
الحياة برس - تواجه فرنسا ضغوطاً اقتصادية ومالية متصاعدة مع تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع التضخم وتزايد تكاليف الاقتراض، في تطورات تهدد خطط الحكومة لخفض عجز الموازنة وتثير مخاوف من تفاقم أزمة الدين العام، بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية والاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة.
وأظهرت بيانات رسمية انكماش الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي بنسبة 0.1% خلال الربع الثالث من عام 2026، في أداء جاء أسوأ من التوقعات، بعد ركود الاقتصاد في الربع الثاني وانكماشه بنسبة 0.2% في الربع الأول، ما يعكس استمرار ضعف النمو منذ بداية العام.
وفي الوقت نفسه، ارتفع التضخم السنوي إلى 3.4% خلال أكتوبر، مقابل 3.1% في سبتمبر، مسجلاً أعلى وتيرة منذ يناير 2024، الأمر الذي يزيد الضغوط على الأسر ويعقد مهمة الحكومة في احتواء تكاليف المعيشة.
ارتفاع قياسي لعوائد السندات الفرنسية
وتفاقمت المخاوف في الأسواق المالية بعدما ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى 4.944%، بزيادة ست نقاط أساس خلال تعاملات الجمعة، في حين تحركت عوائد السندات الألمانية والإيطالية بوتيرة أقل.
وكانت عوائد السندات الفرنسية قد تجاوزت 5.14% خلال الأسبوع الماضي، مسجلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف المستثمرين من اتساع الدين العام وصعوبة التوصل إلى اتفاق بشأن الموازنة.
كما ارتفع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى نحو 160 نقطة أساس، وهو مؤشر يستخدمه المستثمرون لتقييم المخاطر المرتبطة بالديون الفرنسية، بعدما بلغ 177 نقطة أساس الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى منذ أزمة الديون الأوروبية عام 2011.
وتعكس هذه التحركات تزايد حذر المستثمرين تجاه الوضع المالي الفرنسي، خصوصاً في ظل الضغوط العالمية على أسواق السندات وارتفاع أسعار الطاقة واستمرار حالة عدم اليقين السياسي.
تحذيرات حكومية من تفاقم الأزمة
وحذر وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور من أن البلاد قد تواجه مساراً اقتصادياً بالغ الصعوبة إذا فشلت الحكومة في إقرار موازنة قادرة على الحد من العجز خلال الفترة المقبلة.
وأشار الوزير، في تصريحات لإذاعة «فرانس إنفو»، إلى أن الاقتصاد لم يحقق نمواً خلال ثلاثة أرباع متتالية، معتبراً أن استمرار هذا الوضع يجعل التحرك المالي أمراً ملحاً لتجنب مزيد من التدهور.
وتواجه الحكومة صعوبة في تحقيق توقعاتها لنمو الاقتصاد بنسبة 0.5% خلال العام الحالي، في حين تضع تقديرات أخرى النمو عند نحو 0.4%، وسط مؤشرات لا تدعم التعافي السريع.
وتزداد المخاوف بشأن قدرة باريس على خفض عجز الموازنة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2027، بعدما قُدّر العجز لعام 2026 بنحو 5.4%.
وقال كلاوس فيستيسن، كبير خبراء اقتصاد منطقة اليورو لدى «بانثيون ماكروإيكونوميكس»، إن البيانات الأخيرة لا تبعث على الاطمئنان، ومن المرجح أن تزيد الضغوط لتسريع إجراءات ضبط المالية العامة.
من جانبه، حذر ماكسيم دارميه، الخبير الاقتصادي لدى «أليانز تريد»، من أن فرنسا قد تدخل عام 2027 بقاعدة نمو ضعيفة للغاية، ما يثير تساؤلات بشأن قدرتها على تنفيذ خطط خفض العجز.
وأشار إلى مخاطر الدخول في حلقة مفرغة، إذ يؤدي ضعف النمو إلى ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون، ما يزيد تكلفة الاقتراض ويضغط بدوره على النشاط الاقتصادي.
احتجاجات مرتقبة تزيد الضغوط على الحكومة
ولا تقتصر التحديات الفرنسية على المؤشرات الاقتصادية، إذ تتصاعد الاحتجاجات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة والتفاوت الاجتماعي، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً متزايدة بشأن الإنفاق العام وإجراءات التقشف.
وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن يوم السبت يمثل فترة عالية المخاطر أمنياً، معلناً إعادة نشر نحو 70 ألفاً من أفراد قوات الأمن، عقب اضطرابات شهدتها احتجاجات سابقة ووُصفت بأنها من الأسوأ خلال السنوات الأخيرة.
وتضع هذه التحركات الحكومة أمام معادلة صعبة بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية وتقليص الإنفاق العام، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027، وما يرافقها من مخاوف بشأن مستقبل السياسة المالية الفرنسية.
ويراقب المستثمرون مسار الأزمة السياسية عن كثب، خشية أن يؤدي غياب توافق واضح بشأن الموازنة والإصلاحات الاقتصادية إلى زيادة الضغوط على الدين العام وإضعاف الثقة في قدرة الحكومة على تنفيذ تعهداتها.
توقعات برفع الفائدة الأوروبية وأسعار النفط
وعلى مستوى منطقة اليورو، تزايدت رهانات الأسواق على احتمال رفع أسعار الفائدة خلال ديسمبر، بعدما أبقى البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة عند 2.5%، مع إشارات فُهمت على أنها تترك الباب مفتوحاً أمام تشديد السياسة النقدية في الاجتماع المقبل.
وتتابع الأسواق أيضاً التطورات المتعلقة بخلافة رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، التي أُشير إلى احتمال تنحيها في فبراير 2027، مع تداول اسمي الهولندي كلاس نوت والإسباني بابلو هرنانديز دي كوس ضمن أبرز المرشحين المحتملين.
وفي أسواق الطاقة، ارتفع خام برنت بنسبة 2% إلى نحو 117 دولاراً للبرميل، بعد هجوم على ناقلة نفط في مضيق هرمز أعاد تسليط الضوء على مخاطر الإمدادات العالمية.
ويزيد ارتفاع أسعار النفط من تعقيد المشهد الاقتصادي الأوروبي، إذ قد يؤدي استمرار صعود الطاقة إلى تغذية التضخم وإطالة أمد الضغوط على الأسر والشركات، في وقت تتراجع فيه فرص التعافي الاقتصادي السريع.
وفي المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات خلال التعاملات، مع توجه بعض المستثمرين إلى الأصول الأكثر أماناً عقب موجة بيع جديدة لأسهم التكنولوجيا، وسط مخاوف بشأن الإنفاق المرتفع لشركات الذكاء الاصطناعي.
وتبقى قدرة فرنسا على احتواء العجز واستعادة النمو مرتبطة بمدى نجاح الحكومة في تمرير الموازنة وتهدئة التوترات الاجتماعية، إلى جانب تطورات أسعار الطاقة والسياسة النقدية الأوروبية خلال الأشهر المقبلة.
30/10/2026 04:36 pm
.png)







