، بمراياها العميقة حيث أراني بكلّ أبعادي ، بأصابعها إذ يكون المرمر طرياً ، بعينيها الخالدتين اللتين تفضيان إلى برزخٍ يفصلني عن العالم ، بحكمة صبرها ورهافة حسّها وبراعة حدسها ، بلحمها ودمها ، بكلّ ما فيها ………
دخلتْ غرفتي .
هل أنا حيّ لأصدّق ما أرى ؟ 
دخلتْ عليّ بفرحٍ هادئٍ فتصدّعَ جبل حزني ، أضاءت غابات عزلتي بنور يشعشع من أقمار محيّاها ، غطّت المكان بحرير حنانها ، صبّت روحها في صدري فاندهش الطفل الغامض في روحي ، خطفتني برائحة عطرها السريّ الطالع من مشيتها الملائكيّة .
التبسَ عليّ صحوي ، شككتُ بجسدي أتحسّسُهُ ، غرقت حواسي ببحر الجنون .
جلستْ أمامي على الكنبى وقالت بصوت الحبّ : 
- صباح الخير يا أمّي
صرخت من جوفي :
- صباح الحياة يا أمّي 
همستْ :
- أشتهي فنجان قهوة من يدكَ 
ارتبكتُ جداً حتى احترقت شجرة الكلام في حنجرتي ، فأوحيتُ لها بلغةِ العينِ الدامعةِ : 
- سأغلي القهوة على نار قلبي .
وضعتُ الركوة وعدتُ مُسرعاً نحوها … 
لم أجدها 
لم أجد إلا ثوب صلاتها مُعلّقاً على كتِفِ غربتي .