تقَعّرَ المحدّبُ وتحدّبَ المُقعّرُ ، انفصلت الظلال عن ملامحها والرؤوس عن أفكارها ، واستحالَ الشكلُ إلى شظايا أشكالٍ من شراراتٍ وعتماتٍ وتيه .

رأيتُ دم أحلامي مُراقاً ، دافقاً بين شقوق الخراب ، يتفجّرُ كبروقٍ مدوّيةٍ في بطونِ السماء .
أليسَ للأحلامِ دمٌ ؟
بلى ..
أنا أسبح في دم أحلامي .

ليس للأحلام مُنتهىً فِيَّ : إنها تتفايضُ عنّي حَدّ افتضاض حدود إدراكها وتأويلها ، لكنّ للخيباتِ ، حين تدبّ بكامل عتادها ، فعلُ النقيض الموازي لحجم الأحلام ، الخيباتُ هنا : فؤوسٌ مصمّمة لقطع جذور الشغف لا أغصانه .

وُلِدَ الحلمُ خارج ذاته منفيّاً ، مطروداً ، خارج مكانه وزمانه ، كأن تحلم بتحريرِ سجينٍ من زنزانة ضيقة ، فتصحو على نبأ دفنه في مقبرة واسعة ، أو كأن تحلم بتحرير أرضكَ من كلّ أوساخ التاريخ البشريّ ، فتجد نفسك مقذوفاً إلى أرضٍ مُحررةٍ لا تشبه أرضك .

حلمتُ برؤية الحريّة وهي تخرج من أنفاق الظُلْمِ كعنقاءِ الأساطيرِ شامخةً ، ترفع تعبَ الناس تاجاً على جبينِ الشمس ، تغسلُ عيونهم بدمعها الصافي وتربّي وردها الناريّ في أرض هواجسهم .
حلمتُ بالعدالة واقعاً ، أن أراها وهي تدفنُ اللغة الفاسدة ، أن أراها وهي ترتدي ثوباً منسوجاً من عرق الشهداء والمظلومين والفقراء ..
هنا والآن : رأيتُ الحرية والعدالة ، ولكن في عيون أصحابها المُترفين ، لا في عيون أهلي المظلومين .

مرّةً ، بكيتُ ، لأنني لم أجد مكاناً صالحاً للحبّ ، مكاناً هادئاً ، يحتملُ صخبَ قلبينِ وصرخة لهفَتِين وحربَ قُبلتين .
لكَمْ بكِيِتْ هي أيضاً ، لأنها لمَحَتْ شظايا حيرتي وهي تلهث في كلّ الجهات .
هنا والآن : حصلتُ على شقّةٍ ، ولكن من دون قلبها ولهفتها وقُبلتها ، شقّةٌ باردةٌ بلا حبيبةٍ

شقّةٌ لا تصلحُ إلا لوحدتي .

خلدون رحمة

ألمانيا