ليس كعادته الأدبية في بنيته النصية، الكاتب (يسري الغول) هذه المرة في مجموعته القصصية "نساء الدانتيل" ينزاح بلغته السردية إلى قوة التصوير والتخيل وبراعة الوصف ودقته، والخروج عن المألوف بمشاهد فنتازية ترمي إلى دلالات بعيدة ترجو إعادة تشكيل الواقع المتنافر والمتضارب وصهره في وعاء ربما يعيد للذات الإنسانية حقوقها البشرية التي سحقتها مداولة الأيام ووقائعها، ويضعها في موقعها ويدمجها في زمانها ومكانها الطبيعيين، فأخذ يبنى قصصه في لغة شعرية موجزة ومكثفة تضم بين ثناياها جماليات المفاجأة، والدهشة، والتعجب، وتفتح باب التأويل على مصراعيه أمام القارئ المتمعن، وتشي بقوة وخصوبة ذاكرته وثقافته العالية وتعدد تجاربه الحياتية ومدى إحساسه ووعيه بواقعه المحيط، وحرصه على تغييره نحو الأفضل، ولقد ضمت المجموعة القصصية "نساء الدانتيل" سبع عشرة قصة من بينها قصة نساء الدانتيل التي بها تمت عنونة المجموعة القصصية، إذ عرضت هذ القصة لأنساق متأصلة في الذات الإنسانية أهمها الصراع بين متطلبات الروح والجسد، وكيف للجسد أن يشبع روحه دون المساس بأخلاقه ومُثله وقيمه العليا، وعلى الإنسان أن يدرك بأن لديه قيمة ما يجب أن يتمسك بها ويعززها لا أن يهمشها ويدفع بها للهلاك إذا ما اعتراه أي نقص ، إضافة لأن المرأة سر حيوية الرجل وكينونة بقائه. وعن باقي قصص المجموعة فهي حاكت الواقع وكشفت زيفه الاستعاري، وبأسلوبها الرمزي والمشحون بالتوعية الجماعية طمحت إلى الحرية والنجاة وإلى إعادة الذات الإنسانية التي انتُزعت باسم الوطن والعروبة، قصص تمثلت بداخلها مفارقة صارخة تعبر عما آل إليه الحال الآن حيث (أوروبا) الجنة المنشودة، و(الوطن) النار التي تلتهمنا ونبقى نستصرخ من شدة جحيمها، وقصص ركزت على ثنائيات متضادة كانت تتردد على طول السرد الحكائي وهي( الموت/ البعث)، و(الفرح/ الحزن)، و(الأمل/ اليأس)، (النجاة/ الهلاك)، (الوطن/ الهجرة)، (فتنة الدنيا/ ظلمة القبر)، وبتأثر أدبي غربي سار الكاتب يسري الغول على نهج (بريخت)، و( صموئيل بيكيت)، و( ماركيز)، و(تشارلز ديكنز)، و( دستويفسكي)، في محاولة منه لإصلاح واقع اجتماعي مهشّم ومندثر يعج بالألم والمرارة محققًا بذلك العدالة الاجتماعية ومعززًا لقيمة الإنسان وحريته في عالم ترتسم فيه صورة البياض وتضمحل فيه صورة السواد التي أوشكت أن تهيمن على الدنيا، يسري الغول في مجموعته القصصية "نساء الدانتيل" جمع بين الواقعي والمتخيل، والغريب والمألوف، والحقيقي والوهمي، والوحدة والتشظي، والقداسة والدنس، والجماعي والذاتي، يسري الغول لم يعرِّف القارئ بحدود الزمان والمكان ولم يعرِّف القارئ بشخصيات مركزية ينطلق من خلالها لإقامة حاضره، فقصصه كانت دعوة لكسر رتابة السرد ونمطيته التقليدية، قصص تدفع بالباحثين والدارسين لأن يقيموا على تلك المجموعة القصصية أبحاثًا ودراسات في ضوء مناهج نقدية حداثية تشبع جوف المتن القصصي وتروي حلق قارئيه.