قراءة أولية في نص الشاعر الفلسطيني خلدون عماد رحمة ..Khaldoun Imad Rahmeh
( كمصلوب على خاصرة دمشق أنزف أحلامي )

القراءة الأولية لنص الشاعر خلدون رحمة تدفعك إلى البحث عن الماهية والصيرورة والسيرورة التي كُتِبَ فيها النص، من أجل إدراك وتمثُّل عميق لشروط إنجاز عمله الأدبي الذي يفضي بالضرورة إلى استشعار إحساس دفين يثقل المعاناة والجهد المعرفي لأنه فتكة بكر .. وفتحٌ نادرٌ ، وارتياد ما بعد حداثي لآفاق اللحظة المؤلمة الموشاة بالحزن العميم ، والتأثر بفلسفات ونظريات الوجود والعدم .. الخلق الواهي للحقوق الإنسانية .. حيث يقول هي ( لعبة الحظ بين وجود مشبوه وموت محقق )،نصٌ فيه امتساخات مبتذلة تدفعك إلى التشظي من جديد ..( صلبٌ..نزفٌ، رائحة الدم ، شظايا .. احتراق .. بكاء .. موت .. عويل .. غموض .. ) إلخ .
      ما يعيشه الشاعر الفلسطيني خلدون رحمة جرَّاء ما يحدث في سورية من ألمٍ وقهرٍ وموت ٍ ، ولا حياة .. يجعله يبني مورفولوجيا حكائية النص على اختزال وتجاهل أحياناً الأبعاد الإجتماعية والتاريخية الشارطة للنص ، إلى اللا زمن ، حيث يدفعك بقوة نحو استجلاب الدلالات والمقاصد بمحتوياتها اللانهائية ،من أجل بعثها من جديد .. ومن ثم إعادة قراءة النص من جديد لتمنحه قوة مستبصرة وتعيد تأسيسه وتفعيله على أسس جديدة ، حيث يبدأ التأويل الثاوي في ثنايا النص ، متجهاً نحو فلسفة التجديد عموماً والهيرمينوطيقا تحديداً ..إلى القدرة على الإحاطة بالظواهر القهرية .. والتشظي والتفتيت ، وعدم التماسك النفسي الذي رامه الشاعر منذ البداية ، ساحباً إيانا إلى مرتبة الاستقلالية الأبستمولوجية لمرجعية النص الواقعي .. حيث أدخلنا عنوة في نطاق التقصي الفلسفي الوجودي حيث تبدو الأشياء عارية مجردة من الإنسانية . فالصلب له مدلول الفداء , وهيرمينوطيقا التأويل المنبعث من (رائحة الدم) التي (يدرِّب الأشجار) عليها . بعد أن ( ضمَّد الروح) .. من منا قرأ أو سمع عن ( تضميد الروح ) ، هذه الجملة تروم الخروج من مجال البحث عن المطابقة والمماثلة التامة إلى نطاق الاختلاف والمغايرة الكلية .. أي الانتقال من ضيق مجال معرفي أبستمولوجي قديم مؤسس على مركزية المعنى ، إلى أفق جديد عبر قطيعة معرفية أبستمولوجية هو مجال لا مركزية الفهم .
