الحياة برس - تعتمد كوريا الشمالية على شبكة واسعة من قراصنة المعلوماتية لتنفيذ هجمات إلكترونية تستهدف المصارف ومنصات العملات المشفرة، في عمليات تتهمها الولايات المتحدة بتوفير مليارات الدولارات لبيونغ يانغ، وسط مخاوف من توظيف هذه الأموال في تمويل برامجها العسكرية وتجاوز العقوبات الدولية.

وتبرز مجموعة «تريدر ترايتور» (TraderTraitor)، المرتبطة بشبكة «لازاروس»، باعتبارها إحدى أبرز المجموعات التي تنشط في هذا المجال، بعدما ربطها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي بعمليات سرقة ضخمة استهدفت أصولاً رقمية، من بينها اختراق منصة «بايبت» في فبراير 2025 والاستيلاء على نحو 1.5 مليار دولار من العملات المشفرة.

مجموعة مرتبطة بشبكة لازاروس

تُعد «تريدر ترايتور» جزءاً من منظومة القرصنة الإلكترونية المرتبطة بكوريا الشمالية، والتي اشتهرت دولياً بعد الهجوم على شركة «سوني بيكتشرز» عام 2014، في حادثة ربطتها السلطات الأميركية ببيونغ يانغ.

واستثمرت كوريا الشمالية منذ سنوات في بناء قدراتها السيبرانية، مع توجيه طلاب متفوقين إلى دراسة علوم الحاسوب وتقنيات المعلومات، قبل تجنيد بعضهم للعمل في وحدات متخصصة بالهجمات الإلكترونية.

وقدّرت الاستخبارات الكورية الجنوبية عدد العاملين في هذا المجال بنحو 8400 شخص عام 2024، فيما أشار تقرير عسكري أميركي صدر عام 2020 إلى أن وحدة الحرب السيبرانية المعروفة باسم «المكتب 121» كانت تضم قرابة 6 آلاف عنصر، يعمل بعضهم من خارج البلاد.

التصيد الإلكتروني وسرقة الهويات

تعتمد المجموعة على أساليب متعددة للوصول إلى أهدافها، من بينها انتحال صفة مسؤولي التوظيف أو التواصل المهني مع العاملين في شركات العملات المشفرة، لإقناعهم بفتح ملفات تحتوي على برمجيات خبيثة.

وفي إحدى العمليات التي كُشف عنها عام 2024، استخدم قرصان كوري شمالي حساباً على منصة «لينكد إن» للتواصل مع موظف في شركة متخصصة بمحافظ العملات المشفرة، مقدماً نفسه على أنه مسؤول توظيف. وبعد إقناع الموظف بفتح ملف مرتبط بعملية التوظيف، تمكن المهاجم، وفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي، من سرقة بياناته وانتحال هويته.

وتكشف هذه الأساليب أن الهجمات لا تعتمد بالضرورة على اختراق الأنظمة التقنية مباشرة، بل تستغل أيضاً الثقة البشرية للوصول إلى الحسابات والبيانات الحساسة.

عمليات سرقة بمليارات الدولارات

يمتد سجل الهجمات المنسوبة إلى قراصنة كوريين شماليين لسنوات، وشمل مؤسسات مالية وشركات تقنية ومنصات لتداول العملات الرقمية.

ففي عام 2016، سُرق نحو 81 مليون دولار من حسابات مصرف بنغلاديش المركزي، فيما تسببت برمجية الفدية «واناكراي» عام 2017 في إصابة أكثر من 200 ألف حاسوب في نحو 150 دولة.

وفي عام 2022، اتهمت الولايات المتحدة قراصنة مرتبطين بمجموعة «لازاروس» بسرقة نحو 620 مليون دولار من شبكة «رونين» المرتبطة بألعاب العملات المشفرة.

كما ربط مكتب التحقيقات الفيدرالي بالمجموعة هجمات استهدفت منصات «أتوميك ووليت» و«ألفابو» و«كوينزبايد» عام 2023، بقيمة إجمالية قُدرت بنحو 200 مليون دولار.

وفي مايو 2024، تعرضت منصة «دي إم إم بيتكوين» اليابانية لعملية سرقة قُدرت خسائرها بنحو 308 ملايين دولار، قبل أن تتصدر سرقة منصة «بايبت» في فبراير 2025 قائمة الهجمات الأضخم، مع الاستيلاء على أصول مشفرة قُدرت قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، وفقاً للسلطات الأميركية.

كيف تستفيد بيونغ يانغ من الأموال المسروقة؟

لا تنتهي العملية بمجرد الاستيلاء على العملات الرقمية، إذ يسعى القراصنة إلى إخفاء مصدر الأموال وتحويلها إلى أصول يمكن استخدامها في المعاملات المالية.

وأوضح ليم أول تشول، الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأقصى بجامعة كيونغنام في كوريا الجنوبية، أن عمليات غسل العملات المشفرة تشمل استخدام خدمات خلط الأموال الرقمية ومنصات تداول خاصة، بهدف إخفاء مسار التحويلات وصعوبة تعقب أصحابها الأصليين.

وبحسب تقديرات وخلاصات دولية، يُشتبه في أن جزءاً من عائدات هذه الهجمات يذهب إلى تمويل الأبحاث العسكرية وشراء مكونات خاضعة لقيود التصدير، في حين أشار تقرير للأمم المتحدة عام 2024 إلى مساهمة عائدات الهجمات السيبرانية، وفق بعض المصادر، في تطوير برامج أسلحة الدمار الشامل في كوريا الشمالية.

لماذا تراهن كوريا الشمالية على القرصنة؟

توفر الهجمات الإلكترونية لبيونغ يانغ وسيلة للحصول على الأموال خارج المسارات التجارية والمصرفية التقليدية، في ظل العقوبات الدولية التي تحد من قدرتها على الوصول إلى الأسواق المالية العالمية.

كما تتيح العملات المشفرة تنفيذ تحويلات عبر الحدود، مع إمكانية إخفاء هوية المستفيدين باستخدام أدوات وتقنيات متخصصة، رغم أن هذه المعاملات تترك آثاراً رقمية يمكن تتبعها والتحقيق فيها.

ويرى خبراء أن الجمع بين انخفاض التكلفة النسبية للهجمات الإلكترونية، وإمكانية تحقيق عائدات مالية ضخمة، جعل القرصنة إحدى الأدوات المهمة في استراتيجية كوريا الشمالية لمواجهة القيود الاقتصادية، وهو ما يضع منصات التداول والمؤسسات المالية أمام تحديات متزايدة لحماية أصولها وبياناتها.
calendar_month01/11/2026 02:23 pm