
الحياة برس - تدخل اليابان مرحلة جديدة في سياستها الدفاعية، بعدما دفعتها التحولات الأمنية المتسارعة في شرق آسيا إلى إعادة النظر في العقيدة التي حكمت سياستها العسكرية لعقود طويلة.
وتواجه طوكيو بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، في ظل تنامي القوة العسكرية الصينية، واستمرار تطوير كوريا الشمالية لقدراتها النووية والصاروخية، إلى جانب تصاعد النشاط العسكري الروسي والتعاون المتزايد بين موسكو وبكين وبيونغ يانغ.
ورغم أن اليابان لا تتجه رسمياً إلى تبني سياسة هجومية، فإن الإجراءات التي اتخذتها خلال السنوات الأخيرة تعكس انتقالاً واضحاً من التركيز على الدفاع التقليدي إلى بناء قدرات تمكنها من الردع والاستمرار في مواجهة أزمات عسكرية طويلة.
الصين.. التحدي الأكبر
تضع طوكيو الصين في مقدمة التحديات التي تواجه أمنها القومي، خصوصاً مع التوسع الكبير في القدرات العسكرية الصينية والنشاط المتزايد للقوات البحرية والجوية الصينية بالقرب من الأراضي اليابانية.
وتبرز جزر سينكاكو، التي تسميها الصين دياويو، باعتبارها إحدى أكثر نقاط التوتر حساسية بين البلدين، إذ تتكرر التحركات البحرية والجوية في محيطها، ما يرفع احتمال وقوع حادث عسكري قد يتحول إلى أزمة أوسع.
لكن الخطر الأكبر بالنسبة لليابان يرتبط بتايوان.
فأي مواجهة عسكرية بين الصين والولايات المتحدة حول الجزيرة يمكن أن تضع اليابان أمام اختبار مباشر، خصوصاً بسبب تحالفها الأمني مع واشنطن وقرب الأراضي اليابانية من مسرح أي صراع محتمل.
وتنظر بكين من جهتها إلى تعزيز التعاون العسكري بين طوكيو وواشنطن باعتباره جزءاً من محاولة احتواء نفوذها في شرق آسيا.
كوريا الشمالية.. صواريخ على مقربة من اليابان
التهديد الثاني الذي يقلق طوكيو يأتي من كوريا الشمالية، التي تواصل تطوير برنامجها النووي والصاروخي.
وتملك بيونغ يانغ صواريخ قادرة على الوصول إلى الأراضي اليابانية، الأمر الذي دفع الحكومة اليابانية إلى تطوير منظومات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي وتعزيز قدرات الردع.
ولا تخشى اليابان فقط من هجوم متعمد، وإنما من احتمال اندلاع مواجهة مفاجئة في شبه الجزيرة الكورية، يمكن أن تتوسع بسرعة وتستدعي تدخل الولايات المتحدة والصين واليابان.
وتزداد حساسية هذا السيناريو مع استمرار التوتر بين الكوريتين، وتصنيف بيونغ يانغ سيول عدواً رئيسياً، بالتزامن مع تعزيز العلاقات العسكرية بين كوريا الشمالية وروسيا.
روسيا تفتح جبهة استراتيجية أخرى
روسيا تمثل بدورها تحدياً مختلفاً لليابان، خصوصاً بسبب الخلاف المستمر حول جزر الكوريل الجنوبية والنشاط العسكري الروسي في المناطق القريبة من اليابان.
وترى طوكيو في الحرب الروسية الأوكرانية مثالاً على قدرة نزاع إقليمي على التحول إلى مواجهة واسعة، ولذلك تتابع عن كثب تطور العلاقات العسكرية بين روسيا والصين وكوريا الشمالية.
وتخشى اليابان من أن يؤدي تزامن الضغوط القادمة من هذه الدول الثلاث إلى وضعها أمام بيئة أمنية متعددة الجبهات.
الإنفاق العسكري يرتفع
في مواجهة هذه التطورات، بدأت اليابان منذ عام 2023 تنفيذ خطة لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى نحو 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
ويمثل ذلك تحولاً مهماً بالنسبة إلى دولة حافظت لعقود على نهج شديد الحذر في استخدام القوة العسكرية، متأثرة بإرث الحرب العالمية الثانية والدستور الذي يقيّد استخدام القوة كوسيلة لتسوية النزاعات الدولية.
وتوجه طوكيو جزءاً متزايداً من إنفاقها إلى الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والأسلحة الذكية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وقدرات حرب المعلومات.
كما تسعى إلى تعزيز صناعة الدفاع المحلية وتقليل اعتمادها على الخارج، بما يسمح لها بالحفاظ على قدرتها العسكرية في حال اندلاع أزمة طويلة.
هل تستعد اليابان للحرب؟
لا يعني تعزيز القدرات العسكرية اليابانية أن الحرب أصبحت وشيكة، لكن المؤشرات تدل على أن طوكيو باتت تتعامل مع احتمال وقوع صراع إقليمي باعتباره سيناريو يجب الاستعداد له.
ويمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لأي مواجهة مستقبلية.
الأول يتمثل في حادث عسكري مباشر بين الصين واليابان، سواء حول جزر سينكاكو أو نتيجة احتكاك بين الطائرات والسفن.
والثاني هو اندلاع حرب حول تايوان بين الصين والولايات المتحدة، بحيث تجد اليابان نفسها مضطرة إلى اتخاذ موقف بسبب تحالفها مع واشنطن وموقعها الجغرافي.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في اندلاع حرب جديدة في شبه الجزيرة الكورية، بما يؤدي إلى تدخل القوى الكبرى في المنطقة.
الردع بدلاً من الحرب
ورغم هذه المخاطر، فإن الترابط الاقتصادي بين دول شرق آسيا، إلى جانب القدرات النووية للصين وروسيا وكوريا الشمالية والوجود العسكري الأميركي في المنطقة، يجعل الحرب الشاملة خياراً بالغ الخطورة لجميع الأطراف.
ولهذا تبدو السياسة اليابانية أقرب إلى بناء قدرة ردع تمنع الحرب، بدلاً من الاستعداد لخوضها باعتبارها هدفاً بحد ذاته.
وتعمل اليابان في هذا الإطار على زيادة مخزونات الذخيرة، وتحصين القواعد، وتطوير الملاجئ، وتحسين الدفاعات الجوية والصاروخية، وتعزيز قدرة قواتها على العمل في ظروف صراع ممتد.
وتكشف هذه الإجراءات عن تحول أعمق في التفكير الاستراتيجي الياباني؛ فطوكيو لم تعد تنظر إلى السلام الإقليمي باعتباره أمراً مضموناً، وإنما تستعد لمرحلة يمكن أن تتزامن فيها الضغوط الصينية والكورية الشمالية والروسية.
وبينما لا تبدو الحرب الكبرى حتمية أو وشيكة، فإن شرق آسيا يدخل مرحلة جديدة من سباق الردع، حيث يمكن لحادث صغير في البحر أو الجو، أو أزمة حول تايوان، أو إطلاق صاروخي من كوريا الشمالية، أن يختبر خلال ساعات قدرة القوى الإقليمية على منع التصعيد من التحول إلى مواجهة أوسع.
29/08/2026 02:41 pm
.png)