      فهو (كمصلوب على خاصرة دمشق ) يؤكد من خلالها حالةً من الاغتراب والمباعدة . بمعنى أنَّ الهرمينوطيقا رامت منذ البداية أن تنفذ إلى عمق الوجود ، لذا لم يتورَّط الشاعر خلدون في مفهوم الشكل أو البناء اللغوي المنغلق على ذاته أثناء عملية (الصلب ) وهنا يتجلى امتلاكه قدرة عالية على استقصاء دلالات الفعل راجعاً إلى فلسفة لا هوتية منبتها ديني كانت روح الفداء متجلية دون أدنى ريب .. لكنه أعادنا إلى لحظة البدء الأولى .. لحظة العماء الأولي حيث لم يكن في السماء نجوم ولا أقمار .. يقول :( تبدو السماء قاحلةً عاريةً من النجوم ). كما يقول :( يندلق الليل الموحش من إبريق العدم ) . وكأنه يضع يده على خزائن المُلك الإلهي . نبوءة الطفولة بقدرة المستقرئ لخفايا الكون على اكتشاف حقيقة الوجود المتخفي بين طيات الثورة على الذات خارج دائرة الجسد والحائم فوق مآذن الروح الصارخة المتسللة إلى فراغ الفراغ .. والباحث عن بؤر النور في العتمة .. تلك هي دليل الحائر والبرزخ السرمدي بين الوجود والعدم وسر المعنى وعقدة البداية وأقباس النهاية . من هنا فإنَّ الشاعر خلدون رحمة ، قد نفذ إلى صميم دواخلنا والجوانية وأنهض ما فيها من لُبْسٍ وغموض .. وافتضح ما بَطُنَ من مآسٍ وقهرٍ عميم .. ينزف من رحم كل من تعرَّى في هذه الأزمة الموحلة .. يقول : (أصواتٌ غامضةُ المصدر ،مجبولة بتأوِّهٍ وندبٍ وعويل ونشيج طويل ) ،هذا المُبهَمُ الغامض .. شديد الوضوح ، هذا الألم المجبول بالحياة ، يتركنا نتمزَّق من جديد .. نتفتت ، نتفكك من عرانا الإنسانية .. باحثين من جديد عن هويتنا وماهيتنا الوجودية ، وعن لحظة البدء الأولى وإمكانية العودة إلى اللا مكان في اللا زمان .. لحظة قهرية ، نابعة من عدمية الفعل المضني الذي استشفه الشاعر لحظةً بلحظة ، وكأنه يعيد بناء أرواحنا من جديد ،أو يدفعنا لأن نتجلى على الكون كأنَّ كل واحد من إلهاً قادراً على إعادة الخلق .. آهٍ كم كان الظلام الموحش بما يملك من ارتجافٍ وخوف.. ، حيث كان يتسلل إلى عروقنا الغائرة ،حيث أفقدنا القدرة على تفكيك الأصوات ، يقول : (لا أستطيع تفكيك الأصوات .. لا هي بكاء طفليٌّ ، ولا هي غًمُّ نساءٍ ثكالى ، ولا هي صفير قذائف ) إذا ً توضحَّت هنا أسباب العويل والبكاء ،، إنها أصوات القذائف التي جرحت أرواحنا التي بدأ الشاعر خلدون (بتضميدها )، متساءلاً بعد الموت : ( هل يبكي الموتى حين يهبط الليل ثقيلاً على أجداثهم ). هنا لا فرق بين نص العقلانية ونص اللغو عند الشاعر ، حيث من الممكن أن نرى صدق مواقفه حين يدعي أن النص العقلاني الحاوي على الحقائق والمعاني الحقة يقع ضمن أقنوم أدبٍ مميز . لم يستنسخه أي كاتب أو شاعرٍ من قبل ،، لقد نحى الشاعر باتجاه البناء الكلي للنص خارجاً من تفكيكية جاك دريدا الداعي إلى بلورة الحدث بعد روي تفاصليه القريبة والنائية . وهو بذلك منكفئ باتجاه اليقينيات وحسب .. لذا نجده يتساءل بمرارة وشك بدون مواربة حول الجندي الساهر تحت شباكه الذي يفكِّر بقتله يقول : ( هل يفكِّر الجندي الساهر تحت شباكي بقتلي ؟ لا أعرف لماذا يغني ، صوته المبحوح يدخل جمجمتي كأفعى ) . هنا حين تحاور النفس النفس يختلي الفراغ بالوجود ، ويملأ أتونه أسئلة حائرة .. وتتجلى الحقيقة عارية من كل زيف خالية من كل تشوّه ، حينها يأخذنا الشاعر خلدون بذاته إلى النائيات في ذواتنا ، لأنه تسكنه الشهوة للاستقرار من بعد الفوضى .. كآدم الملقى به من مكان الاستقرار الأولي إلى مكان الفوضى المطلق .. هل الفوضى مطلقة في رأي الشاعر خلدون .. نعم إنها فوضى غير متماثلة استطاع الشاعر خلدون رحمة بحنكته المعتادة تصوير بنية الصراع والفوضى المتأج في سورية من خلال تصويِره ( الجندي الساهر تحت النافذة الذي يغني ) والصورة الثانية (صورة الرجال الذين يجرجرون جسدي نحو مقبرة كانوا يحملون سيوفاً لذبحي وربما تقطيعي إرباً) هذه الصورة من أكثر الصور رعباً وغرابة ً لا تقل عنها رعباً صورة (المراة التي لها ذقن رجلٍ تضحك كعاهرة ) . لقد استطاع الشاعر خلدون أن يلخّص أيقونة النفس وعلاقتها بالحوار الذاتي حيث تلمس مدى تحسسه لوجع الكلمة وحزن إيقاعها ونرجسية حلم الفلتان من كل تلك الكوابيس فهو يلامس في نهضته ومناهضته لتلك الكوابيس ماء الروح في خجل فيروزي ، وجِلاً من الإقرار بأحقيته في تسيير نواميس الوجود ، ورفض بعضها ، خاصة إذا كانت إحالة مباشرة يقول ( أحاول التناسي ولكن سرعان ما تتقافز في رأسي غزلان الذاكرة : مقعد تحت شجرة زنزلخت في حديقة ضيقة ، قبلة تضيء الروح كنت قد سرقتها تحت درج بيتنا المهدوم ، أغنية كنت أدندنها بين نهديّ حبيبتي ).فكان الانفلات رمزاً لعتمة الغربة وشروخ الوجدان وتلك انفلاتات متتالية لا حصر لها هبّت في زمن خيانة الذات لذاتها .. 
     لقد أكّد الشاعر خلدون على فلسطينيته المتساوقة مع اللجوء .. حين قال : (وأنا المؤقت الآن ، زماني ومكاني مؤقتان فالاستقرار لا يليق بلاجئٍ مثلي) ، هنا تكمن قدرة الشاعر على الفهم للحالة الصعبة والقدرة الفائقة على فهم المكان والزمان للاجئ .. فما أروع أن تنكشف النفس على النفس كانعكاس الماء على الماء ، ولكن الأروع القدرة على التجاوز وخلق الخلق واقتناص المستحيل من دائرة الإنغلاق على الذات حتى يكون الوجود ملاذ النفس المتيمة بعشق الوطن الأم فلسطين . ليس تجلي لمعاني النرجسية المشروعة .. ولكن القدرة الواعية لولوج مدينة التجلي من أوسع أبوابها والسير في شوارع الحقيقة الضيقة والرفض المترع على الزيف والخديعة ، فتعانق النفس الجسد وحفر الأمل تمهيداً للرحلة الجديدة من اللجوء .. والسير في أخاديد مجهولة ،هو الذي يدفعه إلى(محاولة النوم مجدداً) فاقداً لكل عوامل الطمأنينة والإستقرار ، لذا يندفع إلى حضن أمه الذي هدَّها السعال ، محاولاً التنهد على ( صدرها مثل طفلٍ ضاع منه الكون ) .. هنا البحث المضني عن الانصهار المتوهج مع الذات ، مع النفس في متاهة الوجود ،، نجده غريب تيبست عروقه وتجمدت دماء ثورته فعانق الآخر في تجربة حريرية المبعث ، والمبحث ، شبقية التواصل ، انفصامية الغموض في الذوبان مع الآخر .. ذلك المختلف المتمرد على الروح ، المستبعد لكل جسد مرمري ، لحظة توحد مفلتة من غربة الزمن إلى شهوة اللا زمن ووجع العراء .. عند استقراء حب دمشق العنيد وتناسي الروح الملتهبة بلذة المخاتلة ومحاربة الانشطار .. يقول في خاتمة النص (يا إلهي ألهذا الحد صار الوجود فكاهة ) . دهشة الغصن الرقيق عند هبوب العاصفة الهوجاء ، وهي صرخة الطفولة عند صمت الجنون لندى الشاعر وهو يحاور ذاته لذاته ويتنفس نفس النفس ويعيد الروح حتى الاحتراق .
 نص الشاعر خلدون رحمة تليق به كل معاني التقدير ، فهو الذي قام من خلال حروفه بتعرية كل أشكال القهر الإنساني ووجعه المطلق ، لقد كشف سر الوجع وبانت تباريح القلق وانسابت لغة البوح وهي تجرِّد غموض الوجود من رداءة الرداءة . إنه نص قادر على الولوج إلى العقل والوجدان وبسط الخيبات والأمل على أرض تنتظر من يزرعها من جديد . د . عنقاء كنعاني