بقلم الإعلامي سليم ناصر 

وزيرة التربية في هولندا استقالت بعدما أقدم طالب يبلغ من العمر 10 سنوات في إحدى المدارس على قطع شجرة داخل حرم المدرسة.وقالت الوزيرة انهاواستقالت لتحمل المسؤولية الأخلاقية المباشرة عن الواقعة.
في لبنان، وزيرة التربية لم تكلف خاطرها بالتعبير ولو عن حزنها بعد استشهاد عدد من الطلاب العائدين من الامتحانات التي فرضتها الوزيرة تحت الخطر في بلد لا مكان آمن فيه... 

لقد وصلتني رسالة مؤثرة للغاية من الطالبة راما صفاوي من بلدة أنصار الجنوبية ولم اتردد للحظة في نشرها كما هي:

معالي وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان، ريما كرامي 
أكتب إليكِ اليوم ليس بصفتي طالبة فقط، بل بصفتي إنسانة عاشت ما لا يجب أن يعيشه أي إنسان. أكتب إليكِ من قلب الوجع، من قلب الحرب، من قلب التهجير والخوف والخسارة التي أصبحت جزءاً من يومياتنا.
أنا واحدة من آلاف الطلاب الذين عاشوا الحرب بكل تفاصيلها القاسية. شهداء من عائلتي، وبيت مدمر، وذكريات تحولت إلى ركام، وأيام طويلة عشناها بين الخوف والترقب. أنا لا أعيش ظروفاً طبيعية، ولا أملك حياة طبيعية، ولا أعيش بيئة تسمح لي حتى بالتفكير بما يسمى دراسة أو امتحان.
كيف يمكن لطالب أن يدرس وهو ينام ويستيقظ على صوت الغارات والطيران الحربي والمسيرات؟ كيف يمكن لطالب أن يحفظ الدروس وهو لا يعرف إن كان سيقضي ليلته بأمان؟ كيف يمكن لطالب أن يركز على الامتحانات بينما هو يحاول فقط أن يتجاوز آثار الصدمة والخوف والقلق؟
ومن هنا، أقول لكِ بكل صراحة: أنا لا أستطيع تقديم امتحان رسمي، ونفسيتي لا تسمح لي بذلك. ومن أبسط مطالبي أن أحصل على إفادة. ليس لأنني أبحث عن طريق أسهل، بل لأنني لم أعد أملك القدرة النفسية ولا الذهنية ولا الإنسانية لتحمل المزيد.
وأرجو ألا يقال لنا إن طلاب الجنوب يريدون تقديم الامتحانات الرسمية، لأن الحقيقة التي نعيشها مختلفة تماماً. لا يوجد طالب لم يتأثر. لا يوجد طالب لم يخسر شيئاً. ولا يوجد طالب لم يحمل قصة وجع خاصة به. وكل مدرسة في الجنوب تقريباً تطالب بالإفادات لطلابها الذين عاشوا هذه المأساة، لأن كل طالب لديه ظروف مختلفة وقصة مختلفة ومعاناة مختلفة.
ولا تقولي لنا إنكِ تواصلتِ مع المدارس. نريد أن نعرف أي مدارس هذه التي نقلت لكِ أن الطلاب بخير وقادرون على التقديم؟ لأن الواقع الذي نعيشه يقول شيئاً آخر تماماً. الواقع يقول إن الطلاب منهكون نفسياً، وإنهم لم يحصلوا على الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح لهم بالتحضير لمصيرهم الأكاديمي.
ولا تقولي لنا إن علينا أن نثبت أننا أقوياء وقادرون على تحدي الظروف. نحن لسنا في معركة لإثبات القوة. نحن طلاب فقدنا الكثير. ولا طالب بعد قادر على تحمل المزيد من الضغوط. نحن ننتظر خبر الإفادات ليس هرباً من المسؤولية، بل بحثاً عن قليل من الراحة بعد كل ما عشناه.
بصراحة، نشعر أننا تعرضنا للظلم. وإذا كانت الصورة التي تصلكِ مختلفة عن واقعنا، فنحن ندعوكِ للنظر إلى الأرض، إلى الحقيقة التي نعيشها كل يوم، لا إلى الشعارات والكلمات التي لا تشبه حياتنا.
إذا كنتِ قد قدمتِ امتحاناً في ملجأ خلال ظروف صعبة، فهذا خيارك وتجربتك، لكن لا يمكن تعميم تجربة واحدة على آلاف الطلاب المختلفين بظروفهم وقدراتهم النفسية. لا يمكن أن يطلب منا أن نعيش التجربة نفسها فقط من أجل الحفاظ على صورة الشهادة وقيمتها.
للأسف، وصلنا إلى مرحلة نشعر فيها أن قيمة الشهادة أصبحت أهم من قيمة الإنسان نفسه. وكأننا نحن الطلاب مجرد وسيلة لإرسال رسالة إلى العالم بأن كل شيء بخير، بينما الحقيقة أن كثيراً منا لم يعد بخير.
ولا تقولي لنا إن هناك دورة ثانية، لأن المشكلة ليست في الموعد. المشكلة أننا لم نعد قادرين حتى على الوقوف على أقدامنا من شدة التعب النفسي. لسنا قادرين على التفكير بالدراسة، ولا على استيعاب المعلومات، ولا على خوض امتحان يحدد مستقبلنا ونحن بهذه الحالة.
هذه هي الحقيقة، حتى لو كانت صعبة التصديق. حقيقة أن نفسياتنا مدمرة، وأن آثار الحرب لم تنتهِ بانتهاء القصف. الحقيقة أن وجع الحرب وحده يكفينا، فكيف نطالب أيضاً بحمل ضغوط الامتحانات الرسمية فوق كل ذلك؟
لذلك أرجوكِ، لا تعطينا المزيد من الشعارات أو المعنويات التي لا تشبه ما نعيشه. لأن ما نحتاجه اليوم ليس الكلام، بل الفهم الحقيقي لمعاناتنا. نحن لا نحتاج إلى مزيد من الضغوط، بل إلى قرار عادل وإنساني يراعي ظروف الناس.
وأنا أتفهم أن هناك طلاباً يريدون السفر أو يحتاجون إلى التقدم للامتحانات الرسمية، وهذا حقهم الكامل. لكن العدالة الحقيقية تكون بإعطاء كل طالب الخيار الذي يناسب ظروفه. من يريد الإفادة فليأخذ إفادة، ومن يريد التقدم للامتحانات الرسمية فليتقدم إليها.
بهذه الطريقة تكونون قد احترمتم ظروف الجميع، وأعطيتم كل طالب حقه دون ظلم أو إكراه. وهذا هو المنطق الذي نرجو أن يتم اعتماده، منطق الواقعية والعدالة والإنسانية.
نحن لا نطلب المستحيل، ولا نطلب امتيازات خاصة. نحن فقط نطلب أن يتم النظر إلينا كبشر عاشوا الحرب بكل تفاصيلها، وأن يتم احترام الوجع الذي نحمله، والظروف التي ما زلنا نعيش آثارها حتى اليوم.
مع فائق الاحترام،
طالبة من الجنوب اللبناني
calendar_month02/06/2026 08:39 pm