الحياة برس - تعرض العالم الإيراني محسن فخري زاده، للقتل بالرصاص خلال تنقله برفقة موكبه في مدينة آبسرد جنوب العاصمة الإيرانية طهران في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، في عملية نسبت للمخابرات الإسرائيلية.
صحيفة نيويورك تايمز كشفت في تقرير لها السبت طالعته الحياة برس، تفاصيل عملية إغتيال العالم الإيراني أمام أنظار مرافقيه، مشيرة إلى أنه كان هدفاً رئيسياً للموساد الإسرائيلي على مدار 14 عاماً.
محسن فخري زاده يعد من أكبر علماء البرنامج النووي الإيراني ويترأس مشروع عرف باسم "مشروع آماد" يهدف لتطوير أسلحة نووية، ورغم إعلان اغلاقه عام 2003، زعم رئيس وزراء الإحتلال الأسبق بنيامين نتنياهو في 2018، أنه زاده ما زال يدير العمل ويسعى لتطوير السلاح النووي، وقال حينها:"تذكروا هذا الإسم جيداً".
وحسب الصحيفة، كان زاده على رأس المحادثات بين "إسرائيل وأمريكا" في عهد رئيس الوزراء إيهود أولمرت عام 2008، وكان حينها رئيس أمريكا جورج دبليو بوش، وقدم أولمرت له تسجيلاً صوتياً زعم أنه لمكالمة يجريها زاده مع أحد الاشخاص ويؤكد له مساعيه لصناعة السلاح النووي.

محاولات اغتيال محسن فخري زاده

كشف التقرير عن عدد من محاولات سابقة لاغتيال زاده، أولها كان عام 2009، تم إلغائها في اللحظات الأخيرة، وكان فريق الإغتيال حينها موجود في طهران وينتظر خروجه، ولكن الموساد ألغى العملية لشكه بأن المخابرات الإيرانية كشفت الأمر وأعدت كمين للفريق.
في عام 2012، تم إلغاء عملية إغتيال أخرى لزاده وإثنين من العلماء النووين بعد إنطلاق المفاوضات التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي حينها باراك أوباما، ومع إنسحاب دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018، عادت "إسرائيل" لإستئناف عملياتها التخريبية ضد البرنامج النووي الإيراني والعاملين فيها.

الموقف الأمريكي من خطة الإغتيال

أشار التقرير لتحمس إدارة الرئيس الأسبق دونالد ترامب لعملية الإغتيال، حيث بدأت الإستعدادات للعملية بسلسلة إجتماعات في أواخر عام 2019 وأوائل عام 2020، بقيادة مسؤولية إسرائيلية على رأسهم قائد الموساد حينها يوسي كوهين، ومسؤولين أمريكيين على رأسهم ترامب بنفسه ووزير خارجيته مايك بومبيو، ورئيسة وكالة المخابرات المركزية جينا هاسبيل.
الخطة لاقت ترحيباً إضافياً بعد إغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني، في غارة جوية أمريكية في العراق في يناير/ 2020، ولم يكن هناك رداً إيرانياً قاسياً، كما كان الأمريكان والإحتلال يعتقدان، لذلك قالوا بأنه من الممكن إستهداف شخصية كبيرة دون الخوف من رد فعل كبير.

الخوف من هزيمة ترامب أسرع من تنفيذ العملية

وحسب التقرير فإن الخوف من عدم تمكن دونالد ترامب من الفوز بالإنتخابات الرئاسية الأمريكية، أدى للإسراع بتنفيذ عملية الإغتيال، لأنه في ظل حكومة جو بايدن لن تجد "إسرائيل" غطاء أمريكي لمثل هذه العمليات.

خطة الإغتيال

طرحت العديد من الخطط لإغتيال زادة، منها إطلاق النار بشكل كثيف تجاه العالم الإيراني باستخدام دراجات نارية، ولكن تم رفض هذا الإقتراح لأنه تم إستخدام نفس الأسلوب في عمليات إغتيال أخرى لعلماء إيرانيين وبالتأكيد الأمن الإيراني تعلم من هذا الدرس.
بالإضافة إلى أن وحدة النخبة في الحرس الثوري هي المسؤولة عن تأمين العالم النووي، وكان يرافقه عدد من الحراس في 7 مركبات، ويقوموا بتغيير مواعيدهم وطرقهم بشكل دائم لإحباط أي هجمات محتملة.
الخطة الثانية كانت تفجير شاحنة محملة بكمية كبيرة من المتفجرات في طرق زاده بالإضافة لإستعداد قناصين في المنطقة يقومون بقتل العالم في حال رؤيته، وتم رفض الخطة خشية وقوع تبادل إطلاق نار يؤدي لوقوع إصابات في صفوف وحدة الإغتيال.
وأشارت الصحيفة لوجود قانون لدى مخابرات الإحتلال وهو "لا طريق للهروب - لا عملية"، فسلامة المنفذين أمر ضروري.
وبعد ذلك فكر المخططون لتطوير "قناص كمبيوتر"، يتم التحكم به عن بعد عبر الأقمار الصناعية من مركز تحكم بمنشأة سرية على بعد آلاف الأميال، ولكن لتنفيذ هذه الفكرة مع التأكد من إصابة الهدف بالتحديد خلقت تحديات كبيرة أمام المخططين، ولكن تم إعتماد هذه الخطة في النهاية.

طريقة إدخال سلاح الاغتيال لإيران

الصحيفة نقلاً عن مسؤولين بالموساد، إختاروا السلاح البلجيكي الرشاش "FN MAG"، وأضافوا له آلي روبورت وصف بأنه معقد، جعلته يبدو وكأنه مثل السلاح الإسباني الرشاش المعروف بـ "Sentinel 20".
وبعد تجهيز الآلية كان وزنها طناً واحداً، ومن أجل إدخالها لإيران تم تفكيكها لعدد كبير من الأجزاء الصغيرة، وتم تهريبها واحدة تلو الأخرى، وتم إعادة تجميعها داخل البلاد، وتم تركيب الرشاش على شاحنة صغيرة من طراز إيراني شائعة الإستخدام يسمى "زمياد"، وتم تفخيخ الشاحنة من أجل تدمير السلاح بعد تنفيذ العملية.
وكان السلاح الرشاش مغطى داخل الشاحنة بالقماش المشمع ومواد البناء بالإضافة لتزويد الشاحنة بكاميرات تغطي كافة الزوايا.
ولحل مشكلة إهتزاز الشاحنة من قوة إطلاق النار حيث يطلق المدفع الرشاش حوالي 600 طلقة في الدقيقة، بالإضافة لمشكلة تأخير وصول الصور من الكاميرات للمشغلين عن بعد بما يقارب 1.6 ثانية مما يقلل من كفاءة المراقبة والتصوير، تم الإستعانة ببرنامج ذكاء إصطناعي ونجح بإنهاء هذه المشاكل.
كما طلب المنفذين من المخططين للعملية في الموساد تحديد محسن فخري زاده وأين يتواجد بالموكب قبل تنفيذ العملية، ولعدم إمكانية ذلك باستخدام القدرات الإستخبارية الجوية في إيران، تم إستخدام حيلة ذكية سميت بـ "حدوة الحصان"، وتهدف لتأكيد وصول الهدف قبل الدخول في محيط منطقة العملية بمسافة ميل تقريباً.

تنفيذ عملية الإغتيال

يوم الجمعة الموافق 27 نوفمبر/ 2020، عند شروق الشمس أبلغ الإسرائيليون شركائهم الأمريكيين ببدء تنفيذ عملية الإغتيال، تقدم العالم الإيراني بسيارته وبجواره زوجته في شارع الإمام الخميني، تتقدمه سيارة أمن في المقدمة وسيارتان في الخلف، قبل الساعة الثالثة والنصف مساءاً بتوقيت طهران، وهنا أكد العملاء أن زاده في السيارة وتجلس بجواره زوجته، وخلال ذلك ظهرت السيارة على كاميرات مركبة الإغتيال.
في نفس الوقت أسرعت السيارة الأمنية التي في المقدمة نحو منزل زاده لتأمينه قبل وصوله، وهذا خطأ فادح زاد من إمكانية إستهداف مركبة الهدف، وبعدها وصلت مركبة زادة وتباطأت سرعتها قليلاً وكانت سيارة الإغتيال تقف بمكان أعلى قليلاً من الجزء الذي تسير به سيارة العالم الإيراني، وهذا ما سمح برؤية أفضل للقتلة، وبعد وصوله للنقطة المحددة فتح المدفع الرشاش وابلاً من الرصاص تجاه المركبة وأولى الطلقات أصابت أسفل الزجاج الأمامي للسيارة ولم يتم التأكد من إصابة الهدف، وقام فريق الإغتيال بتعديل زاوية الرؤية الخاصة بهم وفتحوا النار مرة أخرى هذه المرة أصابوا الزجاج الأمامي بثلاث رصاصات على الأقل إحداها في كتف زاده وسقط أرضاً محاولاً الخروج من السيارة، واستمر إطلاق النار تجاهه حتى أصيب بثلاث طلقات في ظهره وعموده الفقري وسقط على الطريق.
في هذا الوقت توجهت زوجته إليه راكضة وحسب أبنائها قال لها في لحظاته الأخيرة:"يريدون قتلي عليكم بالرحيل"، في وقت لاحق إنفجرت الشاحنة في محاولة لإخفاء أثر المدفع الرشاش المحوسب، ولكن التفجير لم ينجح بتدميره بشكل كبير وأدى فقط لتحطيم المعدات وتضررها بشكل لا يمكن إصلاحه.
واستغرقت العملية بأكملها أقل من دقيقة، أطلق خلالها 15 رصاصة، وأشارت الصحيفة أن التحقيقات الإيرانية أشارت لعدم إصابة زوجه زاده رغم إطلاق النار، وذلك بفضل برامج التعرف على الوجه الذي تم إستخدامه في العملية.

السلاح الاسباني المستخدم بعملية الإغتيال

المصدر: نيويورك تايمز + ترجمة الحياة برس